كمال عبد اللطيف: التحديث والحداثة ضرورة.. و"جميع الأمور نسبية"

كمال عبد اللطيف: التحديث والحداثة ضرورة.. و"جميع الأمور نسبية"
صور: منير امحيمدات
الأحد 19 ماي 2024 - 04:00

تكريم للأكاديميّ والمفكر المغربي كمال عبد اللطيف حضر في المعرض الدولي للنشر والكتاب بالرباط في دورته 29، استحضر عطاءَه البحثي والتأطيري وفلسفته ورؤيته للنهضة والتحديث بالعالم العربي.

منشغل بالحداثة والتحديث

تحدث عالم الاجتماع محمد الطوزي، مسير اللقاء التكريمي، عن كمال عبد اللطيف وتفكيره وتفكّره في دينامية إنتاج المفاهيم منذ سنة 1974، أي منذ بحثه الأول عن المفكر المصري سلامة موسى، الذي “من خلاله ساءَل الإصلاح والفكر الإصلاحي، من خلال الإطار الإبستيمي للإصلاح، مناقشا مفاهيمه.”

ومن بين ما اهتم به كمال عبد اللطيف، وفق الطوزي، “الاستشراق المعكوس”، أي “إعادة إنتاج المقاربة الاستشراقية من طرف بعض الكتاب والمفكرين العرب، إما من خلال التأصيل داخل الدين بالأساس، أو البحث عن التأصيل من خلال المناقشات”، وأنتج “مسارا جديدا لنقد الاستشراق المعاكس، أي نقد منهجيات التأصيل داخل العالم العربي”.

كما ذكر الطوزي أن كمال عبد اللطيف طرح “قضية علاقة المشرق والمغرب الإسلامي بموقف متبصر لطرح وجوه الاشتراك للمقاربة العربية، ووجوه الاختلاف من خلال المقاربة التاريخَانية والاجتماعية”.

الأكاديمي سعيد بنسعيد العلوي تحدث، من جهته، عن كمال عبد اللطيف بوصفه “يمثل جيلا في المغرب لم يقم بشيء آخر إلا التدريس وممارسة التدريس”، فقد درّس طيلة 40 سنة، و”بدايته الأولى كانت بالتعليم الثانوي، وهذا شيء هام جدا، فبلغة البيداغوجيين تكتسب مهارات وكفاءات، وتدخل في عالم البيداغوجيا والتلقين، وتدرك أن عملية التعليم مزدوجة؛ فتعلِّم، وتعلِّم من خلال التعليم، ولا تلقّن فقط، بل تراقب هل فهم المتلقي أم لا؟”.

في مسار التعليم هذا لم يعرف كمال عبد اللطيف “راحة أو تفرغا للبحث، فمنذ حصل على الإجازة وهو يدرّس، وأجرى دراساته ورسالته وهو يدرّس، ولما التحق بالكلية لم يعرف سنة تفرغ أو منحة تفرغ، ومساره لم يكن مباراة دخول الكلية، بل كان من “السكة القديمة” (…) وله كتب كثيرة وندوات داخل المغرب وخارجه، وانشغالات بحثية إلى جانب تأطير الطلبة وتدريسهم، وله مزية المرح والانشراح والغبطة والسرور، وله وفاء للأمكنة التي يزورها في المغرب أو خارجه ويوصي بها”.

وذكر سعيد بنسعيد أن الإشكال الرئيسَ المحوري الذي ظلّ يحوم حوله كمال عبد اللطيف طيلة عقود هو: إشكال الحداثة والتحديث، فـ”اشتغل بقضية الحداثة، ودرّسها، وأطّر فيها”، محاولا الإجابة عن سؤال “ما الحداثة؟”، ثم “انشغل بالفكر العربي المعاصر، خاصة في جانبه السياسي، وفي هذا الفكر كانت قضية التحديث محورية، ولو اختلفت التسميات: النهضة. فقد حضرت الحداثة في مفكرينا معنى ولو تأخرت اسما”، فمثلا “حبيبُ كمال عبد اللطيف، عبد الله العروي” لم يكن في بداية كتاباته يتحدث عن الحداثة، بل عن مفاهيم مثل “التأخر التاريخي”.

وانشغل كمال عبد اللطيف بكيفَ تمثل الحداثةَ المفكرون العرب المعاصرون الأحياء، ومن ثمّ اهتمّ بشكل كبير بعبد الله العروي، ومحمد عابد الجابري، وهشام جعيط، وناصيف نصار، ومحمد أركون، وصادق جلال العظم، وغيرهم.

وثالث المحطات هي بحث كمال عبد اللطيف عن “المدخل الحقيقي لهذه الحداثة”، إذ اهتم “كفيلسوف بتحديث العقل وطرائق التفكير”، و”في كتابته النظرية إلحاح على أن لا حداثة حقيقية دون المرور بالتحديث السياسي للمؤسسات، والعلائق، والدولة الحديثة، والمواطن، ومعنى المواطنة، والتسامح والحرية”، وهو ما عبّر عنه عبر الدراسة الأكاديمية الرصينة، والكتابة الصحافية، ومواقع الإنترنت أيضا.

الباحث عبد السلام الطويل تحدث عن المكرّم بوصفه “امتدادا نوعيا للجيل الأول للدراسات الفلسفية (محمد عزيز الحبابي، محمد عابد الجابري، علي أومليل وآخرون)، ومن رموز الجيل الثاني للدراسات الفلسفية، وتشغله “إشكالية الحداثة والتحديث السياسي لتجاوز واقع التأخر التاريخي”، دون أن يلغي هذا من وعيه أن “الثورة السياسية والتحديث السياسي لن ينتجا ثمارهما دون الاستناد إلى التحديث الثقافي والثورة الثقافية، دونما مفاضلة”.

وتابع قائلا: “مساره في جزء كبير منه دفاع نقدي متواصل عن قيم الحداثة والحداثة السياسية وأسسها السياسية والأخلاقية، ودعوة لتحصين الثورة السياسية بثورة ذهنيات، وثورة منظومة القيم”، وهو مندرج في “إشكالية كبرى هي إشكالية النهضة، التي تأخذ امتدادات نوعية في مختلف كتاباته، إلى آخرها التي ربطَتها بالربيع العربي الذي أضحى خريفا للأسف الشديد”.

ويحقّب كمال عبد اللطيف، وفق المتدخل، أجيال المفكرين والفكر العربي في ثلاث حقب، هي: إدراك الفارق، أو صدمة الحداثة أو الصدمة الحضارية، ولحظة المماهاة وبداية تمثل النموذج الغربي، ثم بداية رسم مسار الاستقلالية.

ومن بين ما يدعو إليه “إتمام مهمة الإصلاح الديني”، و”استكمال مهام التحديث الثقافي في الفضاء الاجتماعي العربي”، وأهمية إشراك جميع القوى لتحقيق الانتقال الحداثي، مع الإيمان بأن التحديث السياسي والنهضة لن يتما دون خوض صراع التأويلات، أي “صراع تأويل المنجز الحداثي والتراثي بما ينسجم مع الكسب الإنساني الحداثي”.

متعة الكتابة والتعليم

قال كمال عبد اللطيف إن الكتابة في حياته “شكّلت متعة بفضل الدّربة والمحاولات فالمحاولات (…) فلم تعد تخيفني الأوراق البيضاء قبل الكتابة كما كانت تخيفني سابقا”. وأردف “كان الأستاذ عبد الله العروي قد أشار في إحدى مقالاته إلى حقيقة: لا تتضح الفكرة في ذهن صاحبها إلا عندما يبدأ في كتابتها.”

وتابع شارحا “المعنى أن الفكرة تستطيع أن تصبح في صورة معينة وينخرط الكاتب في نوع من الوصل معها، فيقوم بتعديلها وترجيحها ونفيها، ومشكلتي في كل ما أكتب أن ما يكتب لأول مرة، كدفعة أولى، سرعان ما نكتشف عند العودة إليه ثغرات، وخللا في الجدل، ووجهات نظر أخرى، وعدم استيعاب لكل المتداول. ولا يقف أمام الاستمرار في التعديل إلا ضرورة الإنهاء، وإلا لو ظلت الأوراق باليمين لاحتاجت القراءة وإعادة القراءة والتصحيح”.

واسترسل قائلا: “في هذا الصباح كنت أفكر في الجلسة، وما أريد أن أقوله، فقد قلت كل ما أريد قوله في الأبحاث والكتب على علاتها”، قبل أن يستحضر مقالا له بعنوان “صديق جديد لا يشبه غيره” ليعلّق قائلا: “لم أكن تماما مع نفسي في فترة من حياتي، ثم صرت أتحدث مع نفسي أكثر من أصدقائي، لكن مع الأسف جاء هذا متأخرا في العمر”.

وحدّث كمال عبد اللطيف جمهور تكريمه بمعرض الكتاب عن مسار عمله وكبواته: “طيلة عمري المهني أمضيت 43 سنة في القسم، لم أتوقف عن العمل، وذات يوم في سنة 2008 أصبت بجلطة دماغية وشلل نصفي دون ألم، فوقفت كما ينبغي أن نقف عندما نكتشف أن علينا ألا نغادر”.

لكن بعد التطبيب قال له العميد: يمكنك ألا تأتي. فأجابه متسائلا: كيف وقد قال لي الطبيب يمكنك أن تدرّس؟

وقال العميد: في كل مسارك ليست لك شهادة طبية، يمكنك الذهاب سنةً. فرد المكرّم: بل أدرّس، لكن إذا تعبت أريد الحق في المغادرة.

وكذلك كان؛ فاستمرت رحلة المفكر مع “أجمل المهن في حياته؛ أن تكون معلما، أستاذا، عاشقا لعملية التدريس بحب وشغف، فهذه مهنة راقصة، رقصها متواصل، رقص حديث، وأمامك مجموعات يقظة من الشباب (…) وقد جرّبت منذ عقود تجربة تدريس 1000 طلب، وكنا نطلب مدرج كلية الطب؛ ويبدأ الدرس والهدوء، مع مهنة شاقة لكنها ممتعة، فأمضي حصة كاملة في الحديث دون أي شعور بالملل، وقد درّستُ أصول الفكر الليبرالي، عشرين سنة كاملة، وفي كل سنة لا أعيد الكلام نفسه، بل أختار نصوصا أخرى وتواريخ أخرى بكل حب”.

وبخصوص “التحديث والحداثة”، قال كمال عبد اللطيف: “ما تفضل به الزملاء كله موضع نظر (…)، فهذا مجال الصراع السياسي، مجال التوافقات (…) لا مجال قواعد ومحفوظات (…) لكل مجتمع معطياته وشروطه، لكن التحديث والحداثة من مقتضيات الحاضر والمستقبل حتى عندما لا نشاء”.

وتشبّث كمال عبد اللطيف بـ”ضرورة المأسسة، والتحديث، ومغادرة كل بقايا الأزمنة القديمة”. واسترسل قائلا: “ينسى الفقهاء والمدافعون والمنافحون عن التقليد أن التأويل الوُسطوي اعتمد علوم زمانه. لست فقيها ولا أريد الدخول في حديثهم، لكنني لا أؤمن بوجود نص قطعي، وكل النصوص ثنايا وحنايا، وكل الكلمات حمالة أوجه، وقابلة للقراءة والمواقف المختلفة، ويمكن بمعارف زماننا أن تسعفنا اللغة ومناهج تحليل الخطاب لنقرأ فيما نعتقد أنه مطلق النسبية. كل الأمور نسبية، وهذه من القواعد والأسس الكبرى في مسألة التحديث والحداثة”.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

5
  • أنير
    الأحد 19 ماي 2024 - 06:05

    اول ما نطبق عليه قاعدة ” كل الأمور نسبية”
    القاعدة نفسها فإذا كانت هذه القاعدة نسبية فهي لا تلزمنا وبالتالي لا تلزمنا بها.

    لو كانت كل الأمور نسبية لما كان هناك حق وباطل وصح وخطأ

  • مواطن
    الأحد 19 ماي 2024 - 06:35

    ( إتمام مهمة الإصلاح الديني ) . ( ضرورة المأسسة ، والتحديث ، ومغادرة كل بقايا الأزمنة القديمة ) . هذا هو مربط الفرس من كل هذا الكلام . تغيرت فكرة ( الدين أفيون الشعوب ) بمفاهيم جديدة لكن لها نفس الأهداف السابقة لما طغى التيار الماركسي الوجودي في القرن الماضي واليوم تصاغ نفس الأفكار والأهداف بطريقة التحديث والحداثة وتغيير الفكر القديم بفكر جديد معاصر . الإسلام لا تغيير ولا تجديد فيه لأنه دين الله على الأرض حتى تقوم الساعة ومن مات على غير دين الإسلام فذاك شأنه والعاقبة للمتقين .

  • إشكال النقاش وثأثيره على المجتمع
    الأحد 19 ماي 2024 - 07:12

    ماهي الآلية التي من خلالها نُبَلغ الفكرة إلى أكبر عدد من المواطنين الذين لايقرأون ولايهتمون بالمفاهيم أصلا
    فحينما يكون التداول منحصرا في أقل من 1٪ من المجتمع فكأنك تناضر نفسك
    فتأهيل المجتمع للتفكير بعمق في عدة مفاهيم لابد من تكوين شامل أساسه الفكر المتفتح والممنهج زيادة على دوائر مستديرة منذ الصغر لجعل الفكر قابل للنقاش و المحاورة دون حواجز تحجر عليه

  • شفيق حدادي
    الأحد 19 ماي 2024 - 12:42

    الحداثة الحمالة لعدة أوجه: الكل ينظر إليها من وجهة نظره الخاصة به، لكن؛ الحداثة الحقيقية هي كل من درس لنا التراث واخرجه لحيز الوجود بلغة مبسطة ومفهومة لدى العامة، باسلوب الذي يعرف بالسهل الممتنع بوركتم أستاذي الفاضل

  • Driss Fajr
    الأحد 19 ماي 2024 - 20:48

    أستاذ كبير ومقتدر له منهجية ناجعة في تدريس الفلسفة رغم صعوبة فهمها لول وهلة ، وكان من الرعيل الأول الذين باشروا تدريس الفلسفة باللغة بالعربية لأول مرة بعد انهاء تدريسها باللغة الفرنسية اعطانا دروسا في الفلسفة في بداية سنة 1972/1973 لمدة شهر بثانوية ابن العوام بعين السبع بالدار البيضاء ثم انتقل من المؤسسة ، تحية لك أستاذ كمال

صوت وصورة
حكايات ما تقالتش | الرابور علي صامد
الجمعة 9 أكتوبر 2026 - 23:30

حكايات ما تقالتش | الرابور علي صامد

صوت وصورة
ميطا 3 | هل حسم المغرب لقب "الكان"؟
الجمعة 9 أكتوبر 2026 - 21:23 3

ميطا 3 | هل حسم المغرب لقب "الكان"؟

صوت وصورة
ليلة رعب في أولاد عياد
الجمعة 9 أكتوبر 2026 - 20:45 2

ليلة رعب في أولاد عياد

صوت وصورة
المعارضة وتفعيل التوجيهات الملكية
الجمعة 9 أكتوبر 2026 - 20:30 2

المعارضة وتفعيل التوجيهات الملكية

صوت وصورة
إشادات بمضامين الخطاب الملكي
الجمعة 9 أكتوبر 2026 - 20:02 4

إشادات بمضامين الخطاب الملكي

صوت وصورة
الملك محمد السادس يترأس افتتاح البرلمان
الجمعة 9 أكتوبر 2026 - 16:00 8

الملك محمد السادس يترأس افتتاح البرلمان