بعنوان “عبد الكبير الخطيبي: الكتابة والوجود والاختلاف”، يقدم فريد الزاهي، الذي أدار المعهد الجامعي للبحث العلمي الذي سبق أن أداره عالم الاجتماع البارز الراحل الخطيبي، “أول إصدار شامل حول تجربة الخطيبي الفكرية، في تنوعها وتعددها”، مع مساءلة لـ”مجمل اهتمامات الخطيبي، اعتبارا لأن كتاباته كلها نحت باتجاه السؤال والاستكشاف والمغامرة الفكرية المحسوبة، طبعا”.
صدر هذا الكتاب حديثا باللغة العربية عن “المركز الثقافي للكتاب” في 287 صفحة، و”بالنظر إلى وفرة الكتابات عن ‘أدب’ الخطيبي، وعن مفهوم المحبة وغيرها، بالرغم من أن مقاربة هذه الجوانب لا تغفل الجوانب الفكرية التي بلورها”، يركز المؤلَّف على “قضايا قد تغفل ما اعتبره آخرون هاما في مسيره، وقد تترك بعض نصوصه ‘الأدبية’ للأدباء، من غير أن تُغفل بعدها الفكري”.
وينبّه الزاهي إلى أن نصوص الخطيبي “من التعدد والكثرة بحيث إن كلا منها (حتى الحوار) يكون قابلا للقراءة والتأويل والتفكير المتعدّد، ويشكل إضافة ما إلى ‘مَجمْمع’ كتاباته”، ثم يردف قائلا في خاتمته: “ما دام همنا هنا فكريا بالأساس، فإن تناولنا لنصوصه الأدبية انطلق أيضا من هذا الهاجس. وإحجامنا عن تناول أشعاره وكتاباته عن الشعر والسياسة، مثلا، لا يبرره هنا سوى عدم التطاول على تجربة نتركها للآخرين”.
وتهتم فصول الباب الأول بـ”الخطيبي في تعدُّده وشسوعه”، و”الخطيبي وهوامش الفلسفة” أو “الفكر المركَّب”، و”الجسد والآخر في برزخ الثقافات”، و”من السيرة الذاتية إلى السيرة اللغوية، ومن اللغة إلى السيرة الفكرية”، و”المغرب الكبير من الحلم إلى الخيبة”.
وتنطلق فصول الباب الثاني بـ”فرويد في مرآة الإسلام: من التحليل النفسي إلى تحليل النفس”، علما أن الخطيبي في سجاله مع “اليسار الصهيوني انطلق من موقعين فكريين: موقع ماركس وموقع فرويد. الأول باعتباره يهوديا معاديا للصهيونية، والثاني باعتباره منظرا وعالما من أصل يهودي لم يعتنق الصهيونية أبدا”.
وتلت هذا الفصل فصول “الخطيبي ورولان بارث: مرايا الائتلاف وهوامش الاختلاف”، “الخطيبي وجاك حسون: حوار اللغة والدين والتصوف”، و”الخطيبي والعروي: خصومة العقل والتاريخ والوجود”، ثم عنوان مستلهم من عنوان قراءة للخطيبي في إنتاج واهتمامات جاك بيرك: “هل كان جاك بيرك مستشرقا ضالا؟”، فصلا عن “سؤال الممانعة والمفارقة في الفكر العربي المعاصر: الجابري والخطيبي”، و”بين الخطيبي والطاهر بنجلون: جراح الصداقة”.
أما الباب الثالث فيجد فيه القارئ فصلين، هما: “من حضارة العلامة إلى حضارة الصورة”، و”الصورة والتقنية والمستقبل أو التفكير خارج العلامة”.
ويقرأ القارئ في هذا العمل الخطيبي بوصفه “مبشرا بفكر جديد، وبطريقة أجدّ في التحليل والكتابة”، إلى درجة أنه “سمى نفسه في نهاية حياته ‘آفاقيا’، أي مفكرا يفتح الآفاق في التفكير لنفسه وللآخرين. فقد فتح الرجل أبواب دراسة جديدة في مجال نقد الذات والآخر (النقد المزدوج)”، لكن دون توقّف عند مجرّد استعراض أفكاره بل “ابتغى هذا الكتاب لنفسه أن يكون شهادة تحليلية وتأويلية وتركيبية تهتدي بفكر الخطيبي في تعدده وبلوريته، وتخضعه في الآن نفسه لمنطقه الداخلي النقدي، كما لنظرة مغايرة له”، وفق كاتبه الناقد فريد الزاهي.
ومن بين ما يسعى إليه هذا الكتاب حول الخطيبي “خلق المفاصل لديه بين الأدبي، والفكري، والسوسيولوجي، وأحيانا الذاتي”، مع ذكر أنه “إذا كان درس الخطيبي الأساس يتمثل في فتح الآفاق وطرح الأسئلة، وفي الآن نفسه في بناء نص شخصي متمنّع ذي أسلوب لا يضاهى ولا يقبل الاختزال”، وهو الدرس الذي شكّل للكتاب، حسب تعبيره، “منطلقا” حاور به “السياق الثقافي الذي فيه انبنى”، وساءل فيه “مَسير الكاتب وتعرجاته، والحوار الخصب الذي تقيمه نصوصه في ما بينها”.
موضوع استنفذ منذ زمان. تكرار واجترار، وكأن البعض يريد أن يستثمر في رأس مال الآخرين…
الدكتور فريد الزاهي، أحد رجالات سيدي بوجيدة- باب الفتوح، عدوة الأندلس بفاس، ومن لا يعرفه،كما يقال؛ لقدأطر وعلم ودرس أجيالا من أبناء وبنات فاس و معهم طلبة مكناس- الزيتونة وغيرهما بما نهله من علم وأدب وفكر وتربية عميقة،سواء بداخل المغرب أوبخارجه،من الأزقة والدروب والشوارع هنا وهنالك،ومن كبريات المكتبات والخزانات و الجامعات ومدرجات المؤسسات العليا وبطون الكتب والحلقات الفكرية وحلقات سيدي علي بوغالب وأبي الجنود وساحة جامع الفنى ،و ساحة جورج بومبيدو لهول les haulls بجانب المكتبة الوطنية الفرنسية وغيرهم ،وإرث الآباء والأجداد…إلخ، قبل أن يلتحق بمعهد البحث العلمي بالرباط لمباشرة نشاطه الفكري،بالتزام كبير كما عهدناه فيه. المفكر فريد الزاهي أستاذ باحث وناقد أدبي وفني وسينمائي يهتم بالصورة في كل متجلياتها وأشكالها، وكذا مترجم عالمي وأديب مبدع…؛ ونحن جيل السبعينات والثمانينات،أولاد سيدي بوجيدة- باب الفتوح بشكل خاص،نبقى مدينين لهذا المفكر الكبير بما أسبغه لنا في العطاء الفكري طوال هذه الحقبة،بمعية مفكرين آخرين…
التتمة في تعليق لاحق،بحول الله.
نبقى مدينين للمفكر الكبير الدكتور الفاضل فريد الزاهي بما أسبغه لنا في العطاء الفكري طوال حقبة السبعينات والثمانينات من القرن الماضي ،بمعية مفكرين آخرين،منهم من اختطفته المنية وهو في أوج العطاء كالفيلسوف محمد مساعد ( الرشدي)ابن واندو- باب الفتوح رحمه الله،ومنهم من لا يزال على قيد الحياة،أطال الله في عمره كالدكتور السوسيولوجي نور الدين الزاهي أخ الدكتور فريد،والدكتور السوسيولجي التربوي الخمار العلمي،والدكتور الموقر الأستاذ الباحث بجامعة القاضي عياض بمراكش محمد الشرقي ،entre autres ،و آخرون.
تحية مفعمة بالود والمحبة،ملؤها التقدير والإحترام لعمالقة وأهرام عدوة الأندلس الملتزمين بقضايا المغرب العميق،ومنه حومة باب الفتوح المترامية الأطراف،من دوار الريافة وصهريج كناوة إلى سيد العواد بالنخالين قلب فاس النابض، مرورا بحي سيدي بوجيدة الزعيمة،والشكر الجزيل من جيلنا الذهبي لمؤطري عصرنا ومنظريه،هذه الثلة المثقفة من رجالات فاس الذين يضعون صوب أعينهم وبمداد أقلامهم مختلف هموم البشرية جمعاء بحثا عن الدواء.
يتبع…
نتمنى من المثقفين المغاربة ومن كل المهتمين بالميدان الثقافي ببلادنا،بما فيه وزارة الثقافة وأكاديمية المملكة وكل الجامعات والجمعيات والأندية والمحبين التفكير في تأسيس وإنشاء – مؤسسة الأخوين الزاهي ( فريد ونورالدين)العلمية والثقافية-، وأملنا أن يكون لها فرع بحي سيدي بوجيدة،عدوة الأندلس،باب الفتوح، الذي استفاد أبناؤها وبناتها بشكل كبير ومميز منهما معا؛
قال عليه الصلاة والسلام في الحديث الصحيح:” من صنع إليكم معروفًا فكافئوه، فإن لم تجدوا ما تكافئوه فادعوا له حتى تروا أنكم قد كافأتموه”.
فجزاكم الله عنا خير الجزاء،وهذا أبلغ الثناء؛وتفضلوا بقبول هذه الأبيات للشاعر أبي تمام التي تناسب المقال والمقام:
كم نعمةٍ منك تسربلتها
كأنها طرة بردٍ قشيب
من اللواتي إن وإني شاكر
قامت لمسديها مقام الخطيب.
ولا أنس النسخة من بحث الإجازة ،حول الخطيب والاختلاف ،التي أهداها لي فريد الزاهي في بداية ثمانينات القرن الماضي ،
تحية صادقة،ملؤها المحبة والتقدير لهذين الرجلين من رجالات الفكر والمعرفة،وتحية لكل رجالات ونساء عدوة الأندلس،باب الفتوح،ومعهم كل رجالات المملكة.
تحياتي واحتراماتي