أصبح المجتمع المعاصر يعيش في عالم يتميز بالسرعة والسيولة الفائقة، يفرض على الإنسان التغيير والتطور لمواكبة العصر الرقمي في الفضاء العمومي. ويرى عالم الاجتماع سيغموند باومان أن الحداثة السائلة فرضت على الإنسان واقعا متغيرا وسريعا في إيقاعه. جعلته يعيش دوامة الإفراط في الإنتاج والاستهلاك، في ظل نظام رأسمالي يهدف إلى الربح عبر عملية التسليع الشاملة. أدت هذه الأخيرة إلى جعل من الإنسان كائنا استهلاكيا يساهم في الدورة الاقتصادية، باحثا عن تلبية احتياجاته التي لا تنتهي. كما تطورت الثقافة الرقمية السائلة بشكل سريع في جميع المجالات العلمية والاقتصادية والتجارية والاجتماعية. وفرضت الشركات الرقمية العالمية نمطا من التواصل والتفاعل جعلتها تحقق أرباحا ضخمة.
كما أصبحت لغة الصورة تلعب دورا تواصليا وتعبيريا مؤثرا في المجتمع المعاصر وثقافته الرقمية من حيث تشكيل الوعي وهندسة الرأي العام. وذلك نظرا لقوة التأثير الذي تتميز به في مختلف الوسائط وشبكات التواصل الاجتماعي للتعبير عن الواقع الفعلي بإيجابياته وسلبياته، كما أنها لا تخلو من خلفية التوجيه وفق استراتيجية محددة لمستعملها في منصات التواصل والإعلام.
1- الثقافة الرقمية في الفضاء العمومي
تعمل الثقافة الرقمية السائلة على هندسة وتشكيل المجتمع المعاصر، باعتماد الهيمنة الناعمة التي أصبحت تهدد الديمقراطية وقيمها على الصعيد العالمي من حيث التحكم وتوجيه الرأي العام. ويؤكد كل من مارك دوغان وكريستوف لابي في كتابهما المشترك “الإنسان المكشوف: الدكتاتورية الخفية للرقمية” على انبثاق ديكتاتورية رقمية من نوع جديد، تمارس سلطتها على العالم بطريقة ناعمة وسائلة. تخدم مصالح الشركات الرقمية الكبرى والدول المتقدمة مع ما تعرفه من تطوير غير مسبوق للذكاء الاصطناعي في جميع المجالات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والعلمية.
إن الثقافة الرقمية السائلة جعلت الإنسان يقفز مباشرة إلى عصر ما بعد الحداثة، في وقت مازالت قضايا كبرى لم تكتمل في المشروع الحداثي الإنساني. لقد خلقت هذه الثقافة متغيرات هائلة؛ غيرت الشيء الكثير في تمثلات الإنسان الكوني وطريقة عمله اليومي وفي قيمه وسلوكه. وساعدت هذه التكنولوجيا الرقمية في سرعة الاتصال والتفاعل، وساهمت في توجيه الرأي العام بمقاربة تواصلية في الفضاء العمومي، باستعمال أحدث التقنيات من حواسيب وهواتف ذكية ومواقع التواصل الاجتماعي والذكاء الاصطناعي. جعلت المواطن في قلب الطفرة الرقمية بإيجابياتها وسلبياتها. كما تم اعتماد الوسائط الرقمية في التعليم والتفاعل عن بعد مع المتعلمين. وكذلك توفير الكتب الرقمية والاستفادة من الأعداد الهائلة للمراجع التي توفرها شبكة الأنترنيت. هذا بالإضافة إلى القيام بالمعاملات التجارية، من بيع وشراء في عالم الأعمال والخدمات التي يمكن للمواطن القيام بها عن بعد.
لكن هذه الايجابيات والخدمات لا يستفيد منها الجميع، نظرا لواقع الفقر والهشاشة الذي تعاني منه فئات اجتماعية عريضة في المجتمعات النامية، والتي تفترض وجود سياسة رقمية عادلة وديمقراطية في الفضاء العمومي. تنصف الجميع للاستفادة من الخدمات الرقمية، لتجاوز واقع الإقصاء والتهميش. في المقابل، أفرز التطور الرقمي سلبيات أثرت على الاستعمال السليم لهذه التكنولوجيا. وخصوصا أمام مواطن لم يستفد بعد من جميع مقومات الحداثة وقيمها، بحيث مازالت الأمية الأبجدية والتكنولوجية والرقمية متفشية في صفوف المجتمع، وأثرت على الاستعمال السليم لمواقع التواصل الاجتماعي، وهو ما جعل من هذه الأخيرة مجالا لانتشار المظاهر السلبية كالتشهير بالغير والمس بأعراض الناس وخصوصياتهم والمساهمة في نشر الأخبار الكاذبة دون التحقق من مدى صحتها. كما ساهمت الثقافة الرقمية السائلة في تكريس العزلة وتقليص البعد الاجتماعي وإعادة إنتاج الفردانية، بشكل ينعكس سلبا على ثقافة التضامن والتعاون في قضايا الحياة العامة.
أيضا، تعمل الثقافة الرقمية السائلة في الفضاء العمومي على تنميط الوعي وتسطيحه وجعله استهلاكيا وزائفا، باعتماد الوسائل الرقمية والدعاية والإشهار التي تنتج خطابا ثقافيا، لفرض نوع من الاحتياجات الموجهة، عوض أن تكون نابعة من إرادة المواطن وضرورياته. وتعمل التكنولوجيا الرقمية على تسليع الإنتاج الثقافي الذي يؤدي بالأفراد إلى فقدان التفكير النقدي، ما جعل المجتمع الرأسمالي يعيش التشييء والاغتراب وتبضيع الثقافة، في عالم تحول فيه المجتمع الإنساني إلى مجتمع استهلاكي. وأصبحت معه القيم الفردية مهيمنة لإدماج الأفراد في صفوف المستهلكين.
2- الطفرة الرقمية وثقافة الصورة
أصبحت لغة الصورة تلعب دورا تعبيريا وتواصليا مؤثرا في المجتمع المعاصر وثقافته الرقمية من حيث تشكيل الوعي وهندسة الرأي العام. وذلك نظرا لقوة التأثير التي تتميز بها في مختلف الوسائط وشبكات التواصل الاجتماعي، للتعبير عن الواقع الفعلي بإيجابياته وسلبياته. كما لا تخلو من خلفية صريحة وضمنية لخطاب الصورة وفق استراتيجية محددة لمستعملها سواء في الإعلام أو مواقع التواصل الاجتماعي.
إن الطفرة الرقمية في الفضاء العمومي تنتج فائضا ضخما من الصور يهيمن على الثقافة الرقمية بجميع مكوناتها الإعلامية والفنية والأدبية. يجعلنا نسائل طبيعتها ووظيفتها وأبعادها على الفرد والمجتمع من حيث أهدافها في خلق مجتمع استهلاكي مستلب، يتميز بوعي سطحي وهش يسهل تشكيله من طرف النسق الاقتصادي المهيمن الذي يتميز بهيمنة الفردانية والإنتاج الضخم للشركات الكبرى، تعمل على هندسة الأهداف الكبرى لإنتاج إنسان مندمج في سيرورتها الإنتاجية والاستهلاكية المرسومة وفق مصالحها.
وذلك اعتمادا على آلية الإعلام والإشهار والدعاية بحيث يتم توظيف الصورة بشكل فائق الدقة، لاختراق جميع الحدود والقيم المجتمعية من طرف الليبرالية الجديدة التي أعطت طابعا تجاريا لكل شيء، بهدف الربح وفق قانون العرض والطلب. لقد أصبحت الصورة حاضرة في الإشهار بقوة، مخترقة جميع المجالات والميادين من أجل الاستهلاك، جعلت المواطن كائنا استهلاكيا يستهلك أكثر مما ينتج.
والسبب في ذلك يرجع إلى وسائل الإنتاج الثقافي التي تستغل الصورة، لتعمل على تنميط الوعي وجعله استهلاكيا وزائفا، باعتماد الوسائل الرقمية والدعاية والإشهار التي تنتج خطابا ثقافيا لفرض نوع من الاحتياجات الموجهة، وبالتالي تحول كل شيء في هذا المجتمع إلى بضاعة وعملية تسليع مستمرة بما في ذلك الصورة في الثقافة الرقمية. وحسب المفكر هربرت ماركيز، أنتجت الرأسمالية العالمية مجتمعا أحاديا واستهلاكيا بثقافته في ظل مجتمع يخضع للسيطرة والتوجيه، بعد تحويل الإنسان إلى أدوات وأرقام في معادلة الإنتاج والاستهلاك. فأصبحت الفردانية ضاربة جذورها في المجتمع تكرس عزلة الفرد وانطواءه الرقمي عوض تطوره وانفتاحه على المواطنة وقيمها والاشتراك مع الآخرين لمناقشة قضايا الشأن العام من منظور نقدي، يقف في وجه الثقافة الاستهلاكية وهيمنتها على المتخيل الجمعي لتكريس الاستلاب الرأسمالي ووعيه الزائف.
3- الثقافة الرقمية السائلة وإشكالية التفاهة
إن المجتمع الرقمي المبني على الصورة، على الرغم من إيجابياته، ينتج سلبيات عديدة بحيث يجعل الإنسان يفقد تدريجيا ذوقه وقيمه الإنسانية؛ ويستهلك ثقافة رقمية أداتها الصورة من فن ومواد دعائية ورقمية تعمل على تكريس عزلته الاجتماعية، والحد من فعاليته الواقعية. كما تقوم بتسطيح وعيه واهتمامه لتجعله يعيد إنتاج الواقع الاستهلاكي بشكل مستمر. هذا في الوقت الذي أصبح فيه الإنسان المعاصر مطالبا بالوعي بأبعاد الثقافة الرقمية وضرورة عقلنة استعمالها حتى يستفيد من إيجابياتها المتعددة مع تفكيك وتصحيح سلبياتها والتحكم في سيرورتها الضخمة وانعكاساتها النفسية والتربوية والاجتماعية.
وعلى الرغم من ايجابيات الرقمنة التي لا يمكن إنكارها، أصبح العالم الرقمي ينتج التفاهة، بحيث يجعل الإنسان يفقد تدريجيا ذوقه وقيمه الإنسانية؛ ويستهلك نوعا من الثقافة الاستهلاكية من أدب وفن ومواد دعائية ورقمية تعمل على تكريس عزلته الاجتماعية، والحد من فعاليته الواقعية. كما تعمل الرقمنة على تسطيح الوعي في غياب التعامل النقدي مع ما تقدمه من مواد لإعادة إنتاج الواقع الاستهلاكي السائد. هذا في الوقت الذي تعرف فيه نسبة القراءة تراجعا كبيرا، تتطلب تصالحا مع الثقافة الصلبة والهادفة من كتب ومجلات هادفة، ورقية ورقمية، لإعادة بناء وعينا الجمعي والفردي اعتمادا على الأسرة والمدرسة والإعلام ودورهم التربوي في الفضاء العمومي.
في هذا السياق، أصبح المجتمع الرقمي السائل يتميز بالهشاشة الثقافية. وترجع أسبابها المركبة إلى الأمية والجهل والتخلف ولطابعها الاستهلاكي والسطحي الذي لا يهتم بجودة المضامين والمحتويات الرقمية. كما يهيمن عليها النسق الثقافي للتفاهة وما ينتجه من ترد في الذوق العام وتفكيك القيم المجتمعية. إن البحث عن معالجة ثقافية في التعاطي مع هذا التطور الهائل في المجال التكنولوجي والتواصلي، يتطلب مقاربة ثقافية بأبعادها الديمقراطية والعقلانية التي تساهم في تنوير المجتمع، والتفكيك النقدي لخطاب التفاهة والرداءة والشعبوية وتخليق المجال الرقمي.
4- الحاجة إلى ثقافة رقمية هادفة
لقد خلقت الثقافة الرقمية متغيرات هائلة في الفضاء العمومي؛ غيرت الشيء الكثير في تمثلات الإنسان الكوني وطريقة عمله اليومي وفي قيمه وسلوكه. وساعدت هذه التكنولوجيا الرقمية في سرعة الاتصال والتفاعل. كما ساهمت في توجيه الرأي العام بمقاربة تواصلية في الفضاء العمومي، باستعمال أحدث التقنيات من حواسيب وهواتف ذكية ومواقع التواصل الاجتماعي والذكاء الاصطناعي، جعلت المواطن في قلب الطفرة الرقمية بإيجابياتها وسلبياتها. لكن هيمنة النسق الرقمي على حياة الإنسان المعاصر يفترض بلورة مقاربة ثقافية هادفة ومسؤولة تتوخى إعادة بناء الثقافة الرقمية بشكل إيجابي وصحي. تساهم في تطوير ثقافة المواطنة وقيمها التي تعمل على بناء الإنسان وتصون كرامته في جميع المجالات، لحمايته من التفاهة والهشاشة الثقافية.
وهذا يفترض تخليق الحياة العامة في الواقع الفعلي والرقمي مع الأخذ بأسباب التقدم لبناء مجتمع العلم والمعرفة، للحد من واقع الفوضى الرقمية مع حماية المواطن وحقه في حرية التعبير. ويبقى الفاعل الثقافي الواقعي والرقمي مطالبا بأدوار تربوية وثقافية واستراتيجية مهمة، للنهوض بالثقافة الرقمية التي تساهم في بناء مواطن متصالح مع هويته الثقافية وحداثته. ويعمل على نشر ثقافة رقمية هادفة وبناءة، قوامها ترسيخ ثقافة الوحدة والاختلاف والتضامن والعيش المشترك على أسس الاعتراف والإنصاف، لبناء مجتمع واقعي ورقمي عادل يحمي الجميع من التهميش والاغتراب.
خاتمة
تشكل الثقافة الرقمية في الفضاء العمومي بعدا حداثيا له إيجابيات لا يمكن إنكارها، لكنها مع ذلك أصبحت تنتج التفاهة. جعلت منظومة القيم والذوق العام في تراجع مستمر، من خلال إقبال الإنسان على الثقافة الاستهلاكية من أدب وفن ومواد دعائية ورقمية، تعمل على تكريس عزلته الاجتماعية، والحد من فعاليته الواقعية. كما تعمل الرقمنة على تسطيح وعي الإنسان في غياب التعامل النقدي مع ما تقدمه من مواد لإعادة إنتاج الواقع الاستهلاكي السائد.
لذلك، يتطلب التطور الهائل في المجال الرقمي والتواصلي مقاربة ثقافية بأبعادها الديمقراطية والعقلانية التي تساهم في تنوير المجتمع، والتفكيك النقدي لخطاب التفاهة والرداءة والشعبوية، قصد تخليق المجال الافتراضي. وذلك من خلال تطوير الفكر النقدي للتعامل مع مضامين الثقافة الرقمية في الفضاء العمومي بمسؤولية وعقلانية وعدم القبول بجميع محتوياتها، واستعمال العقل النقدي في التفاعل مع المنشورات وخلفياتها الخطابية الخفية.
نحن نعيش في عالم يتغير بوتيرة مذهلة، لدرجة أننا لم نعد قادرين على استيعاب الأحداث من حولنا. التكنولوجيا تتسارع، القيم تتحول، والمجتمعات تندفع نحو أنماط استهلاك جديدة دون توقف. أصبحنا نعيش في زمن تهيمن عليه ثقافة الاستهلاك.
لم تعد المجتمعات الحديثة تُنتج فقط لتلبية الاحتياجات الأساسية، بل صارت أسواقًا ضخمة مخصصة لاستهلاك المنتجات والخدمات بلا نهاية. في الأدب والفن والمحتوى الرقمي، وحتى وسائل التواصل الاجتماعي تحولت إلى ساحة للعرض والبيع أكثر من كونها فضاءً للحوار والتفاعل الحقيقي. في خضم هذا التسارع، نعاني من صعوبة في المواكبة. كل شيء يتحرك بسرعة تفوق قدرتنا على الاستيعاب، مما يولد إحساسًا مستمرًا بالتشتت والضياع. لم يعد لدينا وقت للتأمل أو التفكير العميق، بل أصبحنا نستهلك المحتوى بسرعة، دون أن نمنحه فرصة التأثير الحقيقي فينا.
نتوق إلى الماضي، إلى زمن كانت العلاقات الإنسانية فيه أعمق، والإيقاع أبطأ، والمجتمعات أكثر ترابطًا. نبحث عن لحظات من البساطة في عالم أصبحت فيه السرعة والاستهلاك القاعدة.
نحتاج إلى مجتمع يعيد للإنسان قيمته الحقيقية، حيث يكون والإنسان مقدمًا على السوق.
MC