طالعت بيان الخارجية الجزائرية الصادر يومه الخميس 6 مارس 2025، والذي تحذر فيه الجزائر فرنسا من “مغبة” المشاركة مع المغرب في المناورات العسكرية التي ستجري في شتنبر المقبل بإقليم الراشدية.
وكان أول ما خطر ببالي أن الدبلوماسية الجزائرية بهذه الفعلة التي فعلتها تكون كالذي يحاضر في الشرف وهو فاجر ساقط أخلاقيًا. إذ كيف يجرؤ النظام العسكري الجزائري، الذي دأب منذ 2018 وبشكل منتظم على إجراء ثلاث مناورات عسكرية على التماس مباشرة مع الحدود المغربية وبالذخيرة الحية، أن يحتج على مناورات داخل الحدود المغربية؟!
وكيف تحتج الجزائر على اسم “الشرقي” الذي اختير للمناورات، وهو مجرد اسم محايد يحيل على رياح الشرقي وليست له أي حمولة عدائية، عكس الأسماء التي أطلقها جنرالات الجزائر على مناوراتهم على الحدود المغربية، التي كانت تحمل أسماء تطفح بالاستفزاز المقيت والعدوانية الفاحشة، مثل مناورات “اكتساح 2018” التي جرت على الحدود المغربية واستعملت فيها أرمادا من الدبابات وراجمات الصواريخ والطائرات وكل أنواع المدفعية؟ بل وأصرت الجزائر على إشراك ميليشيات “البوليساريو” في تلك المناورات، واستعملت خلالها – في دلالة لا تخطئها العين – راية حمراء للجيش المعادي الذي تتقاتل معه، في إحالة على راية المغرب الحمراء. وأكثر من ذلك، سلم قائد الجيش الجزائري في نهاية تلك المناورات أسلحة ثقيلة وعتادًا عسكريًا للميليشيات الانفصالية.
وفي نفس السنة، بعد حوالي ستة شهور فقط، نظمت الجزائر أضخم مناورات في تاريخها على الحدود مع المغرب من البحر المتوسط إلى حمادة تندوف، وأطلقت عليها هذه المرة مناورات “طوفان 2018”. وهو – كما نلاحظ – مثل “اكتساح”، اسم يحيل على العدوان والاجتياح. والخطير أنها كانت مناورات بالذخيرة الحية، واستعملت فيها صواريخ باليستية تطلقها الغواصات لأول مرة من البحر باتجاه البر، وشاركت فيها آخر الأسلحة التي اقتنتها من روسيا، من غواصات وطائرات سوخوي المقنبلة، وراجمات الصواريخ وغيرها.
وتكررت تلك المناورات كل سنة وبنفس الزخم والحجم العرمرم على الحدود المغربية، ورغم ذلك لم يصدر من المغرب أي بيان احتجاج أو تنبيه أو تحذير، وبرهن على رباطة الجأش وضبط النفس.
وقد يقول قائل إن الأمر الآن مختلف؛ لأن تلك المناورات كانت من طرف الجيش الجزائري وحده (إذا استثنينا ميليشيات ابن بطوش)، أما موضوع الاحتجاج اليوم فهو مشاركة دولة أجنبية هي فرنسا. ودون الدخول في جدل بيزنطي حول معنى السيادة والتدخل في الشؤون الداخلية للدول، وامتلاك المغرب وفرنسا لقرارهما السيادي في إجراء المناورات، نرد على التنطع الجزائري بأنه إذا كانت ذاكرة النظام العسكري قصيرة، فإن ذاكرتنا في المغرب ليست كذلك. فلن ننس أن الجيش الجزائري أجرى سنة 2022 مناورات عسكرية مشتركة مع الجيش الروسي على الحدود المغربية قرب مدينة بشار المحتلة، ومع ذلك لم يحتج المغرب؛ لأن المملكة لا تتعامل بصبيانية في دبلوماسيتها.
فكيف تتجرأ الجزائر بعد كل هذه الوقائع، وبكل صلافة، على التدخل في شأن لا يخصها وفي قرار سيادي بين المغرب وفرنسا؟ كيف تجرؤ وبكل وقاحة على استدعاء السفير الفرنسي لتبلغه احتجاجها وتهديدها بالتصعيد في مستوى الأزمة الحالية بين البلدين إذا شاركت القوات الفرنسية في المناورات مع المغرب؟ أي فجور هذا؟ وأي وقاحة هذه؟ وأي عنترية هذه؟!
من يمارس الاستفزاز ضد من؟ ومن يهاجم فعليًا من؟ ومن يشن حربًا عسكرية ودبلوماسية وإعلامية منذ نصف قرن ضد من؟ ومن يهدد بالحرب من؟ ومن يحشد جيوشه على الحدود ضد من؟ ومن قطع الأجواء في وجه الطيران المدني ضد من؟ سلسلة من التساؤلات لها أول وليس لها آخر، لو تعلمون، ولكنكم قوم لا تستحون!
لقد غرّكم حِلم المغرب، وصبر المغرب، ورصانة مواقف المغرب، وتوازن ردود المغرب، وعدم معاملة المغرب لكم بالمثل، حتى ظننتم أن باطلكم صار حقًا، وعدوانكم صار أمرًا مكتسبًا.
على رسلكم أيها المعتدون، وعلام تحتجون؟ ألستم تدعون أنكم أكبر قوة – عفواً، قهوة – إقليمية؟! فلم الرعب إذن؟ وعَلامَ الصراخ وارتعاد الفرائس إن كنتم في مزاعمكم صادقين؟
أم أنكم استيقظتم من سُبات أساطيركم على هدير الأبرامز وطفطفة الأباتشي وأزيز الفانتوم… فأدركتم أن حبل البروباغندا قصير، وأن الذين يقاتلون من أجل وطنهم ووحدته الترابية هم الغالبون، والذين يسعون فسادًا في الأرض وانفصالًا هم الخاسرون.
باختصار قافلة المغرب تسير وكلاب العسكر تنبح
مقال أكثر من رائع.. تحية لهسبريس وللدكتور أحمد نورالدين.