الرئيس الأمريكي دونالد ترامب.. من الشعارات الانتخابية إلى محكّ السلطة

الرئيس الأمريكي دونالد ترامب.. من الشعارات الانتخابية إلى محكّ السلطة
صورة: أ.ف.ب
الثلاثاء 11 مارس 2025 - 06:00

كطائر “الفينق” الأسطوري الذي ينبعث من الرماد، استطاع دونالد ترامب أن يتجاوز كل الصعوبات والتحديات التي واجهته منذ هزيمته في الوصول إلى البيت الأبيض بعد ولايته الأولى، حيث حوّل الكثير من هذه التحديات إلى فرص حقيقية مكنته من الفوز بولاية رئاسية جديدة رغم التنافس الشديد الذي طبع الحملة الرئاسية.

ففي مواجهة التهم الثقيلة التي واجهه بها القضاء الأمريكي، اعتبر أن الكلمة الفيصل في هذا الشأن ستكون لإرادة المواطن عبر صناديق الاقتراع. كما استطاع أن يظهر بمظهر الزعيم القوي بعد محاولة الاغتيال التي استهدفته، ويستغلّ ذلك في تكريس خطاب لا يخلو من مظلومية.

ومنذ توليه زمام السلطة ضمن ولايته الرئاسية الثانية، أطلق ترامب الكثير من الخطابات المثيرة للجدل على المستويين الداخلي والدولي، حيث أظهر إصرارا كبيرا على تنفيذ مجمل تعهداته التي أعلن عنها خلال حملته الانتخابية والمتمحورة حول شعاره المتكرر “أمريكا أولا”، سواء تعلق الأمر بإعادة بناء وتقوية الحزب الجمهوري واعتماد إصلاحات اقتصادية وإدارية واتخاذ تدابير صارمة في مواجهة الهجرة غير الشرعية والتخفيف من وطأة ما يسميه بـ”الدولة العميقة”؛ بتعيينه لعدد من المقربين منه سياسيا في مناصب وازنة وحسّاسة.

وعلى المستوى الخارجي، أطلق مجموعة من التصريحات التي حظيت بنقاشات سياسية وأكاديمية مكثفة، حيث اعتبر أن الولايات المتحدة الأمريكية لم تستفد من العولمة بالقدر الذي استفادت منها الكثير من الدول؛ كما هو الشأن بالنسبة للصين أو بالنسبة لعدد من البلدان الصاعدة. ولذلك، لم يخف ترامب رفضه لهذه العولمة وإصراره على الانسحاب من مختلف مؤسساتها.

كما اعتبر أيضا أن زمن الحماية الأمنية المجانية قد ولى بالنسبة للشركاء والحلفاء أيضا؛ فهو، وبحكم تجربته ومرجعيته الاقتصادية، يرى بأن ضمان أمن هذه الأطراف يتطلب تقديم المزيد من الأموال. واعتبر أن هذه الأقطار، بما فيها دول “الناتو”، ملزمة بدفع نصيبها “العادل” فيما يتعلق بالضمانات الأمنية أو الصفقات الاقتصادية.

وأعلن انسحاب الولايات المتحدة من منظمة الصحة العالمية متهما إياها بعدم تحمل مسؤولياتها خلال جائحة كورونا التي أثرت بشكل كبير على الأمن العالمي بمفهومه الإنساني الشامل، وعلى اقتصاد الولايات المتحدة بشكل خاص، مبرزا الإمكانات المالية التي تدفعها هذه الأخيرة للمنظمة في مقابل أقساط رمزية تدفعها دول أخرى كالصين.

وجدير بالذكر أن ابتزاز الولايات المتحدة للمنظمات أو الانسحاب منها ليس جديدا، فكثيرا ما امتنعت عن دفع أقساطها المالية للأمم المتحدة بذريعة تبنيها لسياسات منافية لمصالحها (الولايات المتحدة)؛ بل وصل بها الأمر إلى حد الضغط باتجاه عدم تجديد ولاية ثانية لبطرس غالي على رأس أمانة الهيئة في سنوات التسعينيات.

كما قرر أيضا الانسحاب من اتفاقية باريس للمناخ؛ مما سيساهم في إرباك الجهود الدولية المتصلة بحماية البيئة، خصوصا أن الولايات المتحدة تتموقع ضمن أهم الدول المتسببة في انبعاث ثاني أكسيد الكربون الناجم عن صناعاتها المختلفة.

أما بخصوص القضية الفلسطينية، فقد طالب الأردن ومصر باستقبال سكان غزة، مع التأكيد على رغبته في السيطرة على القطاع. بينما عبّر عن اهتمامه أيضا بشراء جزيرة “غرينلاند” من الدانمارك كمدخل للتحكم في المعابر البحرية المؤدية إلى القطب الشمالي الغني بثرواته المعدنية والطبيعية، وهو ما رد عليه بعض الدانماركيين من جانبهم برغبتهم في اقتناء “كاليفورنيا”. كما طالت التصريحات الجار الشمالي كندا، بالتأكيد على أن هذه الأخيرة ستكون في وضع أفضل إذا أصبحت الولاية الأمريكية رقم 51.

وفي مواجهة تصاعد أدوار الصين على المستوى الدولي، أشار إلى أنه سيواجه تمددها باتخاذ مزيد من العقوبات الاقتصادية؛ فيما عبر عن رفضه القاطع لاقتحام إيران النادي النووي. وفي مقابل ذلك، فقد نهج خطابات أقل حدة مع كل من روسيا وكوريا الشمالية..

ثمّة ملاحظات أساسية نطرحها في هذا السياق، وهي أن توجهات ترامب، ورغم الجدل التي أثارته داخليا ودوليا، قد تكون مجرّد مناورات لرفع السقف من أجل الحصول على حد مقبول من الفوائد والمكتسبات. كما أنه لا يمكن اعتبار هذه التوجهات “نشازا” أو استثناء في السياسة الخارجية لأمريكا منذ فترة الحرب الباردة وما شهدته من تدخلات زجرية في عدد من مناطق العالم كالفيتنام وكوبا وبنما..، أو سنوات الثمانينيات من القرن الماضي مع إطلاق مبادرة “حرب النجوم” على عهد رونالد ريغان، أو بالتدخل في العراق والصومال والسودان وليبيا وأفغانستان، وإحداث معتقل “غوانتانامو”، رغم الخطابات “المتفائلة” التي اعتاد إطلاقها عدد من الرؤساء بصدد إرساء نظام دولي عادل، مبني على السلام والأمن وحماية البيئة وتفعيل هيئة الأمم المتحدة، وحلّ القضية الفلسطينية؛ وهو ما يدفع إلى القول بأن سياسات الولايات المتحدة تظلّ مبنية على مجموعة من الثوابت التي تضمن مصالحها وتكرّس مكانتها العالمية، في حين يختلف أساليب بلورتها من رئيس إلى آخر تبعا لطبيعة شخصيته ولخطاباته المتأرجحة بين الصرامة تارة والدبلوماسية تارة أخرى.

وعموما، فما زال الوقت مبكرا للحديث عن تحوّل جذري في السياسات الخارجية الأمريكية، لاعتبارات داخلية متصلة بالمواقف المحتملة للقوى الداخلية المعارضة عبر الهيئة التشريعية واللوبيات الاقتصادية والسياسية ومختلف القوى المؤثرة داخل المجتمع، بالإضافة إلى ردود الفعل المتوقعة للدول المعنية بهذه السياسات كالمكسيك والصين وأوروبا.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

4
  • سير لا ترجع
    الثلاثاء 11 مارس 2025 - 06:15

    العالم كله رضخ لهذا السيد لأنه إذا قال فعل اخرج ما يزيد من نصف مليون من البشر الذين كانوا يعتاشون بالتحايل وبضرائب الأمريكيين ومنهم مجرمون كثر
    اتركوا السيد يخدم امريكا لم يسرق الأصوات ولم يسرق اموال الشعب ولم يخرج الاموال لباريس او لندن وإنما كل ما يقوم به فهو لصالح شعبه
    ترامب له ما يكفيه من المال ليعيش اكثر من قارون ولكن له بطن صغير فهو رجل قانع بما لديه وليس كالبعوض ولو كان له واد من الذهب لتمنى وادين وهذا ينطبق على سادتنا وكبرائنا

  • كريم بوزبيطة تطاون
    الثلاثاء 11 مارس 2025 - 06:34

    لا فينق ولا هم يحزنون
    دونالد ترامب ساعده البورجوازيون الامريكان في الوصول الى البيت الابيص حيث ضخو في حملته الانتخابية ملايير الدولارات مقابل دخولهم بدورهم الى البيت للابيض رفقته وعلى سبيل المثال لا الحصر ايلون ماسك الذي دفع بسخاء مليار ونصف المليار دولار في حملة ترامب ووعده بانضمامه الى اعضاء حكومته بعد الفوز
    اذن ليس هناك ما يدعز للاستغراب مادام الشعب الامريكي سعب كادي ويعبد المال ويقدسه .

  • محمد الأحبادي
    الثلاثاء 11 مارس 2025 - 13:33

    ترامب رجل الرأسمالية بامتياز لا يليق ان يكون رجل سياسة. انتهى الكلام

  • محكوم محكور مقهور
    الثلاثاء 11 مارس 2025 - 14:08

    ترامب رغم أنف النظام العالمي و تجار الحروب و أعداء البشرية سيقود العالم لفترة من السلام غير مسبوق و سينهي مشروع عولمة القيم و فرض الفكر الغربي المنحط أخلاقيا على الدول الضعيفة قصرا و هدا ما يغيظ التيار العلماني المنافق
    و للعلمانيين أقول حكمتم العالم لسنوات طويلة مادا جلبتم للبشرية سوى الخراب و الحروب و الانحلال المجتمعي فمع السلامة غير مأسوف عليكم لم يبق لكم سوى القليل
    العالم يعود لنظام ماقبل الحرب العالمية الثانية متعدد الاقطاب متعدد الحضارات في تعايش يضمن للكل العيش وفق نظامه العقدي و هاته سياسة أمريكا القادمة مبدأ مونرو و هي فرصة للشعوب المقهورة للتحرر من الحكام المدعومين من النظام العالمي المنهار و تدكروا كلامي جيدا

صوت وصورة
مؤتمر "التوحيد والإصلاح" الثامن
السبت 24 أكتوبر 2026 - 00:35

مؤتمر "التوحيد والإصلاح" الثامن

صوت وصورة
154 ألف حالة طلاق بالمغرب
الجمعة 23 أكتوبر 2026 - 21:00

154 ألف حالة طلاق بالمغرب

صوت وصورة
عبقري يكشف رؤية جديدة للشباب
الجمعة 23 أكتوبر 2026 - 20:30

عبقري يكشف رؤية جديدة للشباب

صوت وصورة
الأغلبية والمعارضة تناقشان عرض لقجع
الجمعة 23 أكتوبر 2026 - 18:32

الأغلبية والمعارضة تناقشان عرض لقجع

صوت وصورة
إصلاح الضريبة على الدخل
الجمعة 23 أكتوبر 2026 - 17:47

إصلاح الضريبة على الدخل

صوت وصورة
لقجع يوجه رسائل إلى المعارضة
الجمعة 23 أكتوبر 2026 - 16:02

لقجع يوجه رسائل إلى المعارضة