يقول جلالة الملك محمد السادس نصره الله: “إن النهوض بالأمازيغية مسؤولية وطنية، لأنه لا يمكن لأي ثقافة وطنية التنكر لجذورها التاريخية”. وتعكس هذه الكلمات رؤية متقدمة وواضحة للدور المركزي الذي تلعبه الأمازيغية كأساس الهوية المغربية، خاصة مع التطورات التي شهدها المغرب خلال العقود الأخيرة على المستوى السياسي والاجتماعي. لقد انتقلت الأمازيغية من مجرد موضوع ثقافي هامشي إلى قضية وطنية مركزية، مع ترسيمها دستوريًا واعتراف واسع النطاق من مختلف المؤسسات الرسمية والمجتمعية. لكن رغم هذه الإنجازات مازال هناك نقاش حول الوسيلة المثلى لتثبيت وتعزيز مكانة الأمازيغية سياسيًا ومجتمعيًا. وبينما يرى البعض في تأسيس حزب سياسي أمازيغي حلاً مباشرًا يضمن حقوق هذه الثقافة العريقة يؤكد آخرون أن تعزيز الأمازيغية بشكل أكثر فاعلية يكون من خلال تبني خطاب وبرامج سياسية شاملة داخل الأحزاب القائمة. وهنا يطرح سؤال أساسي حول المسار الأكثر فاعلية وجدوى: هل تكمن الأولوية في تأسيس حزب سياسي خاص بالأمازيغية، أم في استكمال وتعميق التحولات الإيجابية التي شهدتها الأحزاب السياسية والمجتمع المغربي تجاه هذه القضية؟.
نضال طويل من أجل الاعتراف
عرفت الحركة الأمازيغية في المغرب مسارًا طويلًا من النضال، بدأت أولى ملامحه تظهر مباشرة بعد استقلال المغرب سنة 1956. في تلك الفترة تعرضت الأمازيغية لحالة من التهميش والإقصاء نتيجة سياسات تعريب التعليم التي تم إقرارها، ما أدى إلى إلغاء تدريس اللغة والثقافة الأمازيغية من المؤسسات التعليمية والإعلامية الرسمية. كرد فعل على هذه السياسات انطلقت مبادرات فردية وجماعية من قبل مثقفين ونشطاء أمازيغ، وتم تأسيس الجمعية المغربية للبحث والتبادل الثقافي سنة 1967، التي شكلت بداية العمل المنظم للنهوض بالثقافة الأمازيغية. وخلال فترة الثمانينيات تأثرت الحركة بشكل كبير بأحداث “الربيع الأمازيغي” بالجزائر سنة 1980، إذ تأسست الجامعة الصيفية بأكادير عام 1981 كفضاء للنقاش والتنسيق بين النشطاء الأمازيغ، كما شهدت الفترة ذاتها اعتقال المفكر الأمازيغي علي صدقي أزايكو بسبب مقال تناول فيه التاريخ المغربي، ما زاد من وضوح القضية على المستوى الوطني. وخلال التسعينيات توسعت المطالب الأمازيغية لتشمل الجوانب السياسية، وتجسد ذلك بشكل واضح في إصدار ميثاق أكادير سنة 1991، الذي تضمن مطالب دسترة اللغة الأمازيغية وإدماجها في التعليم والإعلام الرسمي، ليبدأ بذلك انتقال الحركة من النضال الثقافي إلى المجال السياسي والاجتماعي بشكل أوسع وأكثر تأثيرًا.
من الرؤية الملكية إلى الواقع السياسي
مع بداية القرن الواحد والعشرين شهدت الحركة الأمازيغية في المغرب تطورًا ملحوظًا في مستوى تأثيرها، خصوصًا مع اعتلاء الملك محمد السادس العرش سنة 1999؛ فقد حمل على عاتقه مهمة إعادة الاعتبار للأمازيغية، مؤكدًا أنها جزء لا يتجزأ من الهوية الوطنية للمغاربة. في خطاب 17 أكتوبر 2001 أعلن جلالته عن إنشاء المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية، وهو خطوة بارزة نحو دمج الأمازيغية في المنظومة التعليمية والثقافية الوطنية. كما تم إدخال اللغة الأمازيغية إلى المناهج الدراسية، واعتماد حرف تيفيناغ كحرف موحد لها، ما شكل نقطة تحول مهمة في تعزيز مكانة هذه اللغة في المغرب. هذا الانفتاح السياسي ساهم في ظهور برامج إعلامية بالأمازيغية على القنوات الوطنية، فضلاً عن إلغاء مصطلح “اللهجات” ليتم الحديث عن الأمازيغية كلغة رسمية، في خطوة ترسخ مكانتها داخل المجتمع المغربي. رغم هذه الإنجازات تبقى الحركة الأمازيغية أمام تحديات كبيرة، خصوصًا في ما يتعلق بتوسيع نطاق حقوقها الثقافية والسياسية، ما يستدعي استمرار النضال من أجل ضمان المزيد من الحقوق والاعتراف الكامل بالهوية والثقافة الأمازيغية كأساس للأمة المغربية.
حزب أمازيغي؟ المخاطر والعواقب على الأمازيغية
إذا تم تأسيس حزب أمازيغي خاص فسيعني ذلك في الواقع رفع المسؤولية عن باقي الأحزاب السياسية، إذ ستعتبر نفسها غير معنية بالقضية الأمازيغية، ما قد يؤدي إلى تجاهلها بشكل أكبر من الوضع الحالي. العمل الحزبي الفعّال لا يتحقق من خلال التوجه نحو العزلة في حزب خاص، بل من خلال الضغط على الأحزاب القائمة وتأثيرها من الداخل، لكي تتحمل مسؤوليتها في إقرار حقوق الأمازيغية وتعزيزها.
الأحزاب التي تواصل تجاهل القضية الأمازيغية هي أحزاب تفتقر إلى الوطنية الحقيقية، ولا يجب أن يكون لها مكان في المشهد السياسي المغربي. بدلاً من الانعزال داخل حزب سياسي خاص بالأمازيغية يجب أن يكون الهدف هو تمزيغ الأحزاب الوطنية القائمة، أي جعل الأمازيغية جزءًا لا يتجزأ من برامجها السياسية وممارساتها الفعلية. بذلك تتحول الأمازيغية إلى قضية وطنية حقيقية تُعزز في جميع الميادين؛ فهي قضية كل المغاربة وتحظى بدعم واضح من أعلى هرم في السلطة، يتمثل في الرعاية الملكية المستمرة. الخطوات الملكية كان لها تأثير مباشر على مواقف الأحزاب السياسية المغربية، التي بدأت تدريجيًا إدراك أن التعامل مع الأمازيغية لم يعد خيارًا بل ضرورة.
تمزيغ الأحزاب.. الطريق الأمثل لتعزيز مكانة الأمازيغية
نعتبر أن كل المغاربة أمازيغ، مهما كانت لغتهم، لأن الأمازيغية هي جزء من هوية المغرب العميقة والشاملة. ومع ذلك عندما نتحدث عن الناطقين بالأمازيغية تحديدًا نجد أن العديد من قادة الأحزاب السياسية، الوزراء، البرلمانيين، ومناضلي الأحزاب، هم ناطقون بها. كيف يمكن إذن حصر الأمازيغية في حزب واحد فقط؟ هذا يعكس واقعًا سياسيًا يجب أن نأخذه في الحسبان، وهو أن الأمازيغية هي قضية وطنية تتجاوز الانتماءات الحزبية الضيقة.
محاولة حصر الأمازيغية في حزب واحد ليست فقط غير منطقية، بل قد تكون ضارة، لأنها قد توحي بأن هؤلاء السياسيين لا يمثلون الأمازيغية بشكل كامل، بينما هم جزء لا يتجزأ منها في مسيرتهم السياسية. وبالتالي يجب أن يكون الهدف هو دفع جميع الأحزاب السياسية المغربية إلى تبني الأمازيغية كجزء أساسي من برامجها الوطنية، وبالتالي تحويل الأمازيغية إلى قضية جماعية تشارك فيها كل الأحزاب والمكونات السياسية المغربية.
إن الأحزاب المغربية بدأت تدرك أن تجاهل الأمازيغية لم يعد مقبولًا، وأن التعامل معها بمنطق الاستيعاب السياسي أصبح ضرورة ملحة. وقد شهدنا مواقف إيجابية من عدة أحزاب، سواء في دعم تفعيل الطابع الرسمي للأمازيغية أو في تبني خطاب يعترف بمكانتها كجزء أساسي من الهوية الوطنية. فالأحزاب القائمة في المغرب تتمتع بقدرة أكبر على التأثير في السياسات الوطنية من خلال برامج شاملة. الرهان على تأسيس حزب سياسي يعتمد على الهوية الأمازيغية فقط قد يعرض القضية إلى محدودية التأثير السياسي إذا تم حصرها في إطار حزبي ضيق. لذا يبقى الخيار الأمثل هو تعزيز مكانة الأمازيغية ضمن الأحزاب الوطنية الكبرى، والعمل على إدماجها بشكل شامل ضمن السياسات العمومية لتحقيق العدالة الثقافية والاجتماعية للأمازيغ.
إن الأمازيغية من أبرز ضحايا العهد الماضي وسنوات الرصاص، فقد كانت قضية محورية في ملفات الإنصاف والمصالحة. ومن الطبيعي أن تكون الأمازيغية إحدى أبرز القضايا التي رافقت الدينامية السياسية في المغرب، خاصة مع تأسيس حركة لكل الديمقراطيين وحزب الأصالة والمعاصرة؛ فقد جعل الحزب من الأمازيغية أحد أركان تأسيسه، واستخدمها كأداة رئيسية في خطابه السياسي وترافعه. وفي حديثنا عن حزب “البام” عندما شعر مناضلوه ببعض الفتور في التعاطي مع القضية الأمازيغية بادروا بتأسيس “أكراو من أجل الأمازيغية” للترافع من داخل الحزب، وذلك لإعادة الملف إلى الواجهة. هذه المبادرة توجت بتأسيس اللجنة الأمازيغية داخل المجلس الوطني للحزب بشكل رسمي. كما أن العديد من الأحزاب الأخرى غيرت مواقفها تجاه الأمازيغية بفضل دينامية مناضليها وعملهم المستمر داخل هياكل الحزب. هذه الإستراتيجية يجب أن تكون النموذج، إذ إن الضغط من داخل الأحزاب يُعتبر السبيل الأمثل لتطوير مواقفها وتعزيز تمثيل الأمازيغية في برامجها السياسية. وعليه يجب جعل القضية الأمازيغية قضية سياسية مركزية، من أجل تعرية التنظيمات التي تعادي الهوية المغربية والإرادة الملكية في هذا السياق.
الطريق إلى المستقبل
إن القضية الأمازيغية، باعتبارها أساس الهوية المغربية، تستحق أن تكون موضوعًا أساسيًا في سياسات الأحزاب المغربية، لا حكرًا على حزب واحد. بينما قد يبدو تأسيس حزب أمازيغي كحل مباشر، إلا أن هذا الحل يعزل القضية ويقيد تأثيرها السياسي. إن العمل الأكثر فاعلية يكمن في تمزيغ الأحزاب القائمة، من خلال الضغط والتأثير داخلها لضمان إدماج الأمازيغية في برامجها السياسية بشكل شامل. يجب أن تظل الأمازيغية قضية وطنية جماعية يعترف بها الجميع، وتدعمها كل الأحزاب المغربية من منطلق الوطنية والتزامها بهوية البلد والدستور والإرادة الملكية العليا. إن هذا النهج يتطلب تضافر الجهود من جميع المناضلين المؤمنين بالقضية الأمازيغية داخل الأحزاب، ليصبح النضال من أجل الأمازيغية قضية وطنية حقيقية تتبناها كافة القوى السياسية في المغرب.
أنا كذلك أوافقك الرأي سيدي رشيد المحترم بحيث الامازيغية ليست قضية الناطقين بالامازيغية اليوم وانما هي قضية أصالة وتاريخ لجميع المغاربة الذين يتحدثون بالسنة مختلفة فوق هذه الارض الطيبة وبالتالي فهي قضية مصيرية لهذا الشعب الامازيغي الاصيل الذي عمر هذه الارض الطيبة بلسان أمازيغي قبل دخول العربية كلغة دين وعقيدة واصبحت لغة علوم وسياسية مع مر العصور.الحزب الامازيغي في المغرب لا يقدم أي ميزة لانجاح المشروع الملكي والدولة المغربية التي أخرجته من اجل مستقبل قريب او بعيد للهوية المغربية الاصلية وهي هوية مغاربية وليست مغربية فقط.الهوية الامازيغية هي هوية للدولة المغربية وللشعب المغربي جميعا والاهم أن يسير هذا المشروع كما رسمه جلالة الملك بكل هدوء وسلام نحو مستقبل قريب او بعيد لان كل من سار على الدرب وصل كما يقول المثل المغربي
لقد حققت الامازيغية عدة مكتسبات مهمة تحت الرعاية الملكية السامية فقد تم ترسيم اللغة الامازيغية كلغة رسمية للبلاد مما يمثل اعترافا رسميا باهميتها و مكانتها في الهوية المغربية و تاسس المعهد الملكي للثقافة الامازيغية و الاحتفال براس السنة الامازيغية و تم ادراج الامازيغية في النظام التعليمي
اذن فلا داعي لتاسيس حزب امازيغي معزول عن الاحزب و المؤسسات الدستورية لان كل الاحزاب و المؤسسات مسؤولة على تنزيل الطابع الرسمي للامازيغية و الرؤية الملكية في هذا الباب
تمزيغ الأحزاب أو تأسيس حزب أمازيغي؟
لمن تنتمي الاحزاب ان لم تكن كلها كذلك
كلنا مغاربة والحمد لله ننتمي الى حزب واحد حزب العزة والانتماء و الشرف حزبنا هو
الله
الوطن
الملك
و لسنا في حاجة إلى عرقية
مالعيب في تأسيس حزب ذي مرجعية أمازيغية؟!
هل تخشى أن يفشل في الإنتخابات؟
حتى وإن فشل، هل ذلك يعني فشل ايمازيغن جميعا؟ من هم ايمازيغن؟ أليس كل المغاربة أصلا ايمازيغن ناطقين بالأمازيغية وناطقين بالدارجة؟
ألم تفشل الأحزاب القومية العروبية في بلدان تعتبر نفسها عربية؟ وهل فشلها تم اعتباره فشلا للعرب جميعا في تلك الدول؟
ألم تفشل الأحزاب الاسلاموية مرات ومرات؟ وهل فشلها تم اعتباره فشلنا جميعا كمسلمين؟
نحن في بلد التعددية الحزبية، والمحاسبة تكون بناء على البرامج والانجازات، وليس الاجهاض قبل الولادة.
جميل أن تتضمن الأحزاب القائمة، رغم ماضيها الأسود، أصوات تنادي بالنهوض بالأمازيغية. لكن يجب أن يكون الهدف فعلا هو النهوض بالأمازيغية وليس الركوب عليها، وقطع الطريق على مبادرات من خارج هذه الأحزاب التقليدية والتي قد تعود بالنفع على هذا الوطن الحبيب