المرجو استعمال السمّاعات

المرجو استعمال السمّاعات
كاريكاتير: عماد السنوني
الإثنين 31 مارس 2025 - 01:06

قبل سنة، سافرت إلى بروكسيل عاصمة بلجيكا، وجعلت من بين الأماكن التي يجب زيارتها حي مولينبيك؛ لأني سمعت أنه حي يكاد يكون مغربيًّا. وتأكدت من ذلك حين وجدت نفسي وسط أغلبية مغربية في لغتها، وسحناتها، وعاداتها، وأسواقها، فأحسست بدفء عجيب بين أبناء بلدي أو ذريتهم من الشباب. ثم دخلت مطعمًا/مقهى وطلبت شايًا، فجاءني به شاب مغربي أصيل يتكلم الدارجة بطلاقة، ويرحب بي بحفاوة بالغة. فلفت نظري إعلانات صغيرة ملصقة على الجدران مكتوبة بالفرنسية:

“Prière de mettre les écouteurs pour ne pas déranger nos clients.”

ثم نظرت حولي إلى الزبائن، فوجدت كلَّ واحدٍ منهم إما أمامه حاسوب محمول أو هاتف ذكي، كلهم يضعون السماعات في آذانهم، ولا أحد شذَّ عن هذا الالتزام. كما كانت هناك موسيقى عربية هادئة بالكاد تُسمع. فشجعني هذا الهدوء على إخراج كتاب من جيبي، وطفقت أقرأه مرتاح البال.

أما في المقهى الذي أجلس فيه بين الحين والآخر في مدينة مكناس، فلا يوجد من يضع السماعة في أذنيه إلا من رحم ربك! ثم إن الناس في هذا المقهى يرفعون أصوات هواتفهم بشكل رهيب، وكأنهم يصرون على إسماعك ما يظنونه مفيدًا أو مخبرًا أو مطربًا أو مضحكًا. وقد تجد مائدة بها أربعة أو خمسة أشخاص، كلهم يطلقون أصوات هواتفهم دفعة واحدة!

مرة، جلس بجانبي رجل في مثل سني أو أكبر، ثم أخذ ينصت إلى الشيخة تسونامي وهي تغني أغنيتها البورنوغرافية “الحلاوة في كاينة”، فالتفتُّ إليه قائلاً في لطفٍ – مع ابتسامة تليّن تعجبي:
– “آ لشريف، نقص شوية من التلفون!”
– “السمع عندي ناقص.”
– “إيوا، شري ليك السماعات.”
– “قالوا لي كيضرو فالودنين.”
– “واش عارف آش كتقول التسونامي؟”
– “أنا كاع ما كيعجبني كلامها، أنا غير مع الجرة والجفنة.”
– “وبغيتيني حتى أنا نبغي الجرة والجفنة بالسيف؟”

فاغتاظ الرجل، ونظر إليَّ بخبث وقال:
– “نوض آخوي لشي قهوة أخرى ما فيهاش الصداع.”

تكلمت مع صاحب المقهى عن إمكانية كتابة تنبيه للزبناء حتى لا يزعجوا بعضهم، فقال:
– “احنا بالدراع باش قبلوا ما يكميوش لنا فالصالون، عاد نزيدوهم الصناتات!”

وضع السماعات في الأذن فعل حضاري راقٍ، يترجم احترام الناس لبعضهم البعض، وليس تحريمًا لحلال طيب. ورواد هذا المقهى – أغلبهم – يتركون مشروباتهم في عناية النادل حتى يصلي المغرب، ثم يفوزون ببعض الحسنات ليحرقوها بعد ذلك، حين يعودون إلى أماكنهم ويسمعونك قسرًا ما لا تريد سماعه!

وإذا كان صاحبنا أتحفني بكلام تسونامي الساخن، فإن آخرين يسمعونني صراخ مشايخ القتل والترهيب والتحريم، فلا أجد نفسي إلا مودعًا جلسة غير مكتملة؛ بسبب تخلف متجذر لا يحس به أصحابه.

ظاهرة إسماع الآخر محتوى الهاتف بقوة الصوت العالي لا تقتصر على المقاهي، وإنما توجد في كل مكان مغلق: المطارات، ومحطات النقل، والقطارات، والحافلات، وفي العيادات، والإدارات التي تقدم خدماتها بنظام الصفوف، وغير ذلك. إلا أن الناس – الذين كانوا في الماضي يشتكون من المدخنين حتى انمحى الضرر من الأماكن العامة والمغلقة – لا يظهر عليهم أنهم يتضررون من “الصراصير المقلقة” المشوشة على راحتنا البدنية والنفسية في كل مكان. وكما يقول رجال الشرطة: “ما دام ما تشكّى حد، ما كاينش المشكل!”

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

21
  • Aymane
    الإثنين 31 مارس 2025 - 01:49

    السلام عليكم، أولا لكم مني فائق التقدير والاحترام أستاذنا الفاضل، ولكن نعمة السماعات في طيتها نقمة وهذه النقمة مثل عاصفة هوجاء قد تعصف بمدمني هذه الأجهزة الصغيرة في الحجم والكبيرة من حيث الضرر، فعن نفسي فقد لجأت إلى استعمال السماعات الطبية في عز شبابي بسبب هذه الآفة ومن لطف القدر والعلم فقد مكنتنا السماعات الطبية الحديثة بالاستماع لما نريده بأمان، ولكن هذا لا يعني إزعاج الناس بصخب التيكتوك والإنستغرام، ولا بد من خفض صوت الهاتف لدرجة يسمعها هو وبس.
    وقد لا أتفق معكم أيضا بخصوص تنبيه ذلك السيد لأن الإنسان المغربي لم يجد مدرسة تقوم بتوعيته بوجود الآخر واحترامه وتقديره بقدر ما اهتمت بشحنه وتفريغه وبالعامية: رد ليا سلعتي لي عطيتك، والمواطن المغربي إلا من رحم ربك حينما يخرج من الشارع يقول انطلاقا من لا وعيه: ندير لي بغيت ماسوق حد فيا.
    وعيدكم مبروك أستاذي الفاضل ودمت في خدمة الوعي والتوعية للمغاربة ولكن ليس على صحتهم وألف تحية لكم.

  • مواطن غيور
    الإثنين 31 مارس 2025 - 01:50

    السلام عليكم، تحية لكاتب هذه السطور التي عرضت ابسط الأشياء المتجدرة في مجتمعنا نحن المغاربة و التي يندى لها الجبين و تجاوزها الزمن ، والله في وسط المسجد و تجد تصرفات لا يمكن أن يرتكبها عاقل فما بالك بمسلم وسط المسجد. وعند الخروج من باب المسجد فحدث ولا حرج و أخجل التصرفات عندي و أظنها عند اغلب المغاربة البزق في وجه المارة دون أدنى حرج(فما بالك بالتبول أمام الجميع) أو سماع الكلام النابي انت و زوجك أو بنتك من الصغار قبل الكبار ……و الكثير الكثير ، أظن أنه وجب تسخير الكثير من الوقت والجهد للتوعية المغاربة قاطبة بالمدن فبل البوادي بتصرفات وجب القطع معها وللأبد و أظن أنه واجب علينا و نحن نعيش بالقرن ٢١ تسخير جميع الإمكانيات لذالك من الدولة قبل المجتمع المدني (كما تعلم الأمي الدخول للفيسبوك و وسائل التواصل فاظنه قادر على تعلم ابجديات العيش المشترك) . عيدكم مبارك سعيد

  • مواطن
    الإثنين 31 مارس 2025 - 02:12

    مابالك بالمقاهي.وصالونات الحلاقة.والمدارس الخصوصية.والجيران.يطلقون العنان لمكبرات الصوت.الدي يخرق الجدران.ويسبب الضغط.والامراض.وكم من شكاوي رفعة إلى المصالح المختصة.ولا مجيب……..

  • عبد ربه
    الإثنين 31 مارس 2025 - 02:30

    تحية كبيرة لك على تناولك هذا الموضوع لقد عناينا من هذا المشكل في المقاهي حتى دات مرة إشتكيت لصاحب المقهى والحل غي نظري هو منع الويفي من المقاهي وشكرا

  • سمير
    الإثنين 31 مارس 2025 - 02:46

    كنا نصلي صلاة الظهر بالمسجد وعند بداية التسليم والتشهد الأخير للصلاة رن هاتف احد المصلين بنغمة شعبية بصوت مرتفع ملأ المسجد باغنية ( عاري عليك امولاي احمد اه الولي ا مولاي احمد ….إلى أن سلم الامام وسلم المصلين .

  • wind city
    الإثنين 31 مارس 2025 - 03:34

    أكثر من ذلك هناك من يستعمل الهاتف في وسائل النقل العمومي بما في ذلك الطاكسي و لا يضع السماعات!

  • elalauiabdemoiahe
    الإثنين 31 مارس 2025 - 03:55

    هادالضاهرة مع الاسف ولينا كا.نشوفها حتى فوساءل النقل العمومي

  • كنز الكنوز
    الإثنين 31 مارس 2025 - 04:12

    شكرا جزيلا على المقال، كلام في الصميم ،مع الأسف الشديد ،نكون في مقصورة القطار أو في الحافلة أو في سيارة الاجرة الصغيرة والكبيرة و…،الحديث عن المشاكل الشخصية والخاصة،نحن لسنا مجبرين على سماع المشاكل والاغاني المخلة وغير المخلة،يجب احترام من يشارك معكم الفضاء ،انا مع صاحب المقال في فكرة (من فضلكم حافظوا على راحتكم وراحة الزبناء باستعمال السمعات ،وشكرا على تفهمكم ) عادي

  • الصراحة
    الإثنين 31 مارس 2025 - 05:47

    ذكرني هذا المقال في حادثة شهدتها بام عيني في إحدى الوكالات البنكية كان الصمت و الهدوء يعم تلك الوكالة في إنتظار دوري و كان يسبقني حوالي 6 أشخاص فجأة إستل أحدهم هاتفه المحمول فبدأ يتصفح أحد الأوديوهات بصوت مرتفع كسر به ذلك الهدوء و حين طلب منه رجل الأمن الخاص بالوكالة خفض الصوت او إستعمال السماعات بما اجابه في نظركم (( واش راحنا فالكوميسارية)) أترك لكم التعليق

  • متقاعد
    الإثنين 31 مارس 2025 - 05:52

    للاسف هذا ما يحذث في بعض مقاهينا عدم احترام حرية الاخر منها التذخين الى جانب الحذيث باصوات عالية أضف إلى هذا سماع اغاني شعبية مرتفعة بكلمات تخدش الحياء عبر هواتف نقالة تزعج الزبناء ومن ينتقيها للاسف هم رجال مسنون في الوقت الذي يستحسن فيه السماع الى كلام الله من تلاوة القرآن أو حذيث او امداح نبوية و غيرها يسمع الى اغاني يندى لها الجبين دون استحياء لا حول ولا قوة الا بالله اللهم نبهنا بعيوبنا

  • مصطفى
    الإثنين 31 مارس 2025 - 06:27

    جيد أن نلفت النظر إلى هكذا ظواهر ، رغم أن هذا لا يغير من الواقع شيئا يسيرا ، في المجتمع المغربي كباقي المجتمعات الأخرى نجد ظواهر اجتماعية تنم عن التخلف والجهل والعبث والتفاهة ، ليس لان أصحابها يتسمون بهذه السمات، بل لانهم يركبون موجة السائد والمنتشر في مجتمع يصعب ان تكون فيه نشازا . التزمير في الطرقات والبصق والشتيمة في الشوارع والتبول على اطراف الجدران والسكر العلني على حواف الشواطئ والرذيلة في زوايا الأحياء والهروب من دفع مستحقات النقل الحضري والعديد من الممارسات ، كلها تشكل جزءا من مجتمع يهوي إلى القاع ولا يفصلنا بين القاع إلى القليل فنصير في خبر كان . دمتم بخير .

  • المسكيني
    الإثنين 31 مارس 2025 - 07:47

    لقد توقفت عن ارتياد المقاهي بسبب هذا السلوك الأناني الأرعن.

  • تعبئة نجمة
    الإثنين 31 مارس 2025 - 08:01

    الأجمل هو ان تكون على متن نقل عمومي و وراء أذنك مباشرة مخلوق عنده تعبئة 5دراهم نجمة فيقرر ان يتحفك طول الطريق بمحادثة خاوية لاتنتهي
    فن العيش بين الناس نعمة يعطيها لمن يشاء
    عند المغاربة ان الدرويش كل من لايملك المال لكن هذا ليس صحيح ، الدرويش هو الذي لايزعج الناس

  • كريم
    الإثنين 31 مارس 2025 - 11:41

    بين المغاربة و بين التمدن ما يناهز 270 سنة. و هذا شيء عادي.

  • فؤاد
    الإثنين 31 مارس 2025 - 12:18

    يجب أن نتعلم جميعا الاستمتاع بالوقت في بيوتنا ولا نجلس في المقهى الا لغرض او نادرا للتسلية. عدد المقاهي في المغرب ب 40 مليون هو ضعف عدد المقاهي في ألمانيا عدد سكانها 86 مليون.

  • متضرر
    الإثنين 31 مارس 2025 - 15:02

    لم يسلم مكان من هذه الممارسات غير المتحضرة..بالحافلة والمقاهي وجميع الاماكن العمومية …بل حتى المكاتب المشتركة حيث لا بد ان تجد شخصا يحسب نفسه وحيدا ويستمع لما جاد به هاتفه بكل اريحية ضاربا عرض الحائط ان المكان مكان عمل وعليك ان تركز لانجاز عملك باتقان وانه بهذا الفعل المشين ينتهك حريتك…وجب القيام بحملات توعوية لمثل هذه السلوكيات التي وإن بدت صغيرة الا أن أذاها كبير.

  • هشام
    الإثنين 31 مارس 2025 - 20:32

    انصح الجميع بممارسة الرياضة وعدم تتبيت التطبيقات على هواتفهم المحمولة
    الحفاظ على الصلوات الخمس مهم جدا
    القراءة والمطالعة هامة جدا أيضا
    لا بأس في مطالعة الكتب والقصص على الهواتف
    الجلوس في المقهى أصبح هوسا لنا والله العظيم
    اصبحنا نبتعد عن الاشياء الجميلة من ممارسة الهوايات الرائعة مثل الاهتمام بالاشجار والنباتات والانخراط في الجمعيات الخ
    الله اصاوب وصافي

  • Lamya
    الأربعاء 2 أبريل 2025 - 09:59

    يمكن اعتبار استخدام الهواتف بصوت عال في الاماكن العامة بمتابة “سطو على أذن الناس” بمعنى ان الشخص الذي يستخدم هاتفه بصوت عال يفرض صوته على الاخرين دون موافقتهم مما يزعجهم و يؤثر على حقهم في الاستمتاع بالهدوء و السكينة و ذلك يمكن ان يؤدي الى التوثر و القلق و الارهاق و صعوبة التركيز

  • الضجيج
    الأربعاء 2 أبريل 2025 - 14:14

    الضجيج كان موجود قبل الهاتف الذكي في الاماكن العامة كالاسواق و المحلات التجارية حيث انك تسمع اصوات مرتفعة وموسيقى صاخبة او اشرطة دينية و حتى في الطاكسيات بالاضافة الى ضجيج الدرجات النارية و ابواق السيارات و نباح الكلاب الضالة و اصوات الشباب في الليل في التجمعات السكنية….

  • Patientez
    الإثنين 7 أبريل 2025 - 13:14

    اصل المشكل
    1/ غياب تعليم حضاري في المدرسة
    2/ تخلي الطبقة الحاكمة عن مساندة دور المعلم و الاستاذ و تحييد هيبته
    3/ غياب قانون واضح للحريات و عدم تطبيقه
    الدليل ما وصلت اليه سنغافورة بعدما كانت تعيش في الستينات الفقر، التخلف و التلوث

  • نبيل الوردي
    السبت 17 ماي 2025 - 22:00

    أودي خليها على الله
    حنا كنا فواحد الحي شعبي
    نافذة بيتي على الشارع، ويأتي أشخاص (مشرملين) ويطلقون موسيقى بديئة وماجنة… بمكبر صوت مزنزن… وأكون كل ليلة بين اختيارين ، إما أن تطلب منهم الانصراف وقد تدخل في مشاجرة ستتواصل إلى الصباح وقد تكون لها تبعات وخيمة على
    أو أن أصبر بدون نوم إلى 6h30 صباحا لأستقل الطاكسي والقطار وأتجه إلى فاس التي كنت أدرس في مؤسساتها

صوت وصورة
مع أسطورة البرازيل كافو
الجمعة 30 أكتوبر 2026 - 09:15

مع أسطورة البرازيل كافو

صوت وصورة
مغاربة العالم ورهان التنمية الوطنية
الخميس 29 أكتوبر 2026 - 22:27

مغاربة العالم ورهان التنمية الوطنية

صوت وصورة
الابتكار لتعزيز صمود الواحات
الخميس 29 أكتوبر 2026 - 21:41

الابتكار لتعزيز صمود الواحات

صوت وصورة
ملعب هسبريس | هشام الدكيك
الخميس 29 أكتوبر 2026 - 21:00 1

ملعب هسبريس | هشام الدكيك

صوت وصورة
خطر الدفتيريا وحل التلقيح
الخميس 29 أكتوبر 2026 - 20:00

خطر الدفتيريا وحل التلقيح

صوت وصورة
ابريجة رئيسا لمجموعة جماعات البيضاء
الخميس 29 أكتوبر 2026 - 19:05 2

ابريجة رئيسا لمجموعة جماعات البيضاء