مقدمة:
من المعلوم أن تكنولوجيات الذكاء الاصطناعي دخلت في السنوات الأخيرة إلى المجال القانوني، ومنه مجال المحاماة، من بابه الواسع.
في هذا الإطار، فإنه إذا كان المحامي مُلزَمًا اليوم بواجب العناية، فإنه لم يتم بعد ربط هذا الالتزام بالتكنولوجيات الحديثة، ومنها تكنولوجيات الذكاء الاصطناعي.
ومع ذلك، فإن المحامي لا يمكنه اليوم التعويل فقط على معارفه القانونية دون المعارف التكنولوجية، إذا ما أراد الالتزام بواجب العناية، وبالتالي تجنب المساءلة القانونية.
غير أنه لا يجب فهم هذا الالتزام فقط على أنه “على المحامي ألا ينتهك واجبه في العناية عند استخدامه لهذه التكنولوجيات”، بل على أن عدم استخدامه لها يعتبر في حد ذاته انتهاكًا لواجب العناية، الأمر الذي قد يُثير مسؤوليته القانونية.
أولًا: الاستخدام القانوني للذكاء الاصطناعي وحدوده
لقد بدأ المحامي بالفعل باستخدام تكنولوجيات الذكاء الاصطناعي، على الرغم من المساوئ الكثيرة التي تتميز بها هذه التكنولوجيات.
أ. الاستخدام المتزايد للذكاء الاصطناعي من قبل المحامي
بدأ اليوم يتم استخدام وسائل الذكاء الاصطناعي في عدة مراحل من مراحل تدخل المحامي (المحامي المعزَّز بالذكاء الاصطناعي):
-
خوارزميات تحليل البيانات:
يمكن للمحامي استخدام برمجيات خاصة مُزوَّدة بخوارزميات الذكاء الاصطناعي تقوم مكانه بتحليل كميات هائلة من البيانات القانونية، والتي بدونها لا يمكنه أبدًا القيام بذلك. -
خوارزميات توليد المذكرات والعقود:
يمكن للمحامي استخدام برمجيات خاصة مُزوَّدة بخوارزميات الذكاء الاصطناعي التوليدي من أجل كتابة مذكراته أو تحرير عقود. -
تطبيقات التنبؤ بالقرارات القضائية:
يمكن للمحامي استخدام خوارزميات الذكاء الاصطناعي من أجل تحليل كميات هائلة من الأحكام القضائية السابقة للتنبؤ بمآل ملف من الملفات.
إن استخدام وسائل الذكاء الاصطناعي هذه من قبل المحامي من شأنه الرفع من كفاءته، وبالتالي قيامه على أكمل وجه بواجب العناية الذي يفرضه القانون، وإن كان لهذا الاستخدام مساوئ كثيرة.
ب. مساوئ استخدام الذكاء الاصطناعي من قبل المحامي
بالنظر إلى التكنولوجيات والبيانات التي يرتكز عليها الذكاء الاصطناعي، فإن له عدة مساوئ، يمكن أن نذكر من بينها: الهلوسة الخوارزمية والتحيز الخوارزمي.
-
الهلوسة الخوارزمية:
غالبًا ما تنتج عن خوارزميات الذكاء الاصطناعي مخرجات غير منطقية أو غير واقعية، سواء كانت نصوصًا أو صورًا أو غيرها من أشكال المحتوى.
ومن الجدير بالذكر أن هذه المخرجات قد تبدو للوهلة الأولى ذات قيمة عالية أو دقة متناهية، غير أنه بمجرد إخضاعها للتدقيق والفحص البشري، يتجلى عدم صحتها وافتقارها للدقة القانونية المطلوبة. -
التحيز الخوارزمي:
هو أن تكون نتيجة خوارزمية ما (عقد مُولَّد عبر الذكاء الاصطناعي أو قرار قضائي مرتكز على الذكاء الاصطناعي، مثلًا) غير محايدة أو غير صادقة أو غير عادلة، سواء تم ذلك بشكل غير مقصود أو متعمد.
وتُطرَح مشكلة التحيز الخوارزمي عندما تكون الخوارزمية نفسها متحيزة، أو عندما يتم تدريب خوارزمية غير متحيزة على بيانات متحيزة.
ثانيًا: علاقة تكنولوجيات الذكاء الاصطناعي بواجب العناية
من أجل الالتزام بواجب العناية في عصر الذكاء الاصطناعي، يتعين على المحامي الالتزام بما يلي:
أ. الالتزام باستخدام وسائل الذكاء الاصطناعي
يتعين على المحامي اللجوء إلى الوسائل التكنولوجية، ومن بينها وسائل الذكاء الاصطناعي، من أجل أتمتة بعض المهام المتكررة، خاصة عندما يكون من شأن هذه الوسائل التقليل من أتعاب الوكلاء مع الاحتفاظ بنفس جودة الخدمة.
ب. الالتزام بإعلام الوكلاء بوجود وسائل الذكاء الاصطناعي
في إطار واجب العناية في عصر الذكاء الاصطناعي، فإن المحامي مُلزَم بإعلام وكلائه بوجود هذه الوسائل، وكذا محاسنها والمخاطر التي تمثلها.
ويترتب على ذلك:
-
أن على المحامي فهم طريقة عمل هذه الوسائل، خصوصًا عندما تُستخدَم كوسائل لاتخاذ القرار.
-
تفسير ذلك للوكلاء.
-
التحقق من النتائج التي تصدرها وسائل الذكاء الاصطناعي التي يتم استخدامها.
باختصار، فإنه بموجب العناية الواجبة، يتعين على المحامي ليس فقط فهم طريقة عمل هذه الوسائل والقدرة على شرحها والتحقق من نتائجها فحسب، وإنما كذلك تفسير محاسنها لوكلائه والمخاطر التي قد تنتج عنها.
ج. الالتزام بمطابقة هذه الوسائل للشروط القانونية الواجبة التطبيق
يتعين على المحامي – قبل استخدامه لوسائل الذكاء الاصطناعي أو توصية وكلائه بها – أن يقوم، بموجب واجب العناية، بتحليل هذه الوسائل مع الأخذ بعين الاعتبار الشروط القانونية الواجبة التطبيق.
حيث إنه إذا كانت بعض الوسائل مسموحًا باستخدامها، فإن أخرى قد تكون محظورة.
ح. واجب التدخل البشري
من المعلوم أن النتائج التي تتولد عن الوسائل التي تتضمن نظم الذكاء الاصطناعي تعتمد بشكل كبير على بيانات التدريب التي يتم تجميعها من شبكة الإنترنت ومواقع التواصل الاجتماعي وقواعد البيانات.
يعني هذا أنه من الممكن أن تنتج عن هذه النظم أخطاء منهجية أو بيانات تحوي هلوسات أو تحيزات.
وبالتالي، فإن المحامي الذي يستخدم وسائل الذكاء الاصطناعي، ويبني استدلاله القانوني فقط على مخرجاتها، قد يتوصل إلى استنتاجات جزئية أو خاطئة، فينتهك بذلك واجب العناية المفروض عليه.
لهذا السبب، فإن تدخل المحامي بصفته البشرية في تصحيح النتائج التي يتم توليدها عن طريق نظم الذكاء الاصطناعي هو التزام قانوني، بموجب النصوص القانونية عامة، وبموجب واجب العناية بصفة خاصة.
خاتمة:
على الرغم من المخاطر الملازمة لوسائل الذكاء الاصطناعي، فإن استخدامها من قبل المحامي أصبح ضروريًّا من أجل حسن التزامه بواجب العناية.
ألم يحن الوقت بعدُ لفرض واجب الكفاءة التكنولوجية (الرقمية والخوارزمية) على المحامي، إلى جانب واجب الكفاءة القانونية؟
ذلك أننا لا نستبعد في المستقبل القريب أن يُلزِم القانونُ المحامين باستخدام تكنولوجيات الذكاء الاصطناعي في إطار واجب العناية، سواء من أجل البحث القانوني أو مراجعة المستندات أو التنبؤ بالقرارات القضائية وغير ذلك.
في هذه الحالة، فإن المحامي الذي لا يستخدم وسيلةً للذكاء الاصطناعي للتنبؤ بالقرار القضائي، والذي اتخذ قرارات أوقعت أضرارًا بموكله، قد تثور مسؤوليته القانونية، بنفس القدر الذي تثور به مسؤولية الطبيب الذي لم يستخدم نظامًا للذكاء الاصطناعي قادرًا على التنبؤ بمرض عضال قد يصيب المريض.
مع التطور الكبير الذي عرفته تكنولوجيات الذكاء الاصطناعي، فإن الموكلين لم يعودوا يتوقعون من المحامي أن يتوفر على المعرفة القانونية فحسب، وإنما على الحد الأدنى من المعرفة التكنولوجية.
هذا الأمر يجعل من مسؤولية المحامي فهم عمل هذه الوسائل واستخدامها، من أجل النهوض – كما ينبغي – بواجباته المهنية، وأهمها واجب العناية.
مع كل الاحترام والتقدير للجميع.
أشكركم على مقالتكم التي ناقشت بوضوح تحديات المحامي في عصر الذكاء الاصطناعي، خاصة فيما يتعلق بالتوفيق بين التكنولوجيا الحديثة والمعايير المهنية، وقد سلطتم الضوء بشكل واضح على أبرز هذه التحديات.
من ناحية التجارب الدولية، نلاحظ أن العديد من الدول الغربية قد تبنت الذكاء الاصطناعي في الممارسة القانونية بشكل واسع، مع وضع أطر تنظيمية لضمان الشفافية وحماية البيانات. أما في العالم العربي، فقد بدأت بعض الدول مثل الإمارات والسعودية وقطر في تبني هذه التقنيات ضمن منظوماتها القضائية، مع التركيز على تطوير التشريعات واللوائح التي تنظم استخدامها.
ومع ذلك، يبقى التحدي الأكبر هو ضمان أن يكون المحامي قادرًا على فهم هذه الأدوات واستخدامها بشكل مسؤول مع التدخل البشري الضروري لتجنب الأخطاء الناتجة عن الهلوسة أو التحيز الخوارزمي.
وبينما نرحب بهذه التطورات، لا يسعني إلا أن أقول بروح من الدعابة الجادة، إن المحامي في المستقبل قد يحتاج إلى مهارات إضافية مثل “التفاوض مع الروبوت” أو “إقناع الخوارزمية” بأن موكله على حق، وهو تحدٍ جديد ربما يكون أصعب من إقناع القاضي أحيانًا.
دمتَ في خدمة العدالة والتجديد
ALHOCEIMA