الحرام يمحق البركة .. في البحث عن نورٍ في الرزق وسَعةٍ في الضيق

الحرام يمحق البركة .. في البحث عن نورٍ في الرزق وسَعةٍ في الضيق
صورة: أرشيف
الإثنين 2 يونيو 2025 - 10:02

البركة ليست مفهوماً تراثياً غامضاً يُتداول في الموروثات الشعبية، بل هي حاجة إنسانية عميقة، يشعر بها كل من عاش الوفرة دون رضا، أو امتلك المال دون طمأنينة. إنها السرّ الذي يجعل القليل كثيراً، والضيق متسعًا، والرزق غير مرتبط بالأرقام بل بالرضا والنور.

ليست البركة شيئًا ماديًا يُقاس، ولا مكيالًا يُملأ. هي حضورٌ خفي، نورٌ في الرزق، سَعةٌ في الضيق، راحة في العطاء، وطمأنينة في القليل. وحين يغيب هذا المعنى، لا ينقص المال فقط، بل تنقص الطمأنينة. وحين يُرتكب الحرام، لا يُجنى الربح، بل يُطفأ النور.

يُخطئ من يظن أن المال الحرام يُنمّي الثروة. قد يزيد الأرقام، لكنه يسرق البركة، يُقسي القلوب، ويفسد البيوت. إن البركة لا تساكن الحرام، ولا تتواطأ معه. قال الله تعالى: ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ﴾ [البقرة: 276]

فانظر كيف بدأ بالـ”محق” قبل أن يتحدث عن “الزيادة”، كأن الحرام لا يقتصر على عدم النفع، بل يتعداه إلى محق ما كان نافعًا أصلًا.

الحرام يُحدث شروخًا في روح الإنسان، قبل أن يُفسد جيبه. فهو يُربّي الجشع، ويُقزّم الضمير، ويُطفئ نور القناعة. ولذلك فإن من يأكل من حرام، لا يشبع. ومن يربّي أبناءه بمال الحرام، لا يرى فيهم السكينة. ومن يشيّد بيته من حرام، لا يأوي فيه راحة.

قال النبي ﷺ: “كل جسد نبت من سُحت، فالنار أولى به” [رواه الترمذي]

فأي فائدة في مالٍ يُنبت الجسد، ويُميت الروح؟ وأي لذة في ثراء يُضحك الشفاه، ويُبكي القلوب؟

قد يبرر الناس الحرام بأنه “ضرورة”، أو بأنه “مؤقت”، أو “ظرفي”. لكن البركة لا تعرف الأعذار، والضمير لا يقبل الالتواء. من يرضى بالحرام اليوم، يعتاد الظلمة غدًا. ومن يبيع مبدأه لحظة، يصعب عليه شراءه مجددًا وإن ندم ألف مرة.

والأخطر أن الحرام لا يبقى حرامًا في الخفاء. إنه ينسكب على الوجوه، ينعكس في السلوك، ويتسرّب إلى العلاقات. يفتت الأسرة، يزرع الشك، ويقطع الصلة بين الإنسان ونفسه، بين الإنسان وربه.

وفي مقولة تعكس الروح العامة لفكر الإمام أبي حامد الغزالي: “إن المال الحرام يُغلق أبواب الفهم، ويجعل القلب قاسيًا، والعقل مشتتًا.”

ولعلنا اليوم نرى هذه القسوة ممتدة: في خطابنا، في علاقاتنا، في تبرّمنا من الحياة، في اللهاث المحموم نحو مزيد من كل شيء… باستثناء المعنى.

ليس كل من يملك مالًا غنيّ، ولا كل من ينفق واسع. الغنى في البركة، والاتساع في الرضا، والبركة لا تُشترى ولا تُكتسب، بل تُستجلب بالطهر، وتُستبقى بالعدل.

ما أحوجنا اليوم إلى توبة لا من الكبائر فحسب، بل من الصغائر المتراكمة التي جعلناها “مباحة بالعُرف”، و”مشروعة بالحاجة”، حتى انمحت الحدود، وتلطخت الأرواح.

الحرام لا يُدخل الجوع وحده، بل يُخرج السكينة، يُميت الذوق، ويقتل الشكر.

فاحرص أن لا تأكل ما يُطفئ نورك، ولا تُطعِم من تُحب ما يمنع البركة عنه،

واجعل سؤالك الدائم:

هل في مالي نور؟ أم فيه ظلمة؟

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

24
  • محمد
    الإثنين 2 يونيو 2025 - 10:07

    ما أحوجنا الى مثل هده المواضيع لتدكير الناس بالقيم الدينية والإنسانية .

  • عزيز
    الإثنين 2 يونيو 2025 - 10:13

    انها أزمة اخلاق وليس أزمة نصائح.فالقرٱن هو دستور الحياة الدنيا والأخرة ودواء للنفس الأمارة.لكن واقع الأمة الإسلامية بعيد عن القرٱن .

  • ارضية فاسدة.
    الإثنين 2 يونيو 2025 - 10:25

    إذا ترك الإنسان لضميره لن تجد مسؤولا عفيفا لأن الإنسان يبرر النهب والسرقة تحت ذريعة هزالة الراتب قال السيد وهبي اعطوني اسبوعا مع اي رئيس بلدية وأنا كفيل بأن ابعثه للسجن ولكن ماذا فعل وهبي غير التهديد والبروباكدا والمزايدة اما دار لقمان فلازالت على حالها كل المسؤولين مرتشين إلا من رحم ربي.

  • مغربي
    الإثنين 2 يونيو 2025 - 10:29

    احسن ما قراته في هذا الصباح على هسبربس اللهم بارك ونتمنى من خطباء المنابر ان يتطرقوا لهذا الموضوع ولكن تمشي الرياح حيث لا تشاء السفن حتى ان بعض الناس أصبحوا عاجزين لأداء صلاة الجمعة وبعضهم يكفي ان يقراها في الهاتف مسبقا اللهم احفظ هدا البلد وساءر بلاد المسلمين من شر وفتن اللهم ارنا الحق حقا وارزقنا اتباعه وأرنا الباطل باطلا وارزقنا اجتنابه

  • نجيب
    الإثنين 2 يونيو 2025 - 10:35

    سعدت كثيراً وانا اقرأ موضوع البركة في الرزق على قناتكم هسبريس……..البركة نور في الرزق……..فعلا واتفق تماما معكم في هكذا تسمية …..ما احوجنا جميعا للتشبع بمثل هذه المعاني والعيش في ظلها ……شكرا هسبريس على هكذا موضوع لاننا بالطبع محتاجون لمثل هذه المبادئ في حياتنا اليومية…….شكرا

  • إبراهيم
    الإثنين 2 يونيو 2025 - 10:35

    أول مرة أقرأ موضوعا يريح قلبي

  • متتبع
    الإثنين 2 يونيو 2025 - 10:45

    شكرا هسبريس على تنورينا بمثل هذه المواضيع … نتمنى لكم الإستمرار…
    الإنفاق على الأهل والصدقة على الفقراء والمساكين أشياء تجلب البركة في المال .. والراحة والطمأنينة…
    شكرا جزيلا

  • فاطمة
    الإثنين 2 يونيو 2025 - 10:55

    موضوع قيم يعود بذاكرتنا الى الماضي المجيد ماضي الأجداد وماضي القناعة و الرضى بالقليل والإيمان بالبركة في الرزق كسبيل وحيد للإغتناء والعيش الكريم

  • فذكر
    الإثنين 2 يونيو 2025 - 10:57

    بارك الله فيك اخي…استمر بمثل هكذا مواضيع…فذكر إن الذكر تنفع المؤمنين…صدق الله العظيم

  • بلحياني
    الإثنين 2 يونيو 2025 - 11:01

    الإنسان بما أعطاه الله من عقل،وترك له حرية اختيار النجدين،فمن اختار الطريق الصحيح،سلم وغنم ورضي بما أعطاه الله وقنع بالموجود،ودائما وأبدا الرزق على الله سبحانه الرزاق الكريم.ومن جنح الى اليسار،واتبع الهوى والمال وحب التفاخر لن يكفيه ماعنده،وهذا النوع لايفكر الا في المال،والموت عنده دائما بعيد!!!

  • الحاج بلحاج
    الإثنين 2 يونيو 2025 - 11:11

    يقول الرسول صلى الله عليه وسلم ، (البركة جند من جنود الله المخفية) و يقول:(الحلال بين و الحرام بين ،و بينهما متشابهات) ،هناك اشخاص لا يعملون و لا يشتغلون لكن يتقاضون اجرا شهريا يتجاوز من يحصل عليه مئات الموظفين اضافة إلى امتيازات و تعويضات خيالية اخرى تحت ذريعة ، “المسؤولية” اذا عن اي بركة ستكون في اخوالهم…؟

  • الى كاتب المقال
    الإثنين 2 يونيو 2025 - 11:14

    لتعلم هيسبريس ان مثل هذه المواضيع، تفيد القراء وتهذبهم وتنير لهم طريق المعرفة والفهم، وترسي أسس الوعي الاجتماعي، سير ياكاتب المقال الله يرضي عليك وعلى لي ولدوك،

  • الحلال
    الإثنين 2 يونيو 2025 - 11:22

    …..صحيح…… اللهم ارزقنا واطعمنا من الحلال

  • عبد الغني
    الإثنين 2 يونيو 2025 - 11:26

    مقال جميل مشكور كاتبه .ما أخطر هذه الجملة التي وردت فيه : الأخطر أن الحرام لا يبقى حرامًا في الخفاء. إنه ينسكب على الوجوه، ينعكس في السلوك، ويتسرّب إلى العلاقات. يفتت الأسرة، يزرع الشك، ويقطع الصلة بين الإنسان ونفسه، بين الإنسان وربه. اللهم اغننا بحلالك عن حرامك يا رب العلمين.

  • عبدربه
    الإثنين 2 يونيو 2025 - 11:40

    بارك الله في كاتب هذا المقال.
    ماأحوجنا لهذه الحكم التوعوية.

  • babavoos
    الإثنين 2 يونيو 2025 - 12:22

    المرجو شكر الذي فكر في نشر مثل هذه المواضيع التي لاحظت تواجدها مؤخرا كحيز يستحق النشر .
    الله يسهل امره

  • الغيور
    الإثنين 2 يونيو 2025 - 13:00

    الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن وهم مهتدون.

  • بنعبدالسلام
    الإثنين 2 يونيو 2025 - 14:07

    “الحرام يمحق البركة”. هذا أهم مبدإ ديني ، لو عمل به المسلمون لكانوا في قمة الإنسانية.والحرام لا يعني فقط الرشوة أو السرقة، بل يعني كل “رزق ” يتم تحصيله بالغش والخداع والكذب واستغلال سذاجة الآخر ،والراتب بدون عمل أو مقابل (شبح) ، وتقاعد مبالغ فيه (مثله مثل ما يُحَصَّـل من التييرسي واليانصيب) ،وعدم الإخلاص في القول والفعل ، والغدر والتعامل بسوء النية ،وللائحة طويلة. وبخلاصة موجزة، كل قول أو فعل مخالف لمقاصد الدين، ولا أقول لمقاصد التدين ،هذا التدين الذي يثقنه المسلمون جيدا ولكنه بعيد كل البعد عن الدين.

  • عنوان الحياة
    الإثنين 2 يونيو 2025 - 15:43

    احسن ما نشرت هسبريس، ما احوجنا لمواضيع من هذا القبيل

  • سمير
    الإثنين 2 يونيو 2025 - 18:40

    ما أحوجنا لمثل هده المقالات التي تنير الحياة و تدكرنا بالقيم الاسلامية والاخلاقية السمحة. ولكن للاسف نحن بعيدون كل البعد عن دينينا وثقافتنا الاسلامية. لهدايجب الضرب بيد من حديد على كل من سولت له نفسه اكل اموال الناس بالباطل .اما ترك الناس الى ضمائرهم في هدا العصر .فهو ضرب من ضروب الخيال .

  • Ali
    الإثنين 2 يونيو 2025 - 21:53

    من طبيعة الحال بلي الحرام ماشي مزيان و تيخرج على مولاه مهما طال الزمن وحتى البركة مكتكونش في الدار و و العائلة و الأولاد لكن كاينين العديد ديال الناس بلا الحرام و ماعمرهم كلاو الحرام و كتلقاهم عايشين مساكين في المصائب و عدة مشاكل يعني الدنيا هدي هي و أغلبية المشاكل و المصائب تيجيو من إبن آدم.

  • مواطن
    الثلاثاء 3 يونيو 2025 - 00:18

    قلت فأحسنت القول , المال الحرام يبدو زين لكنه شين ,,

  • Mohammed
    الخميس 5 يونيو 2025 - 10:38

    سبحان مبدل الاحوال من حال الى حال
    من سوء الى حسن

  • البركة نور
    الجمعة 6 يونيو 2025 - 16:43

    أحسن ما قرأت هذا اليوم.اللهم بارك لنا فيما رزقتنا وقينا عذاب النار

صوت وصورة
من الزليج البلدي إلى ألعاب الذكاء
الإثنين 26 أكتوبر 2026 - 11:30 1

من الزليج البلدي إلى ألعاب الذكاء

صوت وصورة
التأمين المهني مع ''ACAPS''
الإثنين 26 أكتوبر 2026 - 10:31

التأمين المهني مع ''ACAPS''

صوت وصورة
معاناة سيدي الطيبي
الأحد 25 أكتوبر 2026 - 18:40 1

معاناة سيدي الطيبي

صوت وصورة
''الطاكسي'' وغلاء الوقود
الأحد 25 أكتوبر 2026 - 15:54 3

''الطاكسي'' وغلاء الوقود

صوت وصورة
استياء من تهيئة الشريط الساحلي بسلا
الأحد 25 أكتوبر 2026 - 10:58 10

استياء من تهيئة الشريط الساحلي بسلا

صوت وصورة
أثمنة اللحم البلدي والمستورد
السبت 24 أكتوبر 2026 - 17:56 7

أثمنة اللحم البلدي والمستورد