تحديد "المنتصر والمنهزم" يكشف مفارقات الحرب بين إيران وإسرائيل

تحديد "المنتصر والمنهزم" يكشف مفارقات الحرب بين إيران وإسرائيل
صورة: أ.ف.ب
الجمعة 27 يونيو 2025 - 02:00

عندما اندلعت العمليات العسكرية المتبادلة بين إسرائيل وإيران، مستهدفة مراكز حيوية داخل البلدين، تزايدت في حينه العديد من الأسئلة القلقة بشأن المستقبل، وحول ما إذا كانت المواجهة ستطول أم سيتم احتواؤها بمبادرات ودية تقودها أطراف دولية وإقليمية. كما طُرحت تساؤلات حول ما إذا كان الأمر سيقتصر على عمليات استنزاف عسكرية ثنائية تهدف إلى تحقيق أهداف ردعية محدودة من قبل الجانبين، أم أنه سيتحوّل، مع تطور الأوضاع وطول أمد النزاع، إلى مواجهة مفتوحة على كل الاحتمالات الصعبة، بما في ذلك توسيع دائرة العمليات لتشمل مناطق أخرى، خاصة مع دخول الولايات المتحدة على خط المواجهة عبر استهدافها العسكري لمنشآت نووية إيرانية.

ومع تصاعد التوتر العسكري، برزت تساؤلات بشأن حدود الدور الأمريكي، خصوصًا وأن واشنطن اعتادت دعم الكيان الإسرائيلي عسكريًا واقتصاديًا وماليًا ودبلوماسيًا، حيث سخّرت حضورها داخل مجلس الأمن كعضو دائم يمتلك حق “الفيتو”، للحيلولة دون إصدار قرارات تدين إسرائيل أو تفرض عليها عقوبات اقتصادية أو عسكرية، في سياق اعتداءاتها المتكررة على حقوق الشعب الفلسطيني وتوسعها في المنطقة.

ظل مطلب القضاء على البرنامج النووي الإيراني بضربات عسكرية حاضرًا لدى قادة إسرائيل منذ مدة، خاصة مع الشكوك التي بدأت تلوح حول إمكانية تحويله نحو استخدامات عسكرية. ويبدو أن التردد والحذر ظلا حاضرين إزاء استخدام هذا الخيار الصارم، نظرًا لمجموعة من الاعتبارات المرتبطة عمومًا بالتخوف من رد فعل إيراني قوي، إما بشكل مباشر أو عبر أذرعها في لبنان واليمن والعراق وسوريا، أو بسبب التحفظات الأمريكية على هذا الخيار، رغم انسحاب واشنطن من الاتفاق النووي الإيراني عام 2018.

غير أن التحولات المتسارعة التي شهدتها المنطقة خلال الأشهر الأخيرة، مع وصول “ترامب” المعروف بمواقفه الصارمة إلى السلطة، وكذا الدمار الذي لحق بقطاع غزة، وما رافق ذلك من استهداف عدد من القيادات الفلسطينية، ثم استهداف حزب الله في لبنان بضربات قوية، وما تلا ذلك من اغتيال عدد من قادته، بالإضافة إلى العمليات المتتالية التي طالت اليمن، علاوة على التحولات السياسية التي شهدتها سوريا، وما تمخض عن كل ذلك من تراجع ملحوظ للمدّ الإيراني داخل هذه المناطق، فضلًا عن التصعيد العسكري المحدود الذي طبع العلاقات بين البلدين (إسرائيل وإيران) خلال الفترة الأخيرة، كل هذه عوامل ساهمت في إنضاج فكرة استهداف إسرائيل للبرنامج النووي الإيراني عسكريًا، بمختلف منشآته.

ومع تطور الوضع العسكري الميداني، بدا أن المغامرة الإسرائيلية لم تكن محسوبة بدقة، بالنظر إلى حجم الضربات العسكرية التي ردّت بها إيران، واستهدفت عددًا من المنشآت داخل العمق الإسرائيلي، ما دفع هذه الأخيرة إلى مطالبة الولايات المتحدة الأمريكية بالتدخل لحسم المعركة بأقل كلفة وبما يحفظ ماء الوجه.

ورغم التكتّم الذي طبع مسار العمليات العسكرية، بدا أن هناك قدرًا من التوازن في طبيعة الأضرار؛ إذ لم تحقق إسرائيل هدفها الرئيسي المتمثل في تدمير المنشآت النووية الإيرانية بالكامل، أو وقف خطر الضربات الصاروخية الإيرانية التي اخترقت أنظمتها الدفاعية في كثير من الأحيان، بينما لم تستطع إيران، من جانبها، الحيلولة دون استهداف عدد من منشآتها النووية والعسكرية.

وقبيل تنفيذ الولايات المتحدة الأمريكية لهجومها الجوي على ثلاث منشآت نووية (في مناطق فوردو ونطنز وأصفهان) داخل إيران، كان الاعتقاد السائد في الأوساط الإسرائيلية أن هذا الهجوم سيسفر عن تدمير هذه المنشآت بشكل كامل، ما قد يدفع إيران إلى الاستسلام والتوقف عن استهداف العمق الإسرائيلي. غير أن إيران ردّت مؤكدة أنها لن توقف برنامجها النووي، معتبرة أن “التكنولوجيا النووية الإيرانية السلمية لا يمكن تدميرها بأي هجوم”، واستمرت منذ اندلاع المواجهة في استهداف الكيان الإسرائيلي بالصواريخ والطائرات المسيّرة.

وكما بدأت الحرب بمفارقة مفادها أن كلا الطرفين ادّعى أنه يمارس حقه في الدفاع الشرعي بموجب المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة، فقد استمرت على إيقاع المفارقات بعد إعلان الولايات المتحدة الأمريكية عن تدمير شامل للبرنامج النووي الإيراني، في مقابل إصرار إيران على أن برنامجها النووي لم يتضرر، بل اكتسب قدرة على الصمود. كما أن الولايات المتحدة، التي قادت مبادرة وقف إطلاق النار، هي نفسها التي قصفت منشآت نووية في إيران، ونفس الأمر ينطبق على دولة قطر، التي ساهمت بدورها في بلورة هذه الهدنة، لكنها تعرضت لقصف إيراني. وتستمر المفارقات بعد أن احتفى الطرفان (إسرائيل وإيران) بانتصارهما في هذه المواجهة.

إن الأيام القادمة هي الكفيلة بتحديد المنتصر والمنهزم في هذه المواجهة، التي تبيّن خلالها أن كلا الطرفين يملك أوراقًا للضغط على الآخر، فيما انكشفت، مرة أخرى، هشاشة النظام الإقليمي العربي، وتأكد عدم نجاعة المؤسسات الدولية والإقليمية ذات الصلة بإدارة الأزمات وتسوية النزاعات، وعلى رأسها هيئة الأمم المتحدة، التي لم تتحرك بعد بالجدية والفعالية المطلوبتين.

ومن الطبيعي أن تكون لهذه المحطة تبعات وتأثيرات على النظامين الإقليمي والدولي، ما يفرض على الدول العربية إعادة حساباتها باتجاه تجاوز الخلافات، في أفق المساهمة في إرساء نظام إقليمي يضمن مصالحها المختلفة وأمنها الاستراتيجي، وسط كل هذه التحديات والتجاذبات، مع استثمار المتغيرات الجارية لإحياء النقاشات الجدية، إقليميًا ودوليًا، بشأن حلّ الدولتين، بما يضمن الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

8
  • ذئب الغابة
    الجمعة 27 يونيو 2025 - 02:15

    المنتصر من يحقق أهدافه من الحرب. أما الخسائر لا تحدد المنتصر لأن الحرب ليست نزهة. والخسائر منتظرة لدى الأطراف المتحاربة.

  • طاهري
    الجمعة 27 يونيو 2025 - 02:19

    يبدو ان المنتصر هو من يستثمر في تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي والتجسس على مراكز البيانات والتمكن من رصد الحواسيب السحابية cloud computing, بالإضافة إلى اختراق البلد من الداخل والتشويش على الاتصالات والانترنيت والقدرة على امتلاك تكنولوجيا شركات برمجيات عامة متخصصة في تحليلات البيانات الضخمة….واستعمال الروبوت في تنفيذ العمليات….
    هدا كله دون الأدوات الحربية الكلاسيكية من طائرات نفاثة لا تكلفك من المواجهة المباشرة وفقدان الأرواح ….

    نعم ياسادة إنها حروب تقنية خالصة.
    لا ندري ضاهرها من باطنها وان تحدث عنها الإعلام لساعات وساعات….

  • السهلي
    الجمعة 27 يونيو 2025 - 03:11

    ما كتب في نهاية المقال هو عين الصواب ، على الدول العربية خاصة دول الخليج و مصر تكوين جبهة سياسية و عسكرية موحدة تضبط التوازنات الجيوستراتيجية في الشرق الاوسط الجديد ، حاليا هم خارج الحسابات و الغرب يدفع بكل ما اوتي من قوة بجعل اسراىيل القوة الوحيدة المهيمنة على الشرق الاوسط ، الملاحظة الاخرى تبين بوضوح أن اخلاقيات الحرب تم اقبارها و أصبحت المعارك تدار بفضاعة ووحشية لم يسبق لها مثيل في تاريخ الحروب ، هذه الحرب كذلك بينت أن النظام العقائدي الإيراني ليس بذلك الضعف الذي يسوقه الغرب بل يستطيع تعويض خسائره الفادحة في صفوف القيادات بسرعة كبيرة و يأخذ زمان المبادرة في الرد ، كما كان قادر على حشد الجبهة الداخلية في صد عدوان خارجي و هو شيء نادر الحدوث في بلد يعج بالقوميات الاثنية و الطوائف الدينية.

  • رضوان
    الجمعة 27 يونيو 2025 - 07:58

    ما يثير انتباهي واندهاشي هو ان هناك دولا وحكومات ،واعلام والكل لا يفرق بين الانتصار وبين الهزيمة . والحمد لله انتصر العرب في حرب 67 وفي حرب غزة واليوم تعيش ايران ومن يدور في فلكها حلاوة الانتصار في حربها على اسرائيل . !!! جميل كل هذا الا انه لا يمكن ان نتمنى او نطلب من الله ان يديم ويعيد علينا مثل هكذا انتصارات

  • ELMORO
    الجمعة 27 يونيو 2025 - 09:05

    إنه عدوان وإعتداء على إيران
    من طرف دولة الإحثلال
    و أمريكا
    هذفهم إضعاف إيران الجمهورية الإسلامية
    رغم الحصار المفروض عليها
    لكنها لقنتهم درسا تاريخيا

    12 يوم وهم لا ينامون في منازلهم .

    وأبانت للعالم أن القبة الحديدية لا تحمي
    و الإعلام يبالغ في وصفها التسويقي

  • الغماري
    الجمعة 27 يونيو 2025 - 09:11

    اسرائيل كانت ماضية نحو الهزيمة لذلك استنجدت باسرائيل مرتين. الأولى بعد عجزها على القضاء على المفاعلات النووية والثانية عندما راعها الدار غير المسبوق الذي احدثته الصوار يخ الإيرانية وخافت من حرب استنزاف طويلة تتفوق فيها ايران بحكم ترامب أطراف البلد والعدد الديمغرافي للسكان.

  • Krima
    الجمعة 27 يونيو 2025 - 10:18

    لا منتصر ولا منهزم النتيجة هي معانات الشعوب .قتل غير مبرر ارهاب لا داع له .تدمير لمؤسسات كلفت الكثير كان من الممكن تجنبه .خسائر مادية جسيمة كان من الممكن أن توضف لصالح الفقراء والبؤساء.لكن هذا ما تريده إسرائيل ونتنياهو المجرم.

  • Aziz
    الجمعة 27 يونيو 2025 - 11:35

    إسرائيل حققت أهداف الحرب التي حددت مسبقا وتركت لايران ومن معها النصر والنثر والشعر والخطب الرنانة ..فعندهم الدم يغلب السيف

صوت وصورة
جنرال أمريكي: المغرب مصدر للأمن
الأحد 11 أكتوبر 2026 - 16:47

جنرال أمريكي: المغرب مصدر للأمن

صوت وصورة
مبادرة ساكنة لفك العزلة
الأحد 11 أكتوبر 2026 - 15:06

مبادرة ساكنة لفك العزلة

صوت وصورة
تشييع المغربية ضحية الهجوم الحوثي
الأحد 11 أكتوبر 2026 - 10:57

تشييع المغربية ضحية الهجوم الحوثي

صوت وصورة
معرض الطيران يجمع الفرجة والمعرفة
السبت 10 أكتوبر 2026 - 23:30

معرض الطيران يجمع الفرجة والمعرفة

صوت وصورة
مضادات "درون" مصنوعة مغربيا
السبت 10 أكتوبر 2026 - 21:30

مضادات "درون" مصنوعة مغربيا

صوت وصورة
الدار البيضاء تتضامن مع غزة
السبت 10 أكتوبر 2026 - 20:15

الدار البيضاء تتضامن مع غزة