السجون الألمانية تغري ولايات أميركية

السجون الألمانية تغري ولايات أميركية
صورة: أ.ف.ب
الأحد 27 يوليوز 2025 - 00:39

في تحول لافت في مقاربة العدالة الجنائية، بدأت ولايات أميركية من مشارب سياسية متباينة، مثل أوكلاهوما وداكوتا الشمالية وماساتشوستس، في إرسال وفود رسمية إلى ألمانيا للاطلاع على نموذج السجون هناك، حيث تسود فلسفة قائمة على “الكرامة والإصلاح” بدلًا من العقاب الصارم، وفق ما نقلته صحيفة “نيويورك تايمز” في تقرير موسع نُشر يوم 25 يوليوز 2025.

وخلال جولة شملت أربعة سجون ألمانية اطّلع مسؤولون أميركيون على نظام يحاكي الحياة الطبيعية إلى حد بعيد. السجناء هناك يرتدون ملابس مدنية، ويُسمح لهم بطهو طعامهم، والمشاركة في أنشطة رياضية، ومتابعة تعليمهم، بل مغادرة السجن نهارًا للالتحاق بالعمل أو الدراسة. وفي بعض المؤسسات يحتفظ النزلاء بحق التصويت، ويقيمون في غرف فردية أقرب في تصميمها إلى السكن الجامعي منها إلى الزنزانات التقليدية.

ما أثار اهتمام الوفود الأميركية أن هذه الظروف “الإنسانية” لا تعني بالضرورة تراخيًا في الأمن؛ فمعدلات العنف وإعادة الإجرام في السجون الألمانية تظل أدنى بكثير من نظيرتها الأميركية. ورغم صدمة بعض المسؤولين من مشاهد مثل وضع الحراس مفاتيحهم على الأرض أو تمكّن السجناء من فتح نوافذهم، فإنهم لم يستطيعوا إنكار فعالية هذا النموذج.

“نيويورك تايمز” نقلت عن تريشيا إيفرست، وزيرة الأمن العام في أوكلاهوما، قولها إن النظام القائم في الولايات المتحدة “غير مستدام”، مشددة على ضرورة تقليص اللجوء إلى السجن ليقتصر على من يشكلون خطرًا حقيقيًا، مع توسيع نطاق العلاج النفسي وبرامج التأهيل.

وأضافت الصحيفة أن الانفتاح الأميركي على السجون الأوروبية لا يقتصر على التجربة الألمانية، بل سبقتها تجارب مستوحاة من النمط الإسكندنافي، إذ أطلقت ولايات مثل كاليفورنيا وبنسلفانيا مشاريع تجريبية مثل “ليتل سكاندينافيا”، وهي وحدات تقوم على الثقة والانضباط الذاتي داخل المؤسسة السجنية.

ومع ذلك تبقى التحديات كبيرة أمام استنساخ هذه النماذج. فمن جهة، تواجه إدارات السجون الأميركية نقصًا حادًا في الأطقم وبُنى تحتية متهالكة. ومن جهة أخرى، تعيق الثقافة العقابية الصارمة أي تحول جوهري. وكما لاحظ التقرير فإن تحسين ظروف الاحتجاز لا يحظى بتأييد سياسي واسع، حتى في الولايات ذات الميول الإصلاحية.

وتشير “نيويورك تايمز” إلى أن فكرة تنظيم زيارات ميدانية لمسؤولي السجون الأميركيين تعود إلى أكثر من عقد، بمبادرة من المحامي والحقوقي دون سبيكتر، الذي خصص جزءًا من مكافآته القضائية لتمويل رحلات إلى ألمانيا والدول الإسكندنافية. وأسهمت هذه الجولات في إطلاق إصلاحات ملموسة في بعض الولايات، من أبرزها إنشاء وحدات تأهيلية للشباب تقوم على الحوار وتقاسم المسؤولية بين النزلاء.

لكن الصحيفة لفتت إلى أن صعوبة تبني النموذج الألماني لا تقتصر على الجانب الهيكلي أو المالي، بل تمتد إلى الفلسفة القانونية ذاتها. ففي حين تعتبر ألمانيا أن “الحرمان من الحرية هو العقوبة بحد ذاتها”، لا تزال الرؤية القانونية الأميركية تربط العقوبة بمزيد من القسوة والتجريد من الكرامة.

وترى الصحيفة أن التجربة الألمانية، رغم اختلاف السياقات، تظل مصدر إلهام محتمل، لكنها تطرح في الآن ذاته تساؤلات جوهرية حول مدى استعداد الولايات المتحدة لإعادة تعريف مفهوم العقوبة، ليس فقط في ممارستها، بل في بنيتها الفلسفية العميقة.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

5
  • الوجدي
    الأحد 27 يوليوز 2025 - 00:48

    اضن كان عليهم ان يأتوا إلى سجن عكاشة او حتى لعرجات فهي سجون نموذجية ويمكن للأمريكان الاستفادة من التجربة المغربية في هذا المجال

    سجون نموذجية بامتياز

  • راي
    الأحد 27 يوليوز 2025 - 01:03

    اقترح ان يقضي السجناء المغاربة مدة العقوبة الحبسية في سجون المانيا و التعلم من التجربة الالمانيه في السجون

  • متابع هسبريسي
    الأحد 27 يوليوز 2025 - 01:17

    طبعا النموذج الآروبي وخاصة النموذج الألماني لن ينجح في أمريكا لان أمريكا بلد عملاق وعدد سكانه كبير جدا مقارنة مع ألمانيا وفوق هذا أمريكا تأسست على الدم والأجرام ، الآمن يفرض بالقوة في أمريكا ونوع المساجين خطير وليس مثل ألمانيا ، لهذا من السبع المستحيلات أن تعتمد أي ولاية النموذج الألماني ، كذلك التكاليف تكون باهضة وهذا مشكل أخر لا يسمح بتطبيق هذا النموذج

  • سعيد
    الأحد 27 يوليوز 2025 - 01:17

    أسوأ عقوبة هو أن يكون كل شيء متوفر لك داخل السجن بما في ذلك غرفة خاصة فيها سرير ومكتب وخزانة ملابس والتعليم والتطبيب وصالة رياضية وحمام معزول عن الغرفة للمزيد من النظافة والطهارة وطعام جيد مثل بطاطا مهروسة بمرق اللحم وقطعة لحم ستيك مقلي في مزيج الزبدة وزيت الزيتون وعصير برتقال ولكن محروم من الحرية العقاب يكون مضاعف وأما الحشر في زنزانة مع المنحرفين والمجرمين تفتقد فيها الحد الأدنى من النظافة والمرحاض عبارة عن ثقب في الأرض والأكل عبارة عن قطنيات وشوربة بدون طعم ولارائحة وخبز يابس فذلك هو العذاب الشديد الأليم بعينه ممكن تسميه جهنم لكن فوق الأرض حيث يجتمع الحرمان من الحرية مع الحرمان من أبسط شروط العيش الكريم والمعاملة الإنسانية مع العذاب

  • benha
    الأحد 27 يوليوز 2025 - 10:38

    قبل السجن يجب اولا الاعتناءبالتنشءةالراقية ، وبكرامة الانسان وحقوقه ، بكيفية يشعر فيها الفرد بانه مواطن حقيقي له وزن وقيمة ، ويشعر بالاهتمام اينما حل و ارتحل ، اذ ذاك يمكن ، كلما اخطا ، ان نعامله بالشكل المعمول به في هذا البلد الراقي و المتحضر ، اما ان نحلم بتطبيق هذا النمودج في بلد لازال يعاني من التخلف والجهل و من غياب كرامة الانسان و من الحقوق و العدل و ما الى ذلك ، فهذا يعتبر من المستحيلات ، فالمواطن في مثل هذه البلاد، خصوصا العادي والبسيط ، لا يعتبر مواطنا له كرامته و قيمته ، بل لازالت تهضمه كرامته اينما وجد في الادارات والمؤسسات و في كل مكان ، مادام ليس له نفود وليست له سلطة و مال وجاه ، اما اذا كان له شيء من هذا فيقام له ويقعد ، وهذا ما يجعل الفرد يتميز بالوحشية تبعا لما يتلقاه من معاملة سيءة ، فتكون ردة فعله هي العنف والشراسة و فقدان الثقة في الجميع ، فالبشر سواسية ولكن والتنشءة تختلف ، وهي التي تخلق اما بشرا وديعا يتعامل باللين وبالشكل المذكور في المقال ، واما شرسا متوحشا لا ينفع معه الا الطرق المعهودة في البلدان ناقصة التحضر ، فلنبدا من البدايات لنحصد النتاءج المرجوة.

صوت وصورة
لوكهيد مارتن بمعرض مراكش
الأحد 11 أكتوبر 2026 - 20:51

لوكهيد مارتن بمعرض مراكش

صوت وصورة
السيول تجتاح طرق أسني بالحوز
الأحد 11 أكتوبر 2026 - 19:49 3

السيول تجتاح طرق أسني بالحوز

صوت وصورة
جنرال أمريكي: المغرب مصدر للأمن
الأحد 11 أكتوبر 2026 - 16:47 2

جنرال أمريكي: المغرب مصدر للأمن

صوت وصورة
مبادرة ساكنة لفك العزلة
الأحد 11 أكتوبر 2026 - 15:06 9

مبادرة ساكنة لفك العزلة

صوت وصورة
تشييع المغربية ضحية الهجوم الحوثي
الأحد 11 أكتوبر 2026 - 10:57 2

تشييع المغربية ضحية الهجوم الحوثي

صوت وصورة
معرض الطيران يجمع الفرجة والمعرفة
السبت 10 أكتوبر 2026 - 23:30

معرض الطيران يجمع الفرجة والمعرفة