حضرات السيدات والسادة،
لابد في البداية من كلمة شكر لجمعية “سلا المستقبل” لدعوتها لي للمشاركة في نشاط مهرجان “سلوان”، بالحديث عن عطاء مبدع شق طريقًا جديدًا في الكتابة الروائية، باستحضار عوالم شخصيات فلسفية كان لها دور في التاريخ العربي الإسلامي، رغبةً في العودة إلى النبع وتصحيح المسار بالاستفادة من كتابات رواد الفلسفة والفكر والأدب في عصور زاهية.
نلتقي اليوم في إطار اليوم العالمي للكتاب للحديث عن التجربة الروائية للأستاذ الباحث عبد الإله بنعرفة، من خلال تقديم عمل روائي متميز هو روايته: “جبل قــاف”.
الأستاذ عبد الإله بنعرفة روائي ذو أنفاس بعيدة في جلو الصدإ عن المتصوفة المسلمين، وعن علاقة الفلسفة بالتصوف الإسلامي وغير ذلك. فهو مبدع فكرًا ولغةً. أذكر من بين رواياته:
“جبل قاف”، ومحورها حياة الصوفي محيي الدين ابن عربي (560هـ – 680هـ)، الصادرة سنة 2002.
“بحر نون”، الصادرة سنة 2007، ومحورها النفس البشرية وأسرار الوجود بالغوص في الحضارة الأطلسية، أعظم الحضارات التي عرفتها البشرية، مستلهماً إشراقات الروح وأسرار الوجود.
“بلاد صاد”، الصادرة سنة 2009، وتدور أحداثها حول الشاعر المتصوف أبي الحسن الششتري (610هـ – 668هـ).
“الحواميم”، الصادرة سنة 2010، وهي سفر في الذاكرة المنكسرة، تحكي قصة طرد المسلمين من الأندلس سنة 1492، واضطهاد البقية منهم الذين أطلق عليهم لقب “المورسكيين”، وما عانوه من تنكيل وتفتيش وتضييق في فترات حكم ظالمة (1603 – 1614)، مفصِّلاً الحديث عن الجرائم التي ارتكبت ضد المسلمين واليهود، مع ما يطرحه المؤلف من اقتراحات تدعو إلى تقديم الاعتذار لهذه الفئة المضطهدة من الشعب العربي. كما تحكي الرواية -موازاةً لذلك- قصة حب مستحيل بين طريدين من أبناء المورسكيين في سفينة جهادية.
يتحف الأستاذ بنعرفة القارئ كل سنة برواية، فيصدر سنة 2011 رواية “طواسين الغزالي”، وتزامن صدورها مع مرور تسعمائة سنة على وفاته. تحكي الرواية سيرة هذا العالم الفذ الكبير (450هـ – 505هـ)، وما عاشه من أحداث ومواقف فكرية وفلسفية، ليزهد أخيرًا في الحياة ويعانق حياة روحية تهدئ من روعه وغليانه. أما آخر إصدار لهذا المبدع فهو روايته “ابن الخطيب في روضة طه” سنة 2012، تخليدًا للذكرى السبعمائة لولادته (713هـ – 776هـ)، داعيًا إلى الاحتفاء بهذا العلم الكبير والشخصية المتعددة الأبعاد، صاحب الإشارات والإفادات في التاريخين الأندلسي والمغربي.
يرى الأستاذ بنعرفة أن مشروعه الروائي يسعى إلى:
“تأسيس رواية عرفانية تحمل لواء الثورة على السائد من الكتابات الوافدة أو المقلدة، الهزيلة في مبناها ومعناها، من أجل إبداع أدب كوني جديد في حاضرنا الأدبي. كما يتغيى الكتابة بالنور من حيث مصدره، وشخصياتُ رواياته -كما يؤكد- مثالاتٍ علويةً ونماذجَ كماليةً” *(ابن الخطيب في روضة طه، ص 10-12).*
ولعل ما أثاره -ويُثيره باستمرار- واقعُ الكتابة عندنا، والتهمُّم بالآخر تقليدًا واتباعًا، مع ما تعانيه تلك الكتابات من ضعف وابتذال، هو ما دعاه إلى سلوك هذا النوع من الكتابة، إثباتًا لوجود عطاء أدبي وتحقيقًا لذات مبدعة مبرِّزة.
كما أن المؤلف -فيما يبدو- يهدف من خلال رواياته إلى إحياء حيوات متصوفة كان لهم حضور فاعل في تاريخ المسلمين وفي تاريخ التصوف الإسلامي. كما يدعو من خلال رواياته إلى وقفات تدبُّر وتأمل في هذه الحيوات. واستحضارُها -دون شك- يهدِّئ من الغليان الذي يعيشه المتعلمُ بحثًا عن الحقيقة الإلهية. ويرى المؤلف أن أدبه يدخل في إطار الأدب الوجودي، وأن رواياته تحفّــز القارئ على السؤال عن ذاته.
وفي حوار معه، يرى بأن:
“التصوف يقوم على الذكر، وأن التفلسف يقوم على الفكر، وفي كل واحد منهما جزء من الآخر. ومن ثم قيل: إن التصوف الفلسفي والفلسفة الصوفية… فالتصوف علم وذوق وكشف، والفلسفة محبة الحكمة، وعلم التحقيق هو الحكمة المطلوبة باعتباره خلاصةَ كل علم، بما فيها الفلسفةُ والتصوف”.
يعتمد الروائي الأستاذ بنعرفة على الحروف القرآنية المفاتيح للسور القرآنية، حروفًا مفردةً حينا ومركبةً حينا آخر. فعناوين رواياته: “جبل قاف”، “بلاد صاد”، “بحر نون”، “الحواميم”، “طواسين الغزالي”، “ابن الخطيب في روضة طه”. ويجد لذة في تحليل مفاهيم هذه الحروف وفك مشابكها وتوضيح دلالاتها بناءً على تصور منطقي هادف، بل قد يتعدى ذلك إلى ربط ذلك بالأعداد وبحساب الجمّل، كما ورد في روايته “جبل قاف” وغيرها. فيذكر أن كتاب ابن عربي “مشاهد الأسرار القدسية ومطالع الأنوار الإلهية” يتكون من:
“أربعةَ عشر مشهدًا، وهو معراجٌ روحي عبر منازل فواتح السور الأربع عشرة النورانية”، مفتـتحُها الأحرف النورانية المفردة أو المقطعة: (ألم، ألر، ألمص، ألمر، طه، يس، طسم، طس، حم، ن، ق، ص، حم عسق، كهيعص). (ص 195).
رواية “جبل قاف”:
ذكر محيي الدين ابن عربي في “الفتوحات المكية” أن: “جبل قاف جبل عظيم طوّق الله به الأرض، وطوّق هذا الجبل بحية عظيمة قد جمع الله رأسها إلى ذنبها بعد استدارتها بهذا الجبل”.
وفي رواية “قاف” يقول: “والخلوة العظمى هي خلوة جبل قاف، الذي هو محيط بالأرض، ولا يصل له إلا كبار الصالحين لحضرة الحق تعالى”. (ص 99).
والجبل -كما يبدو- هو جبل المعرفة.
وقاف ورد ذكره في القرآن الكريم، فهو اسم السورة المكية الخمسين، ومفتـتحها:
﴿قٓ وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ﴾.
ونقل عن سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم أنه قال:
“إن أعلى قمة في الأرض هي جبل قاف”.
لقد حلتْ روح الشيخ ابن العربي في رواية “جبل قاف” في الكاتب. يقول في مفتتح الرواية / إلى روح محيي الدين بن عربي:
“الذي سقاني من رحيق محبوبيته، وألبسني خلعة سيادته، فلهجت بما هنالك بما أعارني من بنات كشفه، فلست سوى اللسان والترجمان”.
فماذا عن هذه الرواية؟
سبق لي أن قرأت الرواية عند صدورها سنة 2003، لكنها كانت قراءة عاشقة، استغرقــتـني أحداثها ومواقف بطلها وخلواته في المقابـر، وأرهـبتي دهاليز خزانتها ودواليبها اللولبية، وأغرتني شجاعة المؤلف في تتبع مراحل حياة ابن عربي / السارد، واستغراؤه أحيانًا في التلذذ بلحظات غيـبية عاشها في وطنه أو في سفرياته، فانكشف له ما استغلق على غيره من الأمور الغيبية والمشاهد الربانية.
وبعد أن طلب مني الأستاذ بنعرفة تقديم قراءة لإحدى رواياته في هذه الجلسة التي تكرمه فيها جمعية “سلا المستقبل” مشكورةً -باعتباره ابنا للمدينة العريقة سلا، وروائيًا قديرًا يغرف من بحر، ويستلهم محاور رواياته من التراث العربي الإسلامي ومن حيوات رجال متصوفة أثّــرَوا في مسار حياته- عدت إلى الرواية (“جبل قاف”) لأعيد القراءة، بل إلى النظر في رواياته الأخرى. لكن ما حفزني أكثر لإعادة القراءة -بروية أكثر وبتـفحص أعمق- هو العرض الرائع للحظات بهية، بل لحظات تسطع فيها أنوار إلهية يسرها الله تعالى للسارد محيي الدين ابن عربي، ليكشف عن حقائق لا يستطيع الإنسان العادي أن يصل إليها، وسخر لذلك قلم عبد الإله بنعرفة ليقدمها لنا في قالب روائي ممتع.
تحكي الرواية (“جبل قاف”) سيرةَ محيي الدين ابن عربي بلسانه (558هـ – 638هـ)، فهو الراوي، من الولادة إلى الهجرة من مرسية (مسقط رأسه) إلى إشبيلية زمن الموحدين، إلى أن وافته المنية بمدينة دمشق. ومنذ البداية، سيكون لابن عربي مسار نوراني، فقد حلَّتْ بركة سورة ياسين بالطفل المريض الذي أصيب بالوباء سنة 571. يقول عبد الإله بنعرفة على لسان ابن عربي:
“ذكر لي أحد أشياخي أن من ذكر الآية التي في سورة ياسين -والتي هي قلب السورة، كما أن يس قلب القرآن- وهي: ﴿سَلَامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ﴾ مائتين وثمانين مرة أيام الطاعون، سلم منه. ولا شك في أن علاجي كان ببركة هذه السورة وتلك الآية”.
(ص 70).
(ولعل قراءة سورة يس عند المرض أو عند الوفاة ما يؤكد قولة ابن عربي).
حياة ابن عربي ملأى بالأحداث، تنبئ عن ميلاد العالم الصوفي الذي ستشغل كتاباته فيما بعد المفكرين والفلاسفة والمفسرين والشعراء وغيرهم. أسئلة السارد (ابن عربي) لا تفتأ تستثير إسحاق اليهودي وهو يحكي أخبار رحلة قريبه إلى فرنسا وغيرها، ليوضح الأسباب التي دعت الأعاجم إلى الاهتمام بدراسة كتب ابن رشد، وأهمها:
“التوفيق بين مقتضيات النظر وعقيدتهم النصرانية”.
(ص 87).
ابن العربي الفتى اليافع، ذو الحدس الثاقب، أكد لرفقائه ما للسياحة من فوائد، بها:
“يزداد المرء علما ومعرفة… فحريٌّ بنا -نحن أيضًا- أن نرحل في طلب العلم ونحن أحداث، نقوى على السفر”.
(ص 88).
الخلوة وطلب العلم بابان ولجهما الفتى: الإقبالُ على العلوم الشرعية والعلوم اللغوية، والخلوةُ في المقابر حيث ينتشي بالذكر والصلاة، فيرعى في مروج العلوم ويتفيأ ظلال المعارف. أما الرحلة فكانت مبتغاه ومطلبه، يقول:
“لن يهنأ لي بال حتى أيمم شطر الشرق، أؤدي الفريضة، وأجاور ببلد الله الحرام، وأروي العلم، وأشهد بعيني أرضًا وطئها الأسلاف”.
(ص 89).
لم يكن المؤلف روائيًا محترفًا فقط، ولكن كان متصوفًا عارفًا يشدهك بما يعيشه في أعماقه. إذ على الرغم من مصاحبته لسيرة المتصوفة الأعلام كابن عربي والغزالي، فهو ينفذ إلى القارئ من خلال الحديث عن أجواء المتصوف الروحي:
“الذي يرى ببصيرته ما لا يراه ببصره”،
مؤكدًا مقولة ابن عربي:
“إن المرء حين يوجه نظره إلى داخله، ينقدح فيه نور من عالم السر، فينير له الطريق، بشرط أن تكون مادة سيرته دوام الذكر مع الأنفاس”.
(ص 94).
وهذا ما قد نلمسه في حياة المؤلف، فحلقات الذكر باستمرار، وما تنفثه فيه تلكم الأذكار من لذة روحية لا يعرفها إلا من يعيشها، كالفرح والحزن لا يمكن وصفهما، لكن يعرفهما من يعيش الحالتين.
يستمرئ المؤلف ظلال صاحب السيرة محيي الدين ابن عربي في روايته الممتعة، والمستمتع بالأذكار في روحانيتها. وسنجد السيد ابن عرفة يعيش “توقيعات الأنفاس” مع السارد البطل وهو يحكي مسار حياته بدقة وروعة، مشيرًا إلى ما كان يخالجه من أحاسيس وهو منقطع عن عالمه المادي إلى عالمه الروحي، محققًا وصية شيخه بإشبيلية -وهو بعد غض الشباب- عندما قال له:
“يا ولدي، سُدَّ الباب واقطع الأسباب وجالس الوهاب، يكلمك من غير حساب”.
(ص 97).
ويضيف قائلاً:
“فعملت بهذه النصيحة، فرأيت بركتها في خلوتي بجبل قاف”.
(ص 97).
وسـَدُّ الباب -كما فسره- هو الخلوة:
“والخلوة العظمى هي خلوة جبل قاف، الذي هو محيط بالأرض، ولا يصل له إلا كبار الصالحين لحضرة الحق تعالى”.
(ص 99).
فيـتـم الفتح والكشف والمشاهدة.
يتابع المؤلف مراحل حياة السارد / بطل الرواية ابن عربي الذي سيعمل كاتبًا في البلاط، منبها إلى أن:
“أعظم منقبة يجب أن يتحلى بها الكاتب هو أن يكون كاتمًا للأسرار، ناصحًا للأبرار، عفيفًا نزيها سمحًا”.
(ص 102).
مهمة صعبة وُفِّـق الروائي في تبيان محاسنها ومساوئها، حيث يكون الكاتب عرضةً لكيد الكائدين. وصحبةُ السلطان كراكب البحر، لما في ذلك من الخطر. وأستحضر هنا قولاً مفاده:
“صاحب السلطان كراكب البحر، إن سلم من الغرق لم يسلم من الفرق”.
ذاكرة المؤلف غنية بالمعلومات التاريخية والأدبية، فقد كانت أنخاب كؤوسه العلمية تتلألأ من وهج كتابات ابن عربي، الذي نـبّه وهو يسرد سيرته إلى ما يجب أن يكون عليه كاتب السلطان علماً وخلقًا، خوفًا من نَفاق سوقه:
“فللحكم سطوات، وللملك شطحات”.
(ص 103).
وتبدو ملامح القلقشندي في مؤلفه الضخم “صبح الأعشى” واضحة، خاصة ما يحتاج إليه الكاتب من أدوات تساعده في الكتابة، ومنها الدواة والمداد والورق:
“فقلم الكاتب سيفُه، به يدافع وينافح”.
(ص 104).
لقد ارتوى سلطان العارفين من معارف شتى وعلوم كثيرة مما ضمته الخزانة الملكية، كما استفاد من علماء وحكماء عصره، منهم أبو بكر ابن عربي (ت 543هـ)، وابن رشد (ت 595هـ)، وأبي مدين (ت 594هـ)، وابن جبير (ت 614هـ)، وغيرهم.
مشاهدات ابن عربي في الخزانة العلمية العجيبة، وهو يتصفح كتبها، كشفت له عن أسرار سيعيشها، انطلاقًا من نداء خفيٍّ بأن:
“سيكونُ له شأنٌ عظيم”.
(ص 139).
ما استفادته ابن عربي في هذه الخزانة:
“أن العلم الشريف -أي علم الحروف وأسرارها- كـلُّـها قرآنية، ولا يصل القطب إلى مرتبة القطبية أو الفرد إلى مرتبته حتى يعلما أسرار هذه الحروف المقطعة التي افتتحت بها بعض سور القرآن”.
(ص 141).
مؤكدًا دعوة الخالق تعالى إلى طلب العلم:
﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾.
(ص 141).
انبهر الطالب الشاب بالخزانة القرآنية ومحتوياتها، ومفاتحها اللولبية وأسرارها الإلهية، ومن ثم دخل في عالم الروح ليعُبَّ منها ما سيزوَّدُ به مستقبلاً، في حياته ومؤلفاته. غايتُه هو بحر القرآن المشتملُ على المعرفة الإلهية، إذ كانت الخلوة والأذكار مطمعه، وقد أفادتاه حكمًا كثيرة، منها قوله تعالى:
﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ﴾
(الذاريات: 50).
“فيفرَّ إلى الله من اسم إلهي إلى آخر، من القهار إلى الرحيم، من الجبار إلى الغفور، وهكذا. ففي عهدة أسمائه يتنسّم عَرْفَ روائحها وطيبَ نشرها”.
(ص 156).
ففي القرآن تحقيقُ الوجود الأزلي، والتجردُ من أصباغ المدارك وألوان المعلومات حسيةً وعقليةً وخياليةً.
يجهد المؤلف في عرض فلسفة ابن عربي في الوجود والموجودات بطريقة مغرية للـتـتـبع والفهم، وسيلته حوارات يجريها على لسان السارد (أي البطل ابن عربي) مع بدر الحبشي مولاه (ص 160)، وسيلته الآيات القرآنية:
﴿خَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ﴾،
و ﴿وَاللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾.
وتتناسل الأسئلة حول التوحيد وفلسفة الإشراق، ومقتل شيخ الإشراق السهروردي لاتهامه بالزندقة سنة 587هـ، وحول الصراع العقدي والفلسفي الذي كان يعم البلاد الإسلامية، وحول مفاهيم فلسفية قد يصعب فهمُها، كأهل الأسرار وأهل الأنوار، ونورِ الأنوار؛ وهي الذاتُ الإلهية التي تبهر الأبصار بنورانيتها، فهي مصدرُ الوجود.
كثيرة هي الجزئيات التي يقف عندها المؤلف، والسارد يروي مراحل السفر، فيقف في رحلته إلى المغرب بفاس ويقول:
“وفي فاس وضعتُ الأساس لسفر الأرواح، بعدما خلعتُ قشرةَ الأشباح”.
(ص 212).
“وفي فاس كنا نشتغل بالعلم وقراءة القرآن ليلاً ونهارًا، فكانت من أحلى الأيام وأبهجها مع رفقـة صالـحة مأمونة”.
(ص 214).
“وفيها فتح الله عليّ بأمور كثيرة”.
(ص 207).
ويخص مدينة سلا بحديث جميل، لما لها من أمجاد وعطاء، فهي:
“مدينة الكمال المحمدي”.
(ص 221).
ويضيف:
“مدينة صغيرة الحجم، كبيرة الشأن، معروفة بالولاية والعلم، يقصدها الزهاد والصالحون”.
وسيلتقي بأحد صلحائها عبد الحليم الغماد. وتستأثر مراكش بعد الوصول إليها باهتمامه، فيستغرقه الحديث عن وليِّها أبي العباس السبتي (ت 600هـ)، وعن كرمه وجوده، مستحضرًا نعتَ ابن رشد لقاعدته:
“بأن الوجود ينفعل بالجود”.
(ص 225).
كما سيحضر مع ابن جبير وابن السراج الناسخ وفاة ابن رشد، ويشهد نقل رفاته إلى قرطبة، ويزور ضريح ابن برَّجان (ت 536هـ). ويذكرني هذا العلم المتصوف بآخر ندوة شارك فيها الأستاذ محمد زنيبر -رحمه الله- أقيمت حوله بمدفنه مدينة مراكش سنة 1993.
وهكذا لا ينفك يحكي عن مراحل سفره وعن لقاءاته بالصلحاء على طول الشمال الإفريقي: تلمسان، بجاية، تونس، الإسكندرية، القاهرة، فبيت المقدس، فبغداد، واصفًا كل مدينة بما ترسخ في ذاكرته وما تحمله من حمولات دينية وغيرها، يقول:
“كانت سياحاتي حبلى بالمعارف والمشاهد والأنوار والأسرار، فكان عليّ أن أضع محمول هذه المعارف عني وأخرج بها إلى الناس. هكذا بدأتْ قصتي مع الكتابة”.
(ص 194).
ويضيف قائلاً:
“إن الله قد اختارني لوظيفة أسمى مما رتَّـبه والدي أو الخليفة المنصور الموحدي، فمن كاتب في ديوان الموحدين إلى كاتب لعلوم النبوة وخاتم للولاية المحمدية”.
(ص 221).
ويعجب المؤلف بالحوار دائما بين ابن عربي ومولاه بدر في المسائل الفلسفية أو التعبدية، كحديث الموائد الوارد ذكرها في القرآن، مبينًا ما ورد في سنن الدرامي (181هـ – 255هـ):
“إن هذا القرآن مأدبة الله، فخذوا منه ما استطعتم. إن هذا القرآن مأدبة الله، فمن دخل فيه فهو آمن”.
(ص 243).
أما الرحلة إلى طيبة فكانت سنة 598هـ، وفيها يعيش ابن عربي ساعات التأمل، مستعرضًا مزاراته للمسجد والصلاة في الروضة الشريفة، والأماكن التي كان يتخلف إليها الرسول لاستقبال الوفود وغيرهم، مشيرًا إلى وقائع وأحداث رواها له أبناء المدينة حول مكايد الكفار للإساءة إلى القبر النبوي الشريف *(ص 257-259)*. وبقرب موعد الحج، سيأخذ العدة للرحيل إلى مكة، فيطوف بالبيت العتيق، وتتجلى له الحقيقة بلقاء الفتى المتكلم الصامت الذي سيكون له شأن معه في الطواف، حيث:
“وقفت على أسراره، ونظرت إليه بنور قمره، فأراني الحقُّ من اللطائف مما لا يراه الطائفون”.
(ص 261).
ومن خلال حوار لحمته أسرارُ الكون وسداه حروفُ وسور قرآنية، يبادر بدر (المولى الحبشي الذي لم يفارقه قط) بالسؤال عن هذا الفتى النوراني، فيجيب:
“إن ذلك الفتى الصامت هو روح القرآن العظيم… وجميع العلوم التي اقتنصتها منه فائضة من القرآن بالإمداد الرباني الموحدي”.
(ص 263).
ويضيف قائلاً:
“وذلك الفتى هو رمز للقول الإلهي المكون من أشباح وأرواح، وهو الإنسان الكامل”.
ولعل ما يستوقف القارئ الوصف الدقيق لمراسيم خطبة السارد الذي لم يخف إعجابه بالفتاة، يقول:
“كانت بادية الجمال، عالية السمت، حسنة الصفات، مليحة النعوت، يغلب عليها الحياء”.
(ص 168).
ولعل المؤلف يتواطأ معنا ليحدثنا عن العلماء أصحاب الخلوات باعتبارهم بشرًا، يقول على لسان السارد:
“تباطأت في احتساء كأس الحليب، أختلس بعض النظرات إليها، وقـوس حاجبها يرميني بسهام من كنانتها… ثم تناولتُ رُطَبا من يدها (التمر)، فلامستْ يدي أطراف أناملها”.
وينجح المؤلف في إعمال خياله بشكل مثير ليصف أدق الجزئيات، وينتشي بما صنعه خياله من أوصاف، سواء تعلق الأمر بإقبال السارد على خطيبته مريم وتبديد ما كان في نفسه من النساء، أو باحتفال الأسرتين بالزواج وما شاب ذلك من موسيقى وأنغام في أحسن صورة وأبهى شكل، في لغة متدفقة منسابة.
ولعلي فوجئت بالأستاذ بنعرفة وبباعه الطويل في تصيُّد اللحظات: لحظات العشق والغرام والهيام، ليتحدث بما يجود به الخاطر عنها، فينطق بأحسن بيان وأبلغ تعبير، ليس فقط في لحظات لقاء ابن عربي وخطيبته مريم، ولكن أيضًا كما جاء في وصفه للحظات عشق وحب بين ابن الخطيب وقرينته أمل ابنة أستاذه الوزير والكاتب ابن الجياب (ابن الخطيب في روضة طه، ص 75).
وتغيب الزوجة في هذا السفر الطويل ولا نجد لها ذكرًا، إلى أن يفاجئنا المؤلف بإعجاب السارد ابن عربي بابنة أحد شيوخ مكة “نظام”:
“التي حلت في الفؤاد فأضحى بألف واد، أحببتها منذ رأيتها”.
(ص 265).
ويسهب في الوصف، فهي:
“جنة عالية قطوفها دانية، رأيتها أول مرة وأنا في الطواف، وكان الوقت ليلًا”.
(وهنا أذكر قصة عمر بن أبي ربيعة مع صويحباته في الطواف). لكن هذه الغادة الهيفاء -كما ذكر في مقدمة ديوانه الشعري “ترجمان الأشواق”- لم تكن إلا روح الكعبة النهداء الشماء المكسوة بسواد السيادة، كانت:
“عينَ الكمال في المرآة، وكلمةَ الحضرة في الصورة الوجودية”.
وقد نقل المؤلف الصورة بأمانة (ص 268). ولعل مقام ابن عربي بمكة المكرمة أثار انتباه أمير الحرمين الذي رغب في تزويجه ابنته، وكان حلقةُ الوصل مجدَ الدين الرومي صديقه بعد أن رأى تعلقه بنظام التي شغـفته حبًا، فأشار عليه بابنة الأمير مع استقدام زوجه الأولى من المغرب، وتهييء سكن لائق لهما بالشام. وكان هذا الاقتراح بردا وسلامًا عليه، ليتم الزواج وينعم بولادة ابن سماه محمدًا *(ص 274-276)*. وسيحظى مرة أخرى بالزواج بالسيدة خاتون زوج صديقه مجد الدين الذي أوصاه إن وافته المنية أن يتزوجها ويرعى ابنه صدر الدين الذي أصبح من أخص تلامذته فيما بعد.
واستحضارًا لبقية أحداث الرواية، سيحكي السارد قصة كتابة مؤلفاته ودواعيها في بلاد الحجاز: “الفتوحات المكية”، و”حلية الأبدال”، و”تاج الرسائل” وهي محاورات:
“جرت لنا مع الكعبة المشرفة”.
(ص 271).
مشيرًا إلى أنه انتقل في هذه المرحلة من حياة البطون والتعليم إلى حياة الظهور والتبليغ، من حياة أسرار إلى حياة أنوار (ص 274).
“جبل قاف” سيرة ذاتية لابن عربي من خلال كتاباته حينا، وبقلم المؤلف حينا آخر. لم يشغل ابن عربي نفسه بشيء غيرَ العلم والدرس والتأليف، وقد اطمأن إلى مقام أسرته بالشام وإلى العلاقة الطيبة بين زوجتيه الإشبيلية مريم والمكية فاطمة، بل لقد أصبحتا متواطئتين على الخير والبر والإحسان (ص 293). وأكثرَ من ذلك، سيسعد بالزوجة الثالثة خاتون الرومية، يقول:
“كانت نسائي الثلاث من خيرة النساء جاها وعلما وتقوى ونسبا”.
(ص 303).
وباستقراره بالشام:
“مدينة العَشَرة الكاملة، جنة المشرق ومطلع حسنه” -كما يذكر ابن جبير- (ص 323)، أقبل ابن عربي على “الكتابة والتعليم” (ص 359). ولعل أكثر المباحث القافية نورانية ما جاء في “القاف على جبل قاف” (ص 358). كان الأمر النبوي -كما ذكر- مَبْشَرَةً في رؤيا سنة 627هـ:
“هذا كتاب فصوص الحكم، خذه واخرج به إلى الناس ينتفعون به. فقلت: السمع والطاعة لله ولرسوله وأولي الأمر منا كما أمرنا”.
(ص 360).
وكانت الرحلة المتخيلة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في خزانة جبل قاف منتهى تلبُّس المقامات الإلهية، والإشراقات القرآنية:
“جبل قاف هو جبل القرآن على جبل قاسيون، على جبلة القلب، على جبل القلب المحمدي الذي تفرقت منه كل الرحمات”.
(ص 362).
“وهذا كتاب الفصوص: اخرج به إلى الناس. ثم ناولني ذلك الكتاب وغاب عني”.
(ص 362).
ويُفيق من هذه المَبْشَرَة ليرى بأن:
“لا وصول إلى الجلوة الإيمانية إلا بالخلوة الصمدية على جبل قاف، وبعدها يحصل للعبد الوسع الإلهي”.
(ص 363).
وموضوع كتاب “فصوص الحكم”: الأسرار الإلهية، والحقائق الوجودية الثلاث: الله، الكون، الإنسان. وبعد ذلك بسنوات، أتم كتابة مؤلفه “الفتوحات المكية”، والتقى بعدد من العلماء، ومنهم القزويني (ت 682هـ) والحرالي المراكشي (ت 638هـ) (ص 366)، مذكرًا بالأحداث التي عرفتها البلدان الإسلامية في المشرق والأندلس، إذ المسلمون في لهو عما يتهددهم من المخاطر والأحداث.
ويختم المؤلف روايته النورانية بفصل سماه “قاف ما قبل البرزخ” (ص 369)، وهي مرحلة الختم، فيذكر السارد ما أهمه في مراحل حياته الأخيرة:
“فجمعت أشعاري في ديوان سميته “ديوان المعارف الإلهية”، وهو “ترجمان الأشواق”، وأكملت التحرير الثاني لكتاب “الفتوحات الإلهية”، وكل ما فيه فتح من الله، فهو كتاب كشف ووهب، وليس للأفكار فيه سيل”.
(ص 370).
كما كان يجلس إلى أهله ليعوضهم عما سلف من طول الغيبة عنهم وكثرة السياحة.
وجاءت لحظة الموت، وهي:
“الانتقال إلى الدار الأخرى، إلى البرزخ الذي هو قاعة الانتظار الكبرى حتى قيام الساعة يوم هم بارزون”.
(ص 372).
وكان خلالها مطمئنا إلى أعماله:
“فقد نافحنا عن الحق حيث كان من غير غلو، بل بالرفق بالخلائق والرحمة بأدناهم والنصح لأعلاهم”.
وصيته تبليغ المعارف إلى الإنسان، كل إنسان حيث كان. وكانت وفاته سنة 638هـ، ودفن في سفح جبل قاسيون / بالصالحية، ومدفنه مزارة عظمى يؤمها الناس في كل وقت.
ولا ينسى المؤلف بنعرفة -وهو يروي قصة حياة ابن عربي- الحديثَ عن واقع القراءة والكتاب في البلاد اليوم، في إشارات ذكية إلى ما رواه على لسان ابن عربي:
“فالمرءُ يستر عورتَه العلميةَ بأن يضع الكتبَ الجميلة والأسفارَ العظيمة على رفوف خزانته”.
(ص 108).
كما أنه لا يغفلُ الوقوفَ عند الأحداث التاريخية والسياسية في المشرق والمغرب: ضعفُ السلطة في الأندلس واستغلابُ النصارى، والاستنصارُ بحكام العدوة الموحدين، وانتصارُهم في معركة الأرك 595هـ على جيوش النصارى، ثم هزيمتُهم في معركة العِقاب 609هـ. ويبهرك بالوصف الدقيق للأبراج التي سيدها المرابطون لتحصين المدن الأندلسية من غزو النصارى، وكأنه شاهد عيان (ص 148)، متحدثًا عن موت السلطان أبي يعقوب الموحدي متأثرًا بجراحه في إحدى المعارك، لينقل جثمانه ويدفن في تينمل سنة 580هـ. كما لم يغفل ابن عربي الحديثَ عن الحروب الصليبية في الشرق ودور صلاح الدين الأيوبي فيها، وأهمُها معركة حطين، ثم استبداد السلجوقيين بالحكم وضعف السلطة العباسية، وغيرها من الأحداث التي تكشف روايتها عن باحث توغل في كتب التاريخ فأشبعها بحثًا ودرسًا. (لم ترد الإشارة إلى سفارة أسامة ابن منقذ).
وأخيرًا، إذا كانت هذه الرواية -بمعانيها ومبانيها- فتحًا جديدًا في الكتابة الروائية الجادة، فإن تقمص شخصية ابن عربي لسرد الأحداث التاريخية والسياسية لم يكن إلا مفتاحًا للحديث عن التصوف الإسلامي في أبهج صوره، ممثلاً في شخصية السارد ابن عربي. كما أنه كان تكريسًا لفهم العلاقة بين التصوف والحكمة، أو كما جاء في حوار معه:
“فالتصوف يقوم على الذكر، والتفلسف يقوم على الفكر، وفي كل واحد منهما جزء من الآخر. فالتصوف علم وذوق وكشف، وعلم التحقيق هو الحكمة المطلوبة”.
رواية ممتعة، تشدك مباحثُها وأبوابُها إلى التفكر في حقيقة الوجود، وكنه الحياة، وإلى وجوب التشبع بالعلم وإعمال الفكر، مع ما للتعبد والخلوة من حضور، إذ يرى المرء ببصيرته ما لا يراه ببصره. وهو ما رغبت في توضيحه وعرضه، غير ملتزمة بالتفصيل في تقنيات الكتابة الروائية وشخوصها وتشابك أحداثها وأساليب السرد المتنوعة فيها.
وإذا كانت الرواية ما هي إلا سرد لمجموعة من الأحداث ورصد لشخصيات، مع ما للتخييل من حضور تستـثيره اللغة، فإن ما ميَّزَ رواية “جبل قاف” هو أسلوبُها. فقد ارتضى المؤلف الأسلوب تقنيةً لمادة روايته، حيث استحكمت العلاقة بين المؤلف ولغته كوحدة فنية، ونجح في نسج ألفاظه وعباراته، فلا يميز القارئ بين المؤلف الراوي أو السارد الشخصية المحورية في الرواية، لتقديم متن روائي عرفاني ذي مستوى رفيع.
أما أسلوب الرواية بدءًا وختما فهو جزل ممتع، لغة صافية بديعة، تغريك بالمتابعة، تشعرك بجمال اللغة وقدسيتها، فهي بعيدة عن التكلف أو التقعر، أعاد لها المؤلف بهجتها وسموقها بعد أن ران عليها دَرَنُ العُجْمَة والجهل. روايةٌ تجمع بين المتعة والفائدة، وتجلو صدأ الفكر بمنطق وحسن أداء.
الأستاذ عبد الإله بنعرفة باحث لساني، وروائي مبدع، متصوف ذاكر، اجتمعت فيه صفات ونعوت عــزّت عند غيره. يبهرك بما يجود به قلمه من حين لآخر من إصدارات، يبهرك بما ينسجه كتابة عن المتصوفة المسلمين وهو يدرس فكرهم وتصوفهم. أما خياله فهو الباب الذي ولجه دون استئذان، ووُفِّـق في فتح منافذه بنجاح وامتياز.
الأستاذ عبد الإله بنعرفة عاشق للفلسفة الإسلامية، قارئ نهم لما خلفه الفلاسفة المسلمون، متذوقٌ لما حبروه من كتابات عاشقة، معجبٌ بما سطروه، فاقتفى أثرهم بحكمة وهدوء وروية وحسن أداء. ومن ثـمّ وُفـِّق في بناء مساره المعرفي الفلسفي الصوفي والمخيالي الروائي بأناة ورصانة، ينشد من وراء ذلك تحقيقَ قرابة بين الحكمة والشريعة -كما يذكر- أو توفيقًا بينهما. تحمل كل كتاباته نزعـةً صوفية، ركائزُها شرح الغامض وتحليلُ المفاهيم، وما انبهم فهمه لدى القارئ من المسائل الفلسفية أو الشرعية بعد أن اختلط الحابل بالنابل، فأحكم بلجام قلمه سوقَ النقاش العنيد في موكب كلَِ واحد منهما، إذ الغايةُ هي نشدان الحقيقة والسعيُ إليها بمختلف الوسائل.
وللإشارة، فمن مؤلفات ابن عربي:
“تهذيب الأخلاق والتدابير الإلهية”.
“كتاب الإسراء”.
“عنقاء مُغرب في معرفة ختم الأولياء وشمس المغرب”.
“الفتوحات المكية”.
“تفسير القرآن”.
“محاضرة الأبرار ومسامرة الأخيار”.
“مشكاة الأنوار فيما روي عن الله من الأخبار”.
“اليقين”.
“فصوص الحكم”.
وغيرها من المؤلفات. كما أن له ديوانًا شعريًا عنوانه “ترجمان الأشواق”، ومجموعة من الرسائل منها “رسالة الإنسان الكامل”.
“الكتابةُ النورانيةُ لا تُكتبُ بالحبر، بل بضياءِ الروح، وحينَ يمتزجُ الأدبُ بالتصوف، تُولدُ حكمةٌ تلامسُ أغوارَ القلبِ قبلَ العقل.”
أستاذة نجاة،
تتبعتُ بتمعّن قراءتكِ الثاقبة لرواية “جبل قاف”، والتي أضاءتِ بها زوايا النصّ بما تمتلكينه من بصيرة نقدية قلّ نظيرها. لقد نجحتِ في التقاطِ جوهر المشروع الروائي لعبد الإله بنعرفة، الذي يتجاوز السردَ التقليدي إلى فضاءاتِ التصوف والفلسفة، حيث يصبح الأدب مرآة تعكس أسئلة الوجود والذاتت.
ما أبدعتهِ في تحليلكِ هو الربطُ بين عوالم ابن عربي الروحية ولغة بنعرفة السردية، وكيف استطاع الأخير أن يحيي شخصية تاريخية بكل تعقيداتها، ليقدمها للقارئ بلغة تجمع بين جمال الأدب وعمق الفكر.
كما أشادتِ بحسّ بنعرفة التاريخي، خاصةً في تصويره لـصراعات العصر الموحدي وأجواء الأندلس، مما أضفى على الرواية مصداقيةً وجعلَ القارئَ يعيشُ الزمانَ والمكانَ بتفاصيلهما.
“في رحاب الكلمة المقدسة، تتحول الحروف إلى أنوار، والأسرار إلى عيون تُبصر ما وراء الأقنعة.”
دمتِ للغةِ روضاً يزهو، وللمعنى شفَّافاً كالنَّدى.
ALHOCEIMA
الانسان مثل نقطة حرف الباء التي انطوى فيها الوجود بكليته.
فالنقطة لا تحد ولا تكيف ولا توصف… فمهما كبرت في الحجم تسمى نقطة وان تضاءلت سميت نقطة وهي اصل كل حركة في الكون مهما كان اتجاهها. حتى الخط المستقيم “une ligne droite”
في الرياضيات ما هو الا اثر حركة النقطة بانتقالها من مكان إلى آخر وهكذا كل منحنى “courbe ”
فمن تحقق بالإنسان تحقق بالوجود
ولهذا قيل
“من عرف نفسه عرف ربه”
الانسان مثل نقطة حرف الباء التي انطوى فيها الوجود بكليته.
فالنقطة لا تحد ولا تكيف ولا توصف… فمهما كبرت في الحجم تسمى نقطة وان تضاءلت سميت نقطة وهي اصل كل حركة في الكون مهما كان اتجاهها. حتى الخط المستقيم “une ligne droite”
في الرياضيات ما هو الا اثر حركة النقطة بانتقالها من مكان إلى آخر وهكذا كل منحنى “courbe ”
فمن تحقق بالإنسان تحقق بالوجود
ولهذا قيل
“من عرف نفسه عرف ربه”
موقع رائع مفيد وخصوصا هذا التعليق