ليس من السهل الإحاطة بكل عناصر الإجابة عن السؤال المعلن في عنوان هذه الورقة: هل انتهت العولمة؟ أو لنقل: هل انتهى عهد العولمة؟ لأنّ الجواب عنه يحتاج إلى تضافر جهود المختصين في علوم السياسة الدولية والاقتصاد الدولي والعلاقات الدولية والقانون الدولي (…) دون نسيان الدور الكبير لذوي الاختصاص في علوم الاجتماع والنفس السلوكي. لكنّ هذا لا يمنع من المساهمة ولو باليسير من المعلومات للتدليل على عناصر الإجابة المرجوة.
لهذا الهدف، سنلامس معا بعض الجذور التاريخية للعولمة لفهم ما جرى وما تعيشه الإنسانية في عالم اليوم. ونلامس بعض جوانب وحقائق وسمات العولمة في مرحلة ما بعد سقوط جدار برلين (في 1989) وانهيار الاتحاد السوفياتي الذي كان يتزعم المعسكر الشيوعي في شرق أوربا. وسيتم عرض بعض الخلاصات والاستنتاجات التي تساعد على ملامسة الإجابة على السؤال المحوري لهذه الورقة.
في الجذور التاريخية للعولمة.. العولمة الأوروبية
في عرضه للجذور الاستعمارية للعولمة، يذهب عباس برادة السني، المتخصص في الدراسات الدولية للبلدان النامية، والذي خبر الشؤون الدولية تنظيرا وممارسة، في كتابه الجدير بأكثر من قراءة “العولمة الاقتصادية، ملامح – أبعاد – اتجاهات” إلى أن هناك أوجها للتشابه بين العولمة وبين الظاهرة التي كانت توصف في القرن 19 ومطلع القرن 20 ب، “أوربة العالم” أو “فرنجته”.
ولا شك أن السؤال الذي يتبادر إلى الذهن: ما المقصود بأوربة العالم؟ (l’européanisation du monde).
حسب هذا الاقتصادي الدولي، كانت أوربة العالم أو “فرنجته” تعني أولا وبالذات، أنّ أوروبا أصبحت مركز العالم ومصدر القرار فيه طيلة قرن ونصف من الزمن. وأنّ القول الفصل كان لها في كل ما يجري في العالم ممّا له علاقة بالتنافس على الأسواق، واستغلال الثروات، والاستئثار بالمواد الأولية، والزيادة في التراكمات المالية (…).
ومما جاء في توضيحاته حول “العلاقة بين الاستعمار الأوروبي والعولمة” أن أوروبا كانت خلال مرحلة زعامتها للعالم مهدا للازدهار وحقلا لتجارب الأفكار الجديدة. وإذا كان ميلاد الاقتصاد الوطني لبعض دولها الكبرى في ذلك العصر مثل البرتغال وإسبانيا وإنجلترا وهولندا قد نتج بفعل الاكتشافات الجغرافية الكبرى، فإنّ فكرة “السوق” لدى معظم دولها بما فيها الدول المذكورة قد تأرجحت بين الاتجاهين التاليين:
الاتجاه الأول: يعتمد تأمين المناعة الذاتية للأسواق الداخلية من خلال إزالة المعيقات التي كانت تحول دون ازدهارها، ومن ضمنها إصلاح أنظمة النقد والجمارك والضرائب والطرق ووحدات الوزن والقياس وتقنين المعايير الصناعية وإرساء قواعد الملكية الفكرية والصناعية. وهذا التوجه هو الذي كان له قصب السبق طيلة القرن الثامن عشر.
الاتجاه الثاني: كان يقوم على الغزو الاستعماري والإمبريالي بما يتيحه من تعظيم للمنافذ والأسواق الخارجية، وتراكم الأموال والثروات، وبما يقتضيه ويتطلّبه من سيطرة على المضايق البحرية ومراقبة للمحيطات. وقد أدى كل ذلك إلى مزيد من تمركز الأموال وتسارع الأرباح لا سيما أن الثورة الصناعية الأوروبية كانت في أوجها، وأنها لم تكن مصحوبة بسياسة لتوزيع الدخل ولإقرار العدل والإنصاف.
وحسب برادة السني، فإن الحسم بين الاتجاهين قد تم لصالح الاختيار القائم على العنف والمواجهة والتصادم باعتباره سبيلا كان لا مناص للقوى الأوروبية من ولوجه ضدا على بعضها البعض وضدا على الشعوب المغلوب على أمرها في القارات الأخرى أي أمريكا وإفريقيا وآسيا (…). وكان الرهان يرمي إلى تثبيت دعائم الاستعمار والإمبريالية الأوروبيتين وبالتالي إلى انتصار سياسة ”أوربة العالم”. وقد تمت عملية الاستيطان في جزء هام منها على أنقاض السكان الأصليين للبلدان التي هاجروا إليها، وكانت غايتهم أن يجعلوا تلك البلدان امتدادا لأوروبا بحيث تصبح أسواقها أسواقا لأوروبا واقتصادها مكمّلا لاقتصاد القارة الأم أي القارة الأوروبية.
كما عرفت أرض فلسطين الشهيدة مصيرا مماثلا بعدما يناهز القرنين من ذلك التاريخ، حيث استوطنت أرضها المقدسة أفواج من الأوروبيين باسم “دولة اسرائيل”، فكان أن فعلوا بالفلسطينيين ما فعله أسلافهم ضدا على السكان الأصليين للبلدان سالفة الذكر، والقصد ممارسة الإقصاء والتهميش والاستئصال والإبادة…
وبالإضافة إلى ذلك كله، فقد تمكّنت أوروبا من إخضاع العديد من دول العالم في القارات الثلاث بالقوة العسكرية المؤدية إلى الاحتلال (حالة الجزائر) أو بواسطة التغلغل الاقتصادي عن طريق التهديدات العسكرية والضغوط الديبلوماسية وفرض المعاهدات التجارية غير المتكافئة، وإضعاف مناعة الدول من خلال الحصول على امتيازات متنوعة تنقص من سيادتها تدريجيا (…).
كما قامت هذه القوة الرأسمالية بإنشاء الوكالات التجارية في أطراف القارات وخاصة منها: شواطئ القارة الإفريقية سعيا للاستلاء على معادن الذهب والماس والأحجار الكريمة الأخرى (…).
ثم المعاهدات التي كانت تبرم سرّا وعلنا بين الدول الأوروبية بهدف اقتسام المستعمرات ومنها: معاهدة برلين لعام 1885 التي تم بموجبها تقسيم إفريقيا بين دول أوروبا واتفاق “سايس-بيكو” لعام 1916 وقد أفضى إلى فرض الانتداب الأوروبي على دول الشرق العربي.
وبعد تقديمه للمزيد من التوضيحات حول “الإمبريالية الأوروبية” خلص عباس برادة السني إلى أن “العولمة الأوروبية” تعني أنّ أوروبا كانت هي مركز العالم وقطب الرحى لكل ما يجري فيه خلال القرن 19 ومطلع القرن 20 ممّا يعرف بالموجة الأولى للعولمة التي جاءت الحرب العالمية الأولى (1914/1918) فوضعت حدا لها.
وماذا عن المرحلة الموالية والقصد مرحلة الموجة الثانية للعولمة؟
من تقاسم مناطق النفوذ العالمي إلى العولمة الأمريكية..
أفرزت الحرب العالمية الأولى قيام عالم جديد على قاعدة تركيز شرعية استعمار الشمال للجنوب، أو تقاسم مناطق النفوذ العالمي بالتراضي والوفاق الودي بين الحلفاء المنتصرين في تلك الحرب، وعكست اتفاقية فرساي وميثاق عصبة الأمم هذا التوجه.
كما أفرزت الحرب العالمية الثانية تقاسم النفوذ الذي تقرر في يالطة سنة 1945 بين الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد السوفياتي وتكريس الثنائية القطبية بينهما. لكن هذه القطبية الثنائية لم تعمّر أكثر من أربعة قرون ونيف أي أنها عمّرت طيلة الحرب الباردة فقط. ثم سادت بعد ذلك القطبية الأحادية بزعامة الولايات المتحدة الأمريكية.
وبالتركيز على ما بعد حرب الخليج، يذهب الفقيه في السياسة والعلاقات الدولية عبد الهادي بوطالب (رحمه الله) في كتابه “من أجل عولمة أخرى أكثر عدلا وإنسانية” إلى أن مجموعة من الأحداث توالت بعد حرب الخليج أدّت إلى تغيير الخريطة السياسية التي رسمها القطبان السابقان أي الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد السوفياتي سابقا، وحلّت محلها خريطة جديدة تلوّح فيها الولايات المتحدة الأمريكية وحدها ممسكة بعصا مارشالية القطبية الأحادية.
ويقدم لنا بوطالب التوضيحات التالية:
في سنة 1985، أعلن كورباتشوف ثورته الهادئة بالشروع في إقامة نظام جديد بالاتحاد السوفياتي، أساسه الإصلاح (البيروسترويكا) والشفافية (كلاسنوست). وفي سنة 1987، تضخم حجم العالم حيث تجاوز سكانه خمسة ملايير نسمة. وعرفت سنة 1989 تفكك الاتحاد السوفياتي وسقوط جدار برلين. وفي سنة 1989 كذلك، توحّدت الألمانيتان الشرقية والغربية في دولة ألمانيا الرأسمالية الديمقراطية.
وفي سنة 1991، اجتاح العراق الكويت، ونادت الولايات المتحدة الأمريكية حلفاءها الغربيين إلى حرب “عاصفة الصحراء”. ووقف الاتحاد السوفياتي يتفرج على المشهد، مسجلا تخليه عن التنافس على القطبية. ودعا الرئيس بوش إثر الانتصار إلى إقامة “نظام عالمي جديد”.
وفي 3 يناير 1992، استجاب مجلس الأمن لدعوة الرئيس الأمريكي إلى عقد قمة صدر عنها بيان كان الوثيقة الأولى التي أفسحت المجال للمنظمات العالمية المتخصصة لإصدار تقنيات وتنظيمات أخذت تؤلف ما يمكن أن يطلق عليه استراتيجية العولمة.
ونتساءل اللحظة: كيف عملت، ومازالت تعمل العولمة في صيغتها الأمريكية أو لنقل “العولمة الأمريكية” حتى لا نقول “أمركة العالم” كما كان ومازال البعض يرى ذلك؟
يجيبنا عن هذا السؤال عبد الهادي بوطالب الذي أوضح في كتابه السالف الذكر “من أجل عولمة أكثر عدلا وإنسانية” ما يلي:
لقد كان البدء بعولمة الاقتصاد يستهدف – كما قيل – تحقيق تنمية اقتصادية عالمية شاملة، وتشخيص تعاون العالم على صعيد الاقتصاد باعتباره منطلقا لتعاونه الشامل في سائر المجالات الأخرى. وقد بدت عولمة الاقتصاد امتدادا لنظام التحررية الرأسمالية العالمية الذي يهدف إلى تمكين الرأسمال القوي من تحقيق أوفر الأرباح عن طريق تحرير التجارة وإخضاعها للتنافس الحر.
وهو نظام الاقتصاد الحر الذي يقوم على فتح الأسواق للرأسمال القادر على غزوها، والذي يسمى اقتصاد السوق.
لكن اتسع حجم عولمة الاقتصاد مع بداية التسعينيات من القرن الماضي نتيجة للترابط الذي أحكم بين رؤوس الأموال العالمية من جهة، وبين أسواق المنتوجات والخدمات العالمية من جهة ثانية. وبفضل تسارع الدول التي لم تلتحق بمنظمة التجارة (الكات) إلى الانخراط فيها والالتزام باتفاقية التجارة العالمية.
كما ازداد حجم عولمة الاقتصاد اتساعا بعد جولة الأورغواي الثانية التي انبثقت عنها منظمة عالمية جديدة، باسم المنظمة العالمية للتجارة (OMC) التي عوّضت منظمة “الكات” (GATT). وقد جاءت مقتضيات اتفاقياتها تؤكد مبادئ حرية تنافس رؤوس الأموال، والإلغاء التدريجي للحواجز والقيود التي تعترض تنقلها وتدفقها على الأسواق (…). ومن خلال هذه المقتضيات وغيرها تندمج الاقتصادات الوطنية شيئا فشيئا في الاقتصاد العالمي في نطاق ما أصبح يطلق عليه اسم الانفتاح الاقتصادي الشامل.
لكن واقعيا، ما الذي أفضت إليه عولمة الاقتصاد؟
سواء استندنا إلى تحليلات خبراء الاقتصاد الدولي أو العلاقات الدولية وغيرهم، أو استندنا إلى ما عايشناه جميعا منذ بداية الهيمنة الأمريكية، فإننا نخلص إلى أن عولمة الاقتصاد أفضت إلى تقليص وتحجيم دور الدولة لفائدة الرأسمال الخاص الوطني والأجنبي. كما أنه تم تخصيص القطاع العام ليصبح القطاع الخاص هو الفاعل الرئيسي في مجالات التشغيل والصحة والتعليم والمحافظة على البيئة، وتسيير المرافق الإدارية لمصالح الماء والكهرباء والمقاولات الوطنية.
وباختصار شديد، فمنذ بداية العولمة في صيغتها الأمريكية لم تعد الدولة هي الفاعل الرئيسي في الاقتصاد وكأننا عدنا إلى مرحلة ما قبل الحرب العالمية الأولى. لقد أصبحت الشركات المتعددة الجنسيات (FMN) هي الفاعل والمحرك الأساسي في نظام العولمة. وتتمثل الإدارة المسيرة لنظام العولمة والموجّهة للفاعل الرئيس فيه في: صندوق النقد الدولي، والبنك العالمي، ومنظمات التعاون والتنمية الاقتصادية، والمنظمة العالمية للتجارة. وحسب بوطالب فإن الولايات المتحدة الأمريكية هي المهيمنة على هذه المؤسسات الدولية. ويضاف إليها المنتديات المالية الاقتصادية الدولية، والحكومات والمنظمات الوطنية والجهوية التي توجد الشركات العملاقة في فضائها القومي.
ونسجّل مع الباحثين والمحققين الإعلاميين أن العولمة في صيغتها الأمريكية لم تقف عند حدود الاقتصاد، لقد عشنا ونعيش منذ تسعينيات القرن الماضي عولمة الفكر والإعلام والإبداع، وعولمة الثقافة، وعولمة القانون، ومحو الهويات والخصوصيات (…) ومضى مسلسل العولمة على طريقه يعولم كل شيء حتى لقد عشنا عولمة الإرهاب وعولمة مناهضة الإرهاب كما ذهب إلى ذلك بوطالب (رحمه الله).
وإنّ ما يحدث الآن في الشرق الأوسط من إبادة جماعية وتجويع وتقتيل للفلسطينيين، وما اتخذته ومازالت تتخذه الولايات المتحدة الأمريكية من إجراءات وتدابير اقتصادية وتجارية وجمركية من أجل أن تكون وتبقى “أمريكا أولا” في العالم (…) كلها وغيرها أمور تسائل صناع العولمة قبل غيرهم عن مدى تناقضاتهم مع المبادئ والقواعد التي سطرها منظرو العولمة قديما وحديثا.
والآن، بناء على ما تقدم، ما هي الخلاصات والاستنتاجات التي تمكّننا من ملامسة الإجابة على السؤال المحوري لهذه الورقة وهو للتذكير: هل انتهت العولمة؟
بعض الخلاصات والاستنتاجات..
1- إنّ أهم خلاصة تفرض نفسها تاريخيا وحضاريا بقوة حسب الخبير الاقتصادي الدولي عباس برادة السني هي أن “العولمة الأوروبية” كانت وليدة العنف وحب الهيمنة على مصائر الشعوب المستضعفة وحب الاستئثار بثرواتها. كما كانت السبب في خوض الحروب الضارية بعيدا عن القيم النبيلة، وكأن معاني الإخاء الإنساني والمساواة بين بني البشر وغيرها من مبادئ حقوق الإنسان إنما هي كانت بعيون الأوروبيين مجرد شعارات لا بأس أن يضرب بها عرض الحائط كلما تعارضت مع أهداف الشركات المتعددة الجنسيات وحالت دون الاحتكارات الأوروبية.
ونلاحظ أن هذه الخلاصة العميقة الدلالات السياسية، تنطبق إلى حد بعيد على واقع العولمة في صيغتها الأمريكية منذ بداية التسعينيات من القرن الماضي إلى الآن في العالم وفي الشرق الأوسط بصفة خاصة.
2- يهدف صناع العولمة الأمريكية من خلال ما يقع في الشرق الأوسط إلى تغيير خريطة هذه المنطقة جغرافيا وسياسيا واقتصاديا، وإضعاف دوله العربية، وتقوية “دولة إسرائيل” التي يجب أن تبقى الحارس الأمين للمصالح الأمريكية في مقابل تمكينها من توسيع مساحتها الجغرافية من خلال احتلال أرض الشعب الفلسطيني وإبادته وتقتيل أطفاله وتجويعه وتهجيره… أمام انظار العالم (…).
وهي مناسبة للقول إنه، لا سلام ولا استقرار في منطقة الشرق الأوسط وفي العالم من دون إقامة دولة فلسطين.
3- كلا العولمتين (الأوروبية والأمريكية) شموليتان. وهما تعتمدان النظرية الليبرالية التي يعد “اقتصاد السوق” جوهرها وغايتها. وما نستفيده من التاريخ الاقتصادي العالمي: إذا كانت النظرية الكنزية (نسبة إلى الاقتصادي البريطاني كاينز) قد أنقدت الرأسمالية من الانهيار والسقوط في 1929، فإنّ ما يقوم به المنظرون الاقتصاديون في الولايات المتحدة الأمريكية حاليا بزعامة رئيسها من إجراءات اقتصادية وتجارية وعودة إلى الحمائية الجمركية واتفاقيات معلنة وأخرى سرية مع العديد من الدول إنّما هي إجراءات وخطوات في اتجاه إنقاذ الرأسمالية الأمريكية من الانهيار وهو ما لا يصرح به رسميا.
4- العولمة في المرحلتين، مرحلة الأوربة ومرحلة الأمركة الحالية، هي الوجه المرئي للرأسمالية. وهي منتوج تراكمي أفرزه مسلسل تاريخ الاقتصاد العالمي كما قال عبد بوطالب رحمه الله.
لكن على المستوى التطبيقي، فهي في نظري تشكّل أحد تطبيقات الرأسمالية التي هي الأصل. والقصد أنّ الوجه الذي يراد له أن يبقى خفيا هو الرأسمالية (الأصل) لأنّ الصراع الإيديولوجي بين النظام الرأسمالي والنظامين الشيوعي والاشتراكي قد اختفى منذ سقوط جدار برلين.
5- إن العولمة كتطبيق تعتمد على العلم والتكنولوجيات المتطورة جدا (…) وما الرقمنة والذكاء الاصطناعي وما سيأتي من تقنيات عالية الدقة إلا دلائل ملموسة للمختص وغيره.
6- من مميزات العولمة الأمريكية: تغيير المعايير والمفاهيم التي كان متعارف عليها في مجالات السياسة والاقتصاد والاجتماع والثقافة وباقي العلوم، بحيث يتم تسخير كل هذه المجالات في خدمة ما يسمى بالنظام العالمي الجديد أو العالم الجديد.
وأخيرا، بناء على ما تقدم وغيره كثير نستنتج أنّ العولمة لن تنتهي في القريب المنظور فهي تشكل الوجه المرئي للرأسمالية التي هي الأصل. والرأسمالية، سواء اتفقنا مع مناصريها أو اختلفنا معهم، فهي تجدّد نفسها باستمرار من خلال الاستثمار في البحوث العلمية والتكنولوجيا المتطورة. والذي يتغير عبر الزمن هو آليات عملها وطرق اشتغالها وأساليبها وخطابها، ولا تتغير الأهداف والغايات والأبعاد الاستراتيجية التي يرسمها صنّاعها.
وتبقى الصين هي القوة العظمى التي تخيف الولايات المتحدة الأمريكية لأنها هي المستفيد الأكبر من العولمة. وهي قادمة بخطى ثابتة.
“العولمة أشبه بغولٍ يغير جلده كل عقد من الزمن، لكنه يبقى في جوهره ذاك الوحش الجشع الذي يلتهم الضعفاء”
أستاذي،
بعد قراءة مقالك العميق، أجد نفسي أمام سؤال مصيري: هل نحن فعلاً أمام نهاية العولمة أم أمام مرحلة انتقالية نحو نظام عالمي جديد؟
لقد شخّصت بدقة التناقض الجوهري في العولمة المعاصرة. فهي من ناحية تزعم نشر الرفاهية والتقدم، لكنها من ناحية أخرى تكرس هيمنة القوى العظمى. هذا التناقض ليس جديداً، بل هو متأصل في الحمض النووي للعولمة منذ أيام “أوربة العالم” التي ذكرتها.
لكن اليوم، نحن أمام مشهد مختلف. العولمة الأمريكية التي هيمنت منذ سقوط جدار برلين تواجه تحديات وجودية: (صعود الصين،عودة القوميات الاقتصادية، أزمات الجائحة، الحروب، التضخم)
والسؤال الأهم: هل هذه الأزمات تعني نهاية العولمة أم أنها مجرد مخاض لولادة شكل جديد منها؟
أرى أن العولمة كفكرة لن تختفي، لكنها ستتخذ أشكالاً جديدة. ربما نكون أمام “عولمة مجزأة” أو “عولمة إقليمية” حيث تتشكل كتل اقتصادية وسياسية متمايزة.
“عندما تنهار إمبراطورية العولمة، لا تموت الفكرة بل تتناسخ في هيئات جديدة تتناسب مع توازنات القوى الجديدة”
ALHOCEIMA