ضغط حقوقي يراهن على إحالة المسطرة الجنائية إلى المحكمة الدستورية

ضغط حقوقي يراهن على إحالة المسطرة الجنائية إلى المحكمة الدستورية
صورة: أرشيف
الإثنين 18 غشت 2025 - 09:00

يتشبث طيف من الحقوقيين والمنظمات النشطة في مجال الحريات بمبادرة رسمية تمكّن من إحالة مشروع قانون المسطرة الجنائية، المصادق عليه مؤخرًا من قبل البرلمان، إلى المحكمة الدستورية بهدف فحص مدى دستورية مضامينه.

وتعززت هذه المطالب أكثر بعد الخطوة الأخيرة التي أقدم عليها راشيد الطالبي العلمي، رئيس مجلس النواب، الذي أحال مشروع قانون المسطرة المدنية إلى القضاء الدستوري، مما نتج عنه رفض مجموعة من مقتضياته.

ومما يبرّر ذلك بشدة، وفق حقوقيين، ارتباط هذا القانون بحق الأفراد في المساواة أمام القانون، فضلًا عن تضمّنه مقتضيات اشتعل النقاش بشأنها خلال الأشهر الأخيرة، لا سيما المادتان 3 و7، اللتان تضبطان تحرك النيابة العامة بشأن الملفات المتعلقة بالمال العام والفساد، وأيضا انتصاب الجمعيات طرفا مدنيا في هذا النوع من القضايا.

صلاحيات الإحالة

ويشير الفصل 132 من دستور المملكة الصادر في 2011 إلى أنه “يُمكن للملك، وكذا لكل من رئيس الحكومة، ورئيس مجلس النواب، ورئيس مجلس المستشارين، وخُمس أعضاء مجلس النواب، وأربعين عضواً من أعضاء مجلس المستشارين، أن يحيلوا القوانين أو الاتفاقيات الدولية، قبل إصدار الأمر بتنفيذها، أو قبل المصادقة عليها، إلى المحكمة الدستورية لتبت في مطابقتها للدستور”.

ضغط حقوقي متواصل

وفي هذا الصدد طالب “تحالف ربيع الكرامة” المحكمةَ الدستورية بـ”ممارسة رقابة استباقية على قانون المسطرة الجنائية الجديد لإسقاط كل المقتضيات التي تنتهك مبدأ المساواة وحماية الضحايا”، موجهاً نداء إلى كل البرلمانيين لتحمل مسؤولياتهم التاريخية في حماية الحقوق والحريات، وضمان حق الجمعيات في الترافع ومحاربة الفساد”.

وأكد التحالف، في بيان له، رفضه القاطع لمجموعة من المواد التي “تكرس التمييز والإقصاء تجاه الحركة الحقوقية والنسائية في سعيها للانتصاف للضحايا، خاصة المادتين 3 و7، فضلا عن باقي المواد التي تخل بمبدأ المساواة أمام القانون، مما يعيق تحقيق العدالة والديمقراطية”.

ودخل المكتب المركزي للجمعية المغربية لحقوق الإنسان (AMDH) بدوره على الخط، إذ أكد أنه ينتظر إحالة كل مشاريع القوانين على المحكمة الدستورية، بدءاً بمشروع المسطرة الجنائية، مشيرا في السياق ذاته إلى أنه قرر وضعَ خطة للترافع من أجل هذا المطلب الحقوقي الأساسي.

مبررات موضوعية وثابتة

بوصفه رئيسا للجمعية المغربية لحماية المال العام، قال محمد الغلوسي: “خضنا معركة قوية ضد سعي وزير العدل ومعه الأغلبية الحكومية لتمرير المادتين 3 و7 من مشروع قانون المسطرة الجنائية، لأننا نعتبر أن تمريرهُما يشكل مسا بالاختيار الديمقراطي كثابت دستوري، وانتهاكا سافرا لمبدأ فصل السلط؛ ذلك أن المادة 3 تجسد تدخلا سافرا للسلطة التنفيذية في السلطة القضائية، ومسا باستقلالية النيابة العامة ودورها في التصدي للجرائم، وضمنها جرائم المال العام، في تحد سافر للمقتضيات الدستورية، خاصة الفصل 107 من الدستور”.

وأكد الغلوسي، في تصريح لهسبريس، أن “المادتين 3 و7 تكرسان تمييزا واضحا وغير مقبول بين المواطنين، إذ تمنحان نخبة من المسؤولين، الذين يدبرون الشأن العام ويوضع المال العام تحت تصرفهم، امتيازا قضائيا وقانونيا، خلافا لمقتضيات الفصل 6 من الدستور، الذي يجعل المواطنين جميعا، بمن فيهم المسؤولون العموميون، متساوين أمام القانون وأحكامه”.

وبيّن أن “المادتين تتعارضان مع اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد وتعيقان جهود مكافحة الفساد باعتباره قضية دولة ومجتمع”، مشيرا إلى ما اعتبره “تواطؤا مفضوحا داخل البرلمان لتمريرهما، رغم عيوبهما الواضحة واصطدام ما ورد فيهما بمقتضيات دستورية جوهرية؛ وهو تواطؤ يجسد إرادة نخبة سياسية مستفيدة من واقع الفساد والريع والنهب لتحصين من تُباع لهم التزكيات من المساءلة والرقابة المجتمعية والمؤسساتية”.

وقال بصريح العبارة: “نراهن اليوم على الدولة ومؤسساتها، خاصة المحكمة الدستورية، للتصدي لهذا الانحراف السياسي والتشريعي الجسيم، الذي يجسد تغول لوبي الفساد وسعيه إلى التشريع للأقلية، باستغلال سيئ وخطير للمؤسسة التشريعية، لتمرير نصوص قانونية نكوصية تستهدف تعميق الفساد والرشوة في الحياة العامة، والمس بالحقوق والحريات”.

وسجّل في ختام تصريحه أن “الأغلبية الحكومية، ومعها بعض أحزاب المعارضة، تواطأت ضد المصلحة العامة، واختارت أن تضع نفسها وسلطتها في خدمة مصالح ضيقة لفئة تسعى إلى استغلال مواقع المسؤولية لمراكمة الثروة، وهو توجه خطير من شأنه أن يعمق مشاعر الظلم والتمييز والغبن”.

نحو “فحص دستوري”

في المنحى نفسه أكدت حياة النديشي، عضو “تحالف ربيع الكرامة”، أن “المقتضيات التمييزية الواردة في مشروع القانون المتعلق بالمسطرة الجنائية لا تزال على حالها، على الرغم من مرور المشروع من مجلسي النواب والمستشارين، دون إدخال التعديلات التي طالبنا بها، والرامية أساسا إلى إنصاف النساء بخصوص إجراءات ومحاور محددة”.

وقالت النديشي، في تصريح لهسبريس، إن “التحالف سبق له أن تقدم بمذكرة ودراسة مفصلتين تبرزان البنود التمييزية التي تتخلل النص القانوني ذاته، لكن لم يتم الأخذ بمضامينهما خلال مساره التشريعي”، معتبرة ذلك “تجاهلا واضحا لمبادئ الدستور، التي تنص على عدم التمييز، وعلى مقاربة النوع في السياسات العمومية”.

وأشارت إلى أن “التحالف يراهن على تدخل المحكمة الدستورية، بعد أن يُحال عليها مشروع القانون نفسه، للبت في مدى دستورية مضامينه، خاصة فيما يخص مقتضيات المادتين 3 و7، باعتبارهما مادتين يُجمع كثيرون على ضرورة إعادة النظر فيهما”.

وترى النديشي أن “مشروع هذا النص القانوني، الذي صودق عليه من قبل البرلمان، لا يوازي طموحات النساء، على الرغم من أن عبد اللطيف وهبي، وزير العدل، وقف وراء إخراجه إلى حيز الوجود، المعروف بتبنيه خطا حداثيا”، مبرزة أن “النص كان نتاج توافقات حكومية معينة، بما لم يسمح بوجود لمسة حداثية بارزة، لاسيما فيما يخص استحضار النوع الاجتماعي والتمييز الإيجابي لصالحه”.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

13
  • عباس
    الإثنين 18 غشت 2025 - 09:40

    ضغط حقوقي وشعبي وأخلاقي وجتمعي ووووو لدفع بقانون في المجال الجنائي الى المحكمة الدستورية

  • عبد الاله
    الإثنين 18 غشت 2025 - 09:52

    الشعب راه لاهي بالمهرجانات والعطلة الصيفية والتيك توك . لازم ينتشر الوعي بين المغاربة هذه هي الطريقة باش بلادنا تزيد للأمام . لازم كل واحد يقاطع الانتخابات بهاذ القوانين الانتخابية الحالية التي تسمح للفاسدين بولوج المناصب المصيرية . وحنا مستعدين نشاركو اذا لقينا كفاءات تتميز بحس المواطنة والهدف ديالها خدمة البلاد والعباد لا النهب والفساد والافساد

  • driss nizar
    الإثنين 18 غشت 2025 - 10:02

    في الدول التي تحترم نفسها جميع القوانين تحال أوتوماتيكيا على المحاكم الدستورية

  • ملاحظ
    الإثنين 18 غشت 2025 - 10:12

    العديد من المواطنين يعتقدون بأن القرار الأخير للمحكمة الدستورية كان له أثر إيجابي على مشروع قانون المسطرة المدنية فحين أن أغلب المواد التي ألغتها هذه المحكمة لاأثر لها إيجابي على حقوق المتقاضين ، يعني بعبارة أخرى عجعجة بدون طحين ….

  • عبد الحق
    الإثنين 18 غشت 2025 - 10:16

    قانون الإثراء غير المشروع أليس كذلك قانون بالغ الأهمية يتعقب المفسدين و المرتشين و لصوص المال العام لماذا لم نسمع عن نضال هؤلاء الحقوقيين من أجل بعثه من مرفده ؟
    ولكن لا بأس ، سيأتي يوم على الظالمين يقولون فيه كما جاء في كتاب الله العزيز :
    ” قَالُوا يَا وَيْلَنَا مَن بَعَثَنَا مِن مَّرْقَدِنَا ۜ ۗ هَٰذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَٰنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ (52) إِن كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ جَمِيعٌ لَّدَيْنَا مُحْضَرُونَ (53) فَالْيَوْمَ لَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَلَا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ “

  • مزاطن مغربي
    الإثنين 18 غشت 2025 - 10:26

    مطالبة ما يسمى المجتمع المدني بإسقاط المادتين 3 و 7 من مشروع قانون المسطرة الجنائية هدفه الحفاظ على مورد مالي فاسد، باستدامة ابتزاز المسؤولين والمنتخبين، ومطالبتهم بالإتاوات،تحت رحمة الانتصاب طرف مدني ضدهم، في الوقت الذي تنتفي اي مصلحة لهم في التقاضي فيما يسمونه فسادا، وهو أساس شكلي جوهري في التقاضي.
    لقد ثبت بالملموس، وفي عدد من القضايا تورط عدد من الجمعيات التي تنصب نفسها لحماية المال العام في الابتزاز، وطلب مقابل مادي لعدم تحريك الشكايات الكيدية.
    كفى من الابتزاز، كفى من الاغتناء غير المشروع باسم المجتمع المدني، واتركوا الهيئات المخنصة قانونا للقيام بعملها في حماية المال العام.

  • حسام
    الإثنين 18 غشت 2025 - 11:03

    بل من الواجب احالتها على قضاة المحكمه الدستوريه لايقاف التجاوزات التي تتضمنها والتي صودق عليها في البرلمان

  • المتتبع
    الإثنين 18 غشت 2025 - 11:04

    الدستور المغربي يحب ان ينقح وتكون من بين مواده مادة ملزمة لاحالة كل مشاريع القوانين على المحكمة الدستورية بعد المصادقة على تلك القوانين من الحكومة أو ابرلمان. حتى لا يبقى اي مسؤول يعبث بالقانون لانه عنده أغلبية في البرلمان وان إحالة القوانين على المحكمة الدستورية لا تكون إلا من طرف رئيس البرلمان او المستشارين. انه العبث

  • abdou
    الإثنين 18 غشت 2025 - 11:49

    لا زال المجتمع بخير و الحمد لله ، ما دام فيه هذا النبض الحقوقي الوطني لم لا وطني بٱمتياز . و مشكورين الحقوقيين و الكقائات الوطنية و الساسة المخلصين للمبدا و الحق عن اي شيء إخر . و رحم الله المغفور له الحسن الثاني الذي ارسى دولة المؤسسات منها المحكمة الدستورية التي لن تسمح بطبعها الدستوري بمس صورة المملكة الحقوقية. الإعتبارية . و عاش الملك تاج المجتمع و كل السلط و الحريض على حسن السير المؤسسات و خير دليل الخطاب الأخير. و عاش الملك و اطال الله عمره في الصحة و السلامة و شكرا منبرنا الحر و ٱبقوا احرار جزاكم الله.

  • مواطن غير داوي
    الإثنين 18 غشت 2025 - 12:10

    اظن يجب إحالته على الهيءة الدستورية لانقاذ وما يمكن انقاذه و احترام الدستور الوطني و التعليمات الملكية اطال الله في عمر ملكنا الهمام و شفاه تعليمات كلها تدعو الى انصاف المجتمع و احترام الديمقراطية التي هي اساس التقدم و الزدهار

  • عبده/ الرباط
    الإثنين 18 غشت 2025 - 12:20

    ما دامت هناك وسيلة دستورية لاحالة قانون المسطرة الجنائية على المحكمة الدستورية فيجب القيام بذلك. الأمر يهم عموم للشعب لضمان حقوقه و واجباته بكل شفافية و بطرق واضحة .

  • المغرب
    الإثنين 18 غشت 2025 - 14:24

    هناك محاولة لصياغة القوانين على مقاس الإدارة و يشكل مساساً خطيراً بمبادئ دولة القانون، إذ يمنحها حصانة تشريعية تتيح لها التوسع والتغول خارج رقابة القضاء.
    فبدل أن يكون القضاء صمام الأمان وحامي الحقوق والحريات، يصبح دوره مفرغا من مضمونه أمام نصوص تحصن الإدارة من المحاسبة.
    إن هذا التوجه يعكس شئا واحدا و هو إرادة للهيمنة الإدارية على حساب التوازن المؤسساتي، وتهديد أسس العدالة والإنصاف التي يقوم عليها النظام القانوني.

  • yassine 2
    الثلاثاء 19 غشت 2025 - 10:47

    يجب طرد كل إفريقي لا يحترم السلامة العامة لجميع المغاربة و ممتلكاتهم لأنهم أصبحوا يمثلون خطرا على أمن الدولة

صوت وصورة
بركة يعد بردع المضاربات
الجمعة 18 شتنبر 2026 - 00:06

بركة يعد بردع المضاربات

صوت وصورة
من ورقة الاقـتراع إلى الحكومة
الخميس 17 شتنبر 2026 - 22:00

من ورقة الاقـتراع إلى الحكومة

صوت وصورة
ملعب هسبريس | اعترافات مثيرة لبابلو فرانكو
الخميس 17 شتنبر 2026 - 21:20

ملعب هسبريس | اعترافات مثيرة لبابلو فرانكو

صوت وصورة
الطريق إلى الانتخابات 2026 | المصطفى بنعلي
الخميس 17 شتنبر 2026 - 21:00

الطريق إلى الانتخابات 2026 | المصطفى بنعلي

صوت وصورة
الطريق إلى الانتخابات 2026 | إدريس لشكر
الخميس 17 شتنبر 2026 - 18:15 4

الطريق إلى الانتخابات 2026 | إدريس لشكر

صوت وصورة
الفصل 34 وحقوق الإعاقة
الخميس 17 شتنبر 2026 - 17:30 1

الفصل 34 وحقوق الإعاقة