الارتزاق السينمائي بتندوف

الارتزاق السينمائي بتندوف
الإثنين 25 غشت 2025 - 17:41

منذ نشأته الأولى لم يكن مهرجان فيصحارى FiSahara سوى صناعة جزائرية صرفة، تغدق عليه الجزائر المال، وتوجهه بالدعاية، وتستقدم له مرتزقة سينمائيين من شتى الجنسيات ليحملوا رايتها ويزينوا خطابها. فما يظهر بواجهة الفن السابع ليس إلا ستارا هشا تخفي وراءه الجزائر مشروعا سياسيا يائسا، يراد له أن يضفي على العزلة طابع الشرعية، وعلى الأسر المستمر منذ نصف قرن مسحة من البطولة الوهمية. وهكذا يغدو المهرجان أداة لتسويق سردية مأزومة، أكثر مما هو منبر حر للفن أو نافذة صادقة لمعاناة الصحراويين.

أولا، في الوعي الزائف:

لم يكن مستغربا، والحال هذه، أن يتحول فيصحارى من واجهة ثقافية إلى أداة سياسية صريحة، في يد من يصوغون خطاب العزلة على الصحراويين المحتجزين في مخيمات تندوف؛ فالمهرجان الذي يقدم نفسه بواجهة الفن السابع يقام داخل مخيمات محاصرة يفتقد سكانها إلى أبسط حقوق التنقل والحرية، ويمنعون من العودة إلى وطنهم الأم أو المشاركة في مؤسساته. والمفارقة الصارخة أن أساس المهرجان متناقض في جوهره: يزعم تحرير الوعي عبر السينما، بينما يغض الطرف عن واقع الأسر المفروض على آلاف الصحراويين تحت وصاية الجزائر والبوليساريو؛ وهكذا يصبح الشاهد لا على الإبداع، بل على مأساة الاستغلال السياسي للثقافة، حيث تستبدل قيم الحرية بمشاهد استعراضية تعيد إنتاج السردية الانفصالية، وتبرر استمرار المخيمات وكأنها قدر محتوم.

ثانيا، الجزائر وتمويل الوهم:

الجزائر، وهي الراعية الأولى لهذا المشروع، لا تخفي نيتها استثمار المهرجان لتغطية عجزها السياسي والأخلاقي، فهي تتجاهل مسؤوليتها عن مصير عشرات الآلاف من المحتجزين، وتستمر في إنفاق الأموال لاستقدام سينمائيين أجانب يعرضون أفلامهم في خيام مكتظة، بدل أن ترفع يدها عن هؤلاء اللاجئين وتمنحهم حق العودة والاختيار. وفي هذا المشهد البائس تتحول السينما من أداة للتحرر إلى وسيلة لتجميل صورة سياسية متآكلة، وتغدو الأفلام أقنعة تحجب القمع بدل أن تفضحه؛ فلا أبواب تفتح على العالم، بل جدران إضافية تشيد حول المخيمات، ولا أصوات حرة يسمح لها بالظهور، بل دعاية مكتوبة على شريط سينمائي.

وما يزيد من خطورة هذا التوظيف أن المهرجان لا يمنح الكلمة للصحراويين المنخرطين في وطنهم الأم، ولا يلتفت إلى دينامية التنمية التي يشهدها إخوانهم في العيون والداخلة؛ فبتسييس الثقافة على هذا النحو يسرق حق الصحراويين الحقيقيين في التعبير عن أنفسهم، ويستبدل بتمثيل زائف يصطنعه مرتزقة الفن القادمون من خارج المنطقة. وبينما يشارك أبناء الصحراء داخل المغرب في الانتخابات، ويسيرون مؤسساتهم الجهوية، ويستفيدون من مشاريع التنمية، يستعمل نظراؤهم في تندوف كضحايا دائمين، لا كفاعلين أحرار. إن السينما التي ولدت لتفتح الأفق على الحرية تحولت هنا إلى قيد جديد يضاف إلى قيود المخيم، وتحول الإبداع إلى سلعة في سوق المزايدات السياسية.

وهكذا يظهر مهرجان فيصحارى كمرآة مشروخة تعكس رواية واحدة: رواية الجزائر والبوليساريو، التي تسخر أسماء فنانين أجانب وشخصيات حقوقية لإضفاء شرعية زائفة على خطابها. إنه مهرجان لا يحرر الخيال بل يقيده، ولا يفتح الآفاق بل يغلقها، ولا ينقل الحقيقة بل يزورها؛ جوهره ليس خدمة الصحراويين، بل استخدامهم كوقود سياسي، وإلا فما معنى أن يستمر تنظيمه عاما بعد عام بينما تبقى معاناة المخيمات على حالها دون تغيير؟.

ثالثا، حملة مرتزقة فيصحارى ضد التصوير بالداخلة:

لعل أحدث مثال يكشف هذا التوظيف ما جرى هذا الصيف من عام 2025، حين شن القائمون على المهرجان حملة صاخبة ضد المخرج العالمي كريستوفر نولان بعد أن صور مشاهد من فيلمه الجديد الأوديسة في مدينة الداخلة المغربية؛ فبدل الترحيب بانفتاح عالمي على الصحراء اعتبروا التصوير “تطبيعا مع الاحتلال”، و”تبييضا لعقود من القمع”، وطالبوا بوقفه فورا أو بالحصول على “موافقة الممثلين القانونيين للشعب الصحراوي”… لقد تحول بيانهم الصادر في 7 غشت تحت عنوان The Odyssey Manifesto إلى إعلان سياسي لا صلة له بالسينما، يكرر الشعارات ذاتها التي أرهقت آذان العالم، ويعيد إنتاج معزوفة الأسر الأبدي.

وقد تناقلت منابر دولية مثل الغارديان وفوربس ويورونيوز وديموكراسي ناو هذه الانتقادات كما لو أنها شهادة تاريخية، بينما لم يعلق نولان مطلقا على أباطيل الفنانين المرتزقة. أما الإعلام المغربي فقرأ في الحدث دلالة مغايرة: أن الداخلة لم تعد فضاء منغلقا كما تريد الجزائر، بل تحولت إلى منصة مفتوحة للإبداع العالمي، مدينة تحتضن التنمية وتستقطب الفن، وتكسر الصورة النمطية التي حاول الخطاب الانفصالي ترسيخها منذ عقود. وهنا يتضح جوهر الحملة: لم تكن ضد نولان، بل ضد الصورة الجديدة التي قد يخرج بها فيلمه، صورة صحراء تبنى وتزدهر، لا صحراء أسيرة في خيال المخيمات.

إن الخطاب الذي صاغه القائمون على فيصحارى ضد تصوير فيلم نولان لا يقوم على رؤية فنية أو اعتبارات جمالية، بل على توظيف الفن كسلاح سياسي في معركة دعائية عقيمة؛ فبدل أن ينظر إلى السينما كفضاء مفتوح لتجسيد التنوع الإنساني وتبادل الخبرات جرى حشرها في زاوية ضيقة، تختزل فيها كل صورة إلى “تطبيع” وكل لقطة إلى “تبييض”. هذا المنطق لا يعكس حرصا على الحرية، بل يفضح عجزا عن مواجهة الواقع: فالمغرب، من خلال استقراره واستثماراته، جعل من الداخلة منصة للتنمية والانفتاح، بينما يصر خصومه على إبقاء المخيمات رهينة خطاب المظلومية. وهكذا يتحول النقد إلى إنكار، والفن إلى ذريعة، في مسعى يائس إلى حجب تحول لا يمكن حجبه.

رابعا، بين وهم المخيم وواقع التنمية:

من حق الصحراويين المحتجزين أن يسألوا: ما الذي غيره المهرجان منذ أكثر من عشرين عاما؟ هل تحسنت أوضاعهم؟ هل فتح لهم باب العودة إلى وطنهم؟ أم إن القيود مازالت هي ذاتها، بينما وحده الخطاب الجزائري يستفيد من هذه الاستعراضات؟ الجواب بين: المأساة لم تتغير، لكن الدعاية استمرت. وهكذا يغدو فيصحارى شاهدا على مأساة مركبة: مأساة بشر محتجزين، ومأساة فن يستغل لتزيين احتجازهم، ومأساة مجتمع دولي يستدرج إلى عاطفة عابرة تغطي على جذور الأزمة.

فالذي يريد الإنصاف لا يقيم مهرجانات تحت الخيام، بل يحرر الأسرى من الخيام نفسها، والذي يبحث عن الحرية لا يزخرف خطاب العزلة، بل يفتح الأبواب أمام العودة والاندماج. ومن هنا فإن إنصاف الصحراويين لن يأتي من مهرجان يبيع الوهم تحت لافتة الفن، بل من مشروع يضمن لهم الكرامة داخل وطنهم، ويفتح لهم آفاق التنمية والحرية. عندها فقط يمكن للسينما أن تستعيد صفاءها، وأن تكون لسان الحقيقة بدل أن تتحول إلى قناع يخفي الاستغلال السياسي.

إن ما يكشفه فيصحارى بجلاء أن الثقافة حين تختطف من رسالتها الإنسانية تتحول إلى أداة للعزلة لا إلى جسر للحرية؛ فالمهرجان لا يحرر المخيلة ولا يفتح الأفق، بل يضاعف قيود المخيم ويكرس الوهم بدل الحقيقة. أما السبيل إلى إنصاف الصحراويين فلن يبنى على مشاهد عابرة فوق شاشة من قماش، بل على مشروع سياسي واقعي كالحكم الذاتي، يضمن لهم الكرامة في وطنهم، ويعيد إلى الفن صفاءه وإلى الحرية معناها.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

صوت وصورة
حكايات ما تقالتش | الرابور علي صامد
الجمعة 9 أكتوبر 2026 - 23:30

حكايات ما تقالتش | الرابور علي صامد

صوت وصورة
ميطا 3 | هل حسم المغرب لقب "الكان"؟
الجمعة 9 أكتوبر 2026 - 21:23 3

ميطا 3 | هل حسم المغرب لقب "الكان"؟

صوت وصورة
ليلة رعب في أولاد عياد
الجمعة 9 أكتوبر 2026 - 20:45 2

ليلة رعب في أولاد عياد

صوت وصورة
المعارضة وتفعيل التوجيهات الملكية
الجمعة 9 أكتوبر 2026 - 20:30 2

المعارضة وتفعيل التوجيهات الملكية

صوت وصورة
إشادات بمضامين الخطاب الملكي
الجمعة 9 أكتوبر 2026 - 20:02 4

إشادات بمضامين الخطاب الملكي

صوت وصورة
الملك محمد السادس يترأس افتتاح البرلمان
الجمعة 9 أكتوبر 2026 - 16:00 8

الملك محمد السادس يترأس افتتاح البرلمان