القراءة المؤجلة والوحي القرآني .. الفجوة بين أمر "اقرأ" وتفشي الأمية

القراءة المؤجلة والوحي القرآني .. الفجوة بين أمر "اقرأ" وتفشي الأمية
صورة: و.م.ع
الخميس 28 غشت 2025 - 02:00

من اللافت أنّه رغم حضور القراءة بقوة منذ اللحظة الأولى للدعوة الإسلامية، بوصفها أول أمر إلهي في الوحي: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾، ظلّت القراءة والكتابة بين المسلمين محدودتين لعقود طويلة. وجه الغرابة الأول هو أن أهل مكة، وفق الروايات التراثية، لم يكن فيهم إلا عدد قليل يعرفون القراءة والكتابة. ولذلك، يبدو الأمر بالقراءة في تلك المرحلة، كأول آية، وهو أمر موجه إلى أهل مكة، غير مفهوم تماما.

هذا ما دفع بعض المفسرين إلى تأويل فعل “اقرأ” بأنه “التلاوة”؛ غير أنّ تتمة الآيات: ﴿الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ﴾ تضيّق من هذا التأويل، إذ تشير بوضوح إلى فعل الكتابة، لا مجرد التلاوة من الذاكرة. ثم نجد سورة كاملة تحمل اسم “القلم”، وتفتتح بقسم صريح: ﴿ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ﴾. وتعود الإشارات إلى الكتابة والمداد في مواضع أخرى؛ مثل آية سورة الكهف: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي﴾، وفي سورة لقمان: ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلاَمٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ﴾. هذا التكرار يكشف كيف أن القرآن رفع من شأن القلم والمعرفة المكتوبة، بل وضعهما في قلب رسالته الحضارية.

لكن على أرض الواقع، لا نجد أثرا لسياسة واضحة تنظم التعليم أو تنشر القراءة والكتابة، لا في مكة ولا في المدينة، لا زمن الرسول بعد استقرار الدعوة، ولا في عهد الخلفاء الراشدين. كل ما يروى لا يتجاوز خبر أسرى بدر الذين فدى بعضهم نفسه بتعليم عشرة من صبية المسلمين. ورغم دلالة هذه الحكاية على قيمة التعليم، فإنها تظل استثناءً معزولا؛ بل هي حكاية غريبة في ذاتها، إذ توحي بأن عددا كبيرا من الأسرى كانوا يعرفون الكتابة. وهذا يتعارض مع ما نُقل عن محدودية من يقرأ ويكتب في قريش، وكذلك يظهر الخبر أهمية تعليم صبية المسلمين؛ لكن لا يوجد أي خبر عن وجود ممارسة متواصلة لتعليم القراءة والكتابة.

والأغرب هو أنّ في الحيرة (العراق) قبل الإسلام مدارس يتعلم فيها الناس الكتابة (العربية والآرامية) تعليما نظاميا، سواء لتخريج كتبة الملوك أو رجال الدين أو المشتغلين بالتجارة. ومع ذلك، لم يُحتذَ هذا النموذج في المدينة لا في عهد الرسول ولا في عهد الخلفاء، رغم أن النص القرآني زاخر بالإشارات التي تمجد القلم والكتابة. ونعرف أن القرآن نفسه بقي متفرقا في الرقع والصحف والجرائد دون عناية كبيرة بتجميعه مصحفا إلا بعد استشهاد عدد كبير من حفظة القرآن في معركة اليمامة، وبصعوبة وافق أبو بكر على تدوين القرآن كاملا بعد إصرار عمر بن الخطاب ونفور أبي بكر من فعل أمر لم يفعله الرسول من قبل.

ولدينا من أخبار العرب الحكاية الشهيرة عن صحيفة المتلمس. فقد غضب عمرو بن هند ملك الحيرة على الشاعرين المتلمس وطرفة بن العبد، فكتب لهما رسالتين مختومتين أوهمهما أنهما جائزتان، وأمرهما بتسليمهما إلى عامله في البحرين. شك المتلمس في الأمر، وأراد فض الرسالتين؛ لكن طرفة امتنع، فافترقا. اعترض المتلمس غلاما (وبعض النسخ تقول امرأة) من عبد القيس في الطريق، وطلب منه قراءة ما في الصحيفة. فلما قرأها وجدها تحمل الأمر بقتله، فألقى بها المتلمس في النهر ونجا بنفسه هاربا إلى الشام. أما طرفة فقد مضى حتى بلغ البحرين بالرسالة التي تحمل أمر قتله، فقتل. والمفارقة هي أن المتلمس، وهو من إقليم البحرين أصلا؛ لكنه نشأ سنوات من حياته في مكة بين أخواله بني يشكر، لم يكن يعرف القراءة، بينما كان يعرفها غلام من عبد القيس، وهي قبيلة قريبة من البحرين، متصلة بالحيرة حيث وجدت مدارس التعليم.

حاول البعض تبرير هذه المفارقة بحجج تبدو منطقية للوهلة الأولى؛ لكنها تسقط عند أول فحص جدي لها، فقول بعضهم إن الأولويات العسكرية والسياسية حالت دون الاهتمام بالتعليم يجافي أبسط قواعد الاستراتيجية. فأي قائد يدرك أن الجيش المتعلم أقوى وأكثر فاعلية من الجاهل. القدرة على قراءة الخرائط، وكتابة التقارير العسكرية، وتنظيم سجلات الأسلحة والمؤن، وإدارة المراسلات بين الجبهات المختلفة… كل هذا يتطلب معرفة بالقراءة والكتابة؛ بل إن الحاجة العسكرية كانت ستكون دافعا إضافيا قويا لنشر التعليم، لا عائقا أمامه.

والقول بأن التقليد الشفهي القوي في المجتمع العربي كان كافيا ولا حاجة إلى الكتابة والقراءة يصطدم بحقيقة مركزية: إذا كان القرآن نفسه يضع القراءة والقلم في مقدمة رسالته الحضارية، فإن الاستمرار في الاعتماد على الشفهية وقوة الذاكرة وحدها يصبح تجاهلا صريحا وغريبا لهذا التوجيه الإلهي الأساسي.

أما من يقول إن الظروف الاقتصادية المحدودة لم تسمح ببناء سياسة تعليم منظمة فقول لا معنى له أمام واقع الغنائم التي تدفقت على المسلمين من الغزوات والفتوحات. الغنائم كانت وفيرة، والقدرة على استقدام معلمين من المناطق المتعلمة كانت متاحة تماما. حادثة أسرى بدر نفسها تثبت هذا بوضوح: إذا كان بالإمكان الاستفادة من معرفة الأسرى بالكتابة مقابل حريتهم، فبالأولى كان يمكن الاستفادة من معلمين أحرار مقابل أجور مناسبة؛ بل إن هذا كان سيحقق عوائد اقتصادية أكبر على المدى الطويل من خلال تحسين إدارة الدولة وتجارتها.

وأما القول بالتطبيق التدريجي للمبادئ القرآنية فهو حجة واهية، لأن القراءة ليست مبدأ ثانويا يمكن تأجيله؛ بل هي الأمر الأول في الوحي. إذا كان هناك شيء يستحق الأولوية والبدء الفوري، فهو هذا الأمر بالذات. والتدرج لا يعني التجاهل، بل يعني البناء المنهجي المتواصل.

تشير هذه المفارقة بين الدعوة القرآنية الصريحة لتعلم القراءة وبين الوضع على أرض الواقع إلى فجوة خطيرة بين النص وبين الممارسة العملية في أخطر المراحل التكوينية للحضارة الإسلامية. إذا كانت “اقرأ” هي البداية الحقيقية للرسالة الإلهية، فكيف لم تترجم إلى برنامج حضاري واضح ومؤسسي راسخ؟ وكيف اكتفي بالحفظ والمشافهة في مجتمع يتلقى وحيا يمجد القلم ويقدس الكتابة؟

وأمّا في زمننا فإننا نكرر دون توقف أننا “أمة اقرأ”، وأننا “خير أمة أخرجت للناس”؛ غير أن واقع حالنا، ويا للأسف، مزر، والقراءة آخر همنا. نردد الشعارات ونتغنى بالنصوص؛ لكننا نظل في أسفل السلم في معدلات القراءة والبحث العلمي والإنتاج المعرفي.

هكذا يتجلى التناقض وتتسع الفجوة: القرآن يضع القراءة والقلم في قلب رسالته الحضارية؛ لكن المسلمين، من الأوائل إلى المعاصرين، ظلوا يكتفون بالحفظ والترديد. ويبقى السؤال: كيف غابت القراءة، وهي أول أمر نزل من الوحي، عن أن تكون ممارسة مؤسسية راسخة منذ البدايات؟ وكيف نخرج من هذه الدائرة المفرغة التي تجعلنا نردد “اقرأ” ولا نقرأ؟

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

7
  • منصف
    الخميس 28 غشت 2025 - 02:23

    المسلمون يكفيهم الآيات و الاحاديث التي تتكلم عن المرأة.فهم شغوفون بها اكثر من العلم والتعلم والقراءة ولكن ليس لانصافها بل للتصدي لها بتلك الآيات و الاحاديث كلما طالبت حق من حقوقها كي لا تأخذها لذلك هم مهتمون بتلك الآيات والاحاديث فقط والباقي لا يهمهم اما العلم والمعرفة فاتركوهم للغرب وأمريكا والنصارى عموما فهم من يعرفون قيمتهم جيدا والدليل أنظروا إلى أين وصلوا واين وصلنا نحن.قوم يفكر بعقله وقوم يفكر بي…..الخبار فراسكم

  • الطنز البنفسجي
    الخميس 28 غشت 2025 - 09:16

    القبائل العربية في جزيرة العرب كانت بصفة عامة امية لا تقرأ ولا تكتب وتستعمل الكتابة في حالات محددة في المراسلات والاتفاقات التي كانت تعلق على جدار الكعبة.. العرب وقتها كان العلم محصورا في شيئين فقط : الشعر والقفاية.
    بخصوص الشعر كان يمشي سليقة على لسانهم ولا يكتب منه إلا اجتمع واتفق على كتاباته كالمعلقات وكان ينتقل حفظا وتواترا فقط, اما علم القفاية فهو علم عرف به العرب وهو ما يسمى اليوم علم الانساب.
    غير هذا كان العرب يعيشون حياة بدوية صرفة لا تحركها إلا الحروب والنزاعات، بينما العراق والشام التي كان يتقاسمها تواليا الفرس والرومان فكانت مناطق حضارة وعلم، وعندما أسلمت انفجرت علومها على العالم بأسره.
    بالنسبة للمغرب، فالعلم في مستواه القرائي والانتاج الفكري الادبي فارتبط أساسا بما تجود به الاندلس، وبشكل خاص جدا بعد دخول الموريسكيين فاس وطنجة.. حيث كان نصيب المغرب من أهل فاس عظيم جدا أكثر بكثير من الجزائر وتونس ومصر.. بحيث كان المغرب الوريث الشرعي للحضارة الاندلسية والتي ساهم فيها أصلا بشكل عظيم.
    مع ذلك ارتبط العلم بمدن كفاس طنجة الرباط مراكش تطوان فيما بعد.

  • الطنز البنفسجي
    الخميس 28 غشت 2025 - 09:27

    أزمة كورونا والحجر عرا كلشي…. بانت لينا الدول الغربية المتحضرة المتقدمة .. السيبة والنهب والفوضى فأمريكا.. أوروبا شفنا ألمانيا للي سدات على الاتحاد الاوروبي وقالت ليهم كلها يعوم بحرو.. شفنا الدول الاسكندنافية للي منعات تلقيح الناس فوق ٦٠ عام وخلاتهم للمصير ديالهم حيث مابقاوش منتجين.. شفنا إيران شفنا الصين…….. وشفنا المغرب، قمة التضامن والانضباط.. الملك قال لينا خاصنا نديرو صندوق كورونا ونجمعو ٥ مليون دولار… فأسبوع جمعنا ١٨ مليون دولار انا والله حتى بكيت… هادشي درناه حنا المتخلفين وللي مقابلين غير أحكام النساء فالقرآن.
    للأسف وسمح لي بزاف، انت معارف والو على الخدمة للي كيديرو باش تبقى ديما تشوف راسك متخلف جاهل … حل عينيك مزيان وشوف مللي تشوف.
    سمح لي انا قلت هادشي حبا فيك ماشي العكس.

  • Visiteur
    الخميس 28 غشت 2025 - 11:35

    القراءة والكتابة والعلوم بصفة عامة إنتهت مع نهاية العصر الذهبي بانهيار الخلافة العباسية ، حيث شهدت الحضارة الإسلامية آنذاك نهضة علمية هائلة، وازدهرت فيها العلوم المختلفة كالفلك والطب والكيمياء والفلسفة.

  • chatgpt
    الخميس 28 غشت 2025 - 11:47

    وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَٰذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا (30)

  • ويثيوجان
    الخميس 28 غشت 2025 - 16:42

    القراءة أوسع من شكلها المادي، فحتى مع بروز الكتابة في الحيرة وحركتها البطيئة في المدينة، استطاعت الأخيرة أن تظهر حضارة معرفية. فالجوهر ليس في الشكل أو الكم، بل في كيف تقرأ (المسموع والمنظور والمسطور) وماذا تكتب. كم من موسوعي أكثر المطالعة والتأليف بلا أثر ملموس، وكم من محدود فيهما ترك ابتكارات هائلة، كما يظهر في نماذج معاصرة مثل تيم بيرنز لي مخترع الشبكة العالمية، سيرجي برين مؤسس جوجل، وستيفن هوكينغ.

    أما القلم في القرآن، فهو متشابه: إشارة إلى شيء مادي في الشهادة وغيبي في الوقت نفسه. ولذلك، ربما يكون الخط كما في الآية الكريمة: “وما كنت تتلو من قبلِه من كتاب ولا تخطه بيمينك، إذاً لارتاب المبطلون” هو الأصح للكشف عن أبعاد القراءة التي ركز عليها القرآن، باعتبارها تلاوة وتبليغ واستيعاب. ومن هنا تتضح أهمية عناصر مثل التدبر، التفكر، التعلم، النظر، والوعي، وهي الأهم سواء في التلقين الشفوي، أو الكتابة، أو في النماذج اللغوية الحديثة مثل LLMs، أو أي وسيلة مستقبلية تنتمي لما ورد في الآية 8 من سورة النحل: “ويخلق ما لا تعلمون”.

  • سامي
    الخميس 28 غشت 2025 - 21:44

    المجتمع العربي كان مجتمعا يدويا جاهلا غارقا في الاقتتال والحروب والتطاحنات قبل الاسلام…لم تكن في وادي مكة لا حضارة و لا بنيان ولامدارس ولا علوم…..هذه هي الحقيقة…

صوت وصورة
رالي المغرب يخترق الصحراء
الأحد 27 شتنبر 2026 - 23:36

رالي المغرب يخترق الصحراء

صوت وصورة
مستشفى تيفلت بلا تجهيزات
الأحد 27 شتنبر 2026 - 22:03

مستشفى تيفلت بلا تجهيزات

صوت وصورة
البيضاء تخسر "ذاكرة السينما"
الأحد 27 شتنبر 2026 - 21:30

البيضاء تخسر "ذاكرة السينما"

صوت وصورة
تعليقات على النتائج الانتخابية
الأحد 27 شتنبر 2026 - 19:33

تعليقات على النتائج الانتخابية

صوت وصورة
شكاوى "فضاء السعادة" بالهراويين
الأحد 27 شتنبر 2026 - 18:08

شكاوى "فضاء السعادة" بالهراويين

صوت وصورة
أزمة الكراء في سلا
الأحد 27 شتنبر 2026 - 13:17

أزمة الكراء في سلا