الصين و"مبادرة الحوكمة العالمية"

الصين و"مبادرة الحوكمة العالمية"
الجمعة 19 شتنبر 2025 - 22:50

وَرَدَ الإعلان عن “مبادرة الحوكمة العالمية” (Global Governance Initiative – GGI) ضمن كلمة الرئيس الصيني في القمة الـ25 لمنظمة شنغهاي للتعاون (SCO) التي عُقِدَت في مطلع سبتمبر 2025 في مدينة تيانجين الصينية. وتُعْتَبَرُ هذه المبادرة الأحدث من بين عدد من المبادرات الهامة وذات الطابع العالمي التي سَبَقَ أنْ طَرَحَتْها الصين خلال السنوات الماضية، بدءًا من مبادرة الحزام والطريق، ومبادرة المستقبل المشترك للبشرية، ووصولًا إلى مبادرة الأمن العالمي، ومبادرة التنمية العالمية، ومبادرة الحضارة العالمية…

ويأتي طَرْحُ مبادرة الحوكمة العالمية في توقيتٍ هام، وذلك قبل أسابيع قليلة من انعقاد الدورة الـ80 للجمعية العامة للأمم المتحدة والاحتفال بالذكرى الثمانين لتأسيس هذه المنظمة الدولية، وفي زمنٍ يَتَّسِمُ فيه المشهد الدولي بالتعقيد وحالة من السيولة وعدم اليقين، بسبب ما يَعْتَرِي الواقع الدولي من تحولات متسارعة، وفوضى، وتحديات كبيرة وغير مسبوقة، الأمر الذي يُعَزِّز الدعوات إلى نظام عالمي متعدد الأقطاب وأكثر عدالة وإنصافًا، وتمثيلًا وشمولية، لاسيما في ظل عدم قدرة الأمم المتحدة ومجلس الأمن على وقف الحروب وأعمال العدوان، والإبادة الجماعية، وعَجْزِها عن إيجاد حلول سلمية للنزاعات الدولية والإقليمية والأهلية.

وقد أصدرت وزارة الخارجية الصينية مذكرة مفاهيمية لشرح وتفسير مبادرة الحوكمة العالمية وأهدافها ومَرْتَكَزَاتِها وخطواتها المقبلة. وتَنْطَلِقُ المبادرة من توصيف الواقع الدولي الحالي، حيث تَعَانِي الحوكمة العالمية من العجز والقصور الذي تَتَمَثَّلُ أوجهه، وفقًا لهذه المبادرة، في ثلاث مجالات هي: نقص تمثيل الجنوب العالمي، وتآكل سلطة القانون الدولي والقرارات الدولية الصادرة عن الأمم المتحدة، والحاجة الملحة لزيادة الفعالية لمواجهة التحديات العالمية.

وتُحَاوِلُ المبادرة تقديم مساهمة في بناء السلام العالمي والتنمية العالمية، تأسيسًا على المَرْجِعِيَّات الأساسية للحوكمة العالمية، وفي مُقَدِّمَتِها مبادئ ومقاصد الأمم المتحدة. وتُؤَكِّدُ المبادرة على الالتزام بخمسة مبادئ هي: المساواة في السيادة، وسيادة القانون الدولي، وتعددية الأطراف، ووضع مصلحة الشعب في المقام الأول (التنمية المشتركة)، وتحقيق نتائج ملموسة من خلال معالجة الملفات الواقعية.

وتَرْسُمُ المبادرة ما يمكن اعتباره خريطة طريق عامة، وذلك من خلال وضع عدد من الخطوات لاتباعها في المرحلة المقبلة وهي: تحديد الاتجاه والمبادئ والمسار لإصلاح منظومة الحوكمة العالمية وآلياتها؛ تعزيز كفاءة وفعالية المنظومة الدولية والآليات الدولية القائمة؛ وجعلها تتكيف مع الظروف المتغيرة بصورة أفضل؛ وتمكينها من مواجهة التحديات العالمية على نحو سريع وفعال؛ والدَّفْعُ بإقامة مجتمع المستقبل المشترك للبشرية؛ وإعطاء الأولوية لتعزيز التواصل والتعاون في مجالات إصلاح الهيكل المالي الدولي والذكاء الاصطناعي والفضاء السيبراني وتغير المناخ والتجارة والفضاء الخارجي؛ والمجالات المتعلقة بالحفاظ على المكانة المركزية للأمم المتحدة ودعمها لتنفيذ “ميثاق المستقبل”.

ولعل تأكيد المبادرة على إصلاح آليات منظومة الحوكمة العالمية، يَدُلُّ على أنها ليست بديلًا للآليات القائمة، وإنما ترمي بحجر في المياه الراكدة للمنظومة الدولية، وتَعكِسُ الرغبة والطموح من طرف الصين لتعزيز كفاءة وفعالية الآليات القائمة في مختلف مجالات الحوكمة العالمية، من أجل مواجهة التحديات العالمية، وذلك بالتعاون والتنسيق مع الأطراف الدولية. وفي هذا يقول وزير الخارجية الصيني “وانغ يي” أن الصين “لا تَسْعَى إلى أن تُعِيدَ بناء النظام الدولي من الصفر ولا إلى أن تَحُلَّ مَحَلَّ أي دولة أخرى، بل تَسْعَى للعمل مع جميع الدول المسؤولة حول العالم من أجل تحسين الحوكمة العالمية من خلال الإصلاح، ومواءمتها مع متطلبات العصر الجديد، وحماية ميثاق الأمم المتحدة بشكل حقيقي، وممارسة التعددية بشكل فعال، وتعزيز تنمية البشرية وتقدمها بشكل أفضل”.

واللافت للانتباه أيضًا هو سِيَاقُ طَرْحِ المبادرة، ألا وهو “قمة منظمة شنغهاي للتعاون” التي وُصِفَت بأنها أكبر وأهم قمة للمنظمة منذ تأسيسها، مما يشير إلى تَنَامِي دور تلك المنظمة الإقليمية وإمكانية اضطلاعها بدور أكبر في الحوكمة العالمية مستقبلًا، خاصة في ضوء التوسع الذي تَشْهَدُهُ في عضويتها، وتزايد طلبات الدول للانضمام إليها كشركاء حوار، وكذلك النظرة إلى الصين كدولة قائدة في هذا السياق وكقاطرة للجنوب العالمي عُمومًا.

ويَبْقَى السؤال المطروح: إلى أي حد سوف تُسَاهِمُ هذه المبادرة في إصلاح الحوكمة العالمية؟ وما مدى قدرتها على تحقيق تطلعات الجنوب العالمي والدول النامية في رؤية نظام عالمي جديد يكون أكثر عدالة وإنصافًا وأوسع تمثيلًا وشمولية؟ الجواب ربما تَحْمِلُهُ الأيام القادمة لمعرفة مدى تجاوب المجتمع الدولي مع هذه المبادرة، وهو ما سَتَتَّضِحُ بعض ملامحه ربما في كلمات قادة وممثلي دول العالم في جلسات الشق رفيع المستوى للجمعية العامة للأمم المتحدة، والذي يُصَادِفُ هذا العام الذكرى الثمانين لتأسيس المنظمة الأُمَمِيَّة.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

1
  • MC
    الأحد 21 شتنبر 2025 - 14:42

    “.Trust, but verify”

    “ثِقْ لكن تَحَقَّقْ.”

    (Ronald Reagan)
    (أهمية عدم قبول أي مبادرة أو وعد على علاته، بل من الضروري التحقق من الوقائع والتفاصيل.)

    أستاذي،
    إن مبادرة الحوكمة العالمية التي طرحتها الصين تثير العديد من التساؤلات حول نوايا القوى العظمى في إعادة تشكيل النظام الدولي. فمن ناحية، تبدو المبادرة وكأنها دعوة إلى عالم أكثر عدالة وشمولية، لكن من ناحية أخرى، لا يمكننا تجاهل رغبة هذه القوى في تعزيز نفوذها وتأثيرها على المشهد العالمي، وتحقيق مصالحها الاستراتيجية تحت غلاف إصلاحاته.

    الغموض المحيط بهذه المبادرات يجعلنا نُحجم عن الثقة المطلقة بها، ولا سيما في ظل تعدد المصالح المتضاربة وصراعات القوة المستترة التي لا تظهر في العلن. قد تتخذ هذه المبادرات شكل تعاون دولي، لكنها غالبًا ما تخفي أبعادًا سياسية واقتصادية معقدة، يتعين علينا أن نكون يقظين تجاهها. فالتاريخ يعلمنا أن المبادرات الأكبر لا تعني دائمًا الأفضل، وأن التوازن الحقيقي يتطلب مراقبة دقيقة وشفافية كاملة.

    “حين يتلألأ الضباب بمصابيح المبادرات العظيمة، علينا أن نحتفظ بنظارة الشك لنتمكن من رؤية الحقيقة خلف الأضواء.”

    ALHOCEIMA

صوت وصورة
مغربيات وتعيين المنصوري
السبت 3 أكتوبر 2026 - 15:12 2

مغربيات وتعيين المنصوري

صوت وصورة
شوكي: مصلحة الوطن أولا
السبت 3 أكتوبر 2026 - 13:49 6

شوكي: مصلحة الوطن أولا

صوت وصورة
المنصوري: نقاش حاد وخطوط حمراء
السبت 3 أكتوبر 2026 - 13:29 4

المنصوري: نقاش حاد وخطوط حمراء

صوت وصورة
دورة استثنائية للأحرار
السبت 3 أكتوبر 2026 - 12:44 3

دورة استثنائية للأحرار

صوت وصورة
غلاء الخضر مع بداية الخريف
السبت 3 أكتوبر 2026 - 11:54 2

غلاء الخضر مع بداية الخريف

صوت وصورة
غلاء المحروقات يركن السيارات
الجمعة 2 أكتوبر 2026 - 23:03 14

غلاء المحروقات يركن السيارات