المحتجون والمهتاجون...

المحتجون والمهتاجون...
الإثنين 6 أكتوبر 2025 - 14:49

من رحم وضعٍ محتقنٍ وُلِدَ الحراك الشبابي، يتأبَّطُ اسمًا كثيفَ الدلالة: “جيل Z” (زِيد). يرغبُ في التقدُّم وحَلْحَلَةِ الوضع، وانتزاعِ مآلِه المُعْتَمِ من قبضةِ نخبةِ الجيل السابق، التي لم تتوقَّفْ عن اغتنام الفرصِ لتعميقِ الفوارق الاجتماعية، ولتوسيعِ دائرةِ القهر الناعم. إنه احتجاجٌ شبابيٌّ أراده أصحابُ حراك “جيل Z” أن يكونَ في منطلقه مسترشدًا بصراع الأجيال؛ لأنهم يُعِيبون على الجيل السابق من القادة السياسيين تأزيمَ الوضع بشكلٍ متفاقم، ويُؤاخِذون على الجيل السابق من المعارضين قلةَ حيلته، وخُفوتَ صوته. إنه جيلٌ يريد أن يعيدَ للسياسة بريقها، ويعيدَ للصراع السياسي معناه. إنهم يحتجون ضد السلطة السياسية، وطريقةِ تدبيرها لقضايا حارقة: التعليم والصحة.

حراكٌ شبابيٌّ آخَرُ يتسربلُ بالحرف الأخير “Z”، وكأنه يريد أن يقولَ كلمته الأخيرة، وصوتُ حالِه يقول: لا شيء يمكن أن يُقال بعد هذا البوح، انتهت أبجديَّةُ الكلام، ولم يعدْ ممكناً تأجيلُ الفعل. لقد خرَجَ الشبابُ من الفضاء الرقمي، الذي دأبوا فيه على تبادل التعبير عن آمالهم وطموحاتهم، وعلى تقاسم تدوين آلامهم وإحباطاتهم، إلى الفضاء العمومي، الذي أرادوا أن يجسُّوا فيه نبضَ الدينامية، ويقيسوا درجةَ الإنصات. لقد أرادوا لاحتجاجهم أن يكون “احتجاجًا علنيًّا”، فلماذا حوَّلَتْه السلطةُ إلى طقسٍ من طقوس “العشاء السري”، وتعاملت معه بالصَدِّ والاعتقال؟ هل مردُّ ذلك إلى العَمَى السياسي، لأنها في اعتقادها ليس هناك ما يدعو للاحتجاج؟ أم مردُّه إلى القمع السياسي، لأنها لا تقبلُ الاحتجاجَ قطعًا؟ أم مردُّه إلى الوصاية السياسية، لأنها لا تستسيغ أن يحتجَّ الشبابُ عليها، هي الدولةُ الراشدةُ والرشيدة؟

لقد كشف الحراك الشبابي لـ “جيل Z” عن مجموعةٍ من الإشارات، التي ينبغي التقاطُها بكل جدية:

أراد الشبابُ أن يقول إن “جيل Z” ليس كُلُّه جيلَ تافهين وضِباع، وأنه جيلٌ لم يبتلِعْه العالم الافتراضي، فلا يزال قادرًا على سَبْرِ غَوْرِ دروب الواقع، ولم تُفَهِّهْه منزلقاتُ الفضاء الأزرق، فلا يزال بإمكانه الانخراطُ الجادِّ في الدفاع عن القضايا المشروعة، التي لا يُخْطِئُ وجهتَها.

تظهر فصاحةُ الاحتجاج الشبابي في كونه أماط اللثامَ عن مَا وراءَ الصمت، وأن الصمتَ ليس دائمًا علامةً على الرضى، فأحيانًا يكون الصمتُ سخطًا دفينًا، وأن الصمتَ ليس دائمًا دالًّا على العزوف، بل قد يكون عزفًا حزينًا. وبالتالي فالصمتُ إزاء وضعٍ متأزِّم، وأمام قهرٍ اجتماعي، قد ينفتح على كل الاحتمالات، ويُنذر بانفجارٍ لا يمكن التكهُنُ بتداعياته.

سلَّط الحراكُ الشبابي الضوءَ على الشباب كقيمةٍ مَعلومةٍ، لفكِّ مجاهيل المعادلة السياسية، وإعادة التفكير بمنطقٍ مغايرٍ في إبداع حلول جديدة للمستقبل. وأبان عن عدم ملاءمة آليات السلطة السياسية الحالية لطبيعة الجيل الجديد، الذي كان فقط يريد “أخذ الكلمة”، والإبلاغَ عن صوته، والتعبيرَ عن رأيه.

لقد قَدَّم الحراكُ الشبابي احتجاجًا فرجويًّا بالمعنى الإيجابي للكلمة، إذ خرجوا من الفضاء الافتراضي، وهم المتمرسون على التعبير بالصورة، فقدَّموا حجاجَهم بإخراجٍ سينمائي مبهر، تحوَّلت فيه السلطةُ إلى موضوعٍ للتصوير، بدا فيه رجالُ السلطة مرتبكين أمام الكاميرا، بقوة المشهد، وعدم ضبطهم للسيناريو. كان الشبابُ يحتجون بحبكةٍ يتحكَّمون في تشخيصها، ويحاجُّون بقوةٍ يستحيل مُقارعتُها أو مضاهاتها.

كما أكَّد الشبابُ على أن الاحتجاجَ ليس ظرفَ زمنٍ ماضٍ، ممنوعٍ من الصرف، وبالتالي فإن الاحتجاجَ ليس حكرًا على الأجيال السابقة، بل إنه سمةٌ مميزةٌ للجيل الحالي، بل نَبَّهوا إلى أن دواعي الاحتجاج قائمة، وأن إمكانيةَ تصريفه في الحاضر واردة. لكن شتانَ بين شبابٍ يحتجون ويحاجُّون من أجل الإصلاح، وبين فئاتٍ عريضةٍ “محتاجون” و”مهتاجون” بغرض الانتقام العشوائي.

بالتأكيد لا مسوغَ لأعمال التخريب، وأن القانونَ سيأخذ مجراه ضد المهتاجين والمتهورين، والمهدِّدين للأمن العام. ولكن علينا ألا نخلط بين حراكٍ احتجاجي سلمي واهتياجٍ يروم استعراضَ العنف. وعلينا ألا نربط بينهما، فنجعل الاحتجاجَ هو مصدر الاهتياج، ونَجْعَلَ خيارَنا بين نارين: إما الانصياع لفَجَاج السلطة أو الاصطدام بهياج الحقدة.

إن المحتجين هم أملنا في غد أفضل، والمهتاجين هم خيبتنا التي نحصد ويلاتها جراء مشهد سياسي مهترئ. والدَّرْسُ الذي ينبغي استخلاصه هو: إذا الشبابُ يومَ أراد الإصلاحَ، فلابُدَّ أن يستجيبَ الوطن.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

صوت وصورة
السيول تجتاح طرق إسني بالحوز
الأحد 11 أكتوبر 2026 - 19:49

السيول تجتاح طرق إسني بالحوز

صوت وصورة
جنرال أمريكي: المغرب مصدر للأمن
الأحد 11 أكتوبر 2026 - 16:47 2

جنرال أمريكي: المغرب مصدر للأمن

صوت وصورة
مبادرة ساكنة لفك العزلة
الأحد 11 أكتوبر 2026 - 15:06 9

مبادرة ساكنة لفك العزلة

صوت وصورة
تشييع المغربية ضحية الهجوم الحوثي
الأحد 11 أكتوبر 2026 - 10:57 2

تشييع المغربية ضحية الهجوم الحوثي

صوت وصورة
معرض الطيران يجمع الفرجة والمعرفة
السبت 10 أكتوبر 2026 - 23:30

معرض الطيران يجمع الفرجة والمعرفة

صوت وصورة
مضادات "درون" مصنوعة مغربيا
السبت 10 أكتوبر 2026 - 21:30 5

مضادات "درون" مصنوعة مغربيا