تشكّل الجالية المغربية في الخارج جزءًا أساسيًا من المغرب المعاصر. لم تعد الهجرة مجرد انتقال من بلد إلى آخر، بل أصبحت تجربة حياة تجمع بين الثقافة والعمل والخبرة. يحمل المغاربة المقيمون في الخارج جزءًا من الثقافة المغربية معهم، مما يسهم في تقريب المسافات الثقافية وتعزيز جسور التواصل بين المغرب والمجتمعات التي يعيشون فيها. أما الأموال التي يرسلونها إلى الوطن، فلا تقتصر على كونها تحويلات مالية فحسب، بل تشكل مصدر عيش للعديد من الأسر، إذ تساهم في تحسين التعليم، وتوفير الرعاية الصحية، ودعم المشاريع الصغيرة في المدن والقرى. وتظل الجالية المغربية في الخارج رافعةً قويةً للتنمية وواجهةً مشرّفةً للمغرب في العالم.
ومع ذلك، فإن العيش في الغربة ليس أمرًا يسيرًا دائمًا. فكثير من المغاربة يجدون صعوبة في الموازنة بين الانتماء للوطن الأم والانخراط في المجتمع الجديد. ومن هنا تبرز أهمية تربية الأجيال الجديدة على أن يكونوا مغاربةً في هويتهم، منفتحين على العالم في فكرهم، قادرين على التوفيق بين أصالة التقاليد وروح الانتماء الوطني.
ثم إن الجالية المغربية تواجه اليوم تحديات متزايدة، من أبرزها المناخ السياسي المتقلّب في بعض الدول الأوروبية، خاصة مع صعود التيارات اليمينية المتشددة التي تتبنى مواقف معادية للمهاجرين. ففي إسبانيا، مثلًا، تواجه الجالية المغربية تحديات متزايدة، لا يقتصر قلقها على صعود اليمين المتطرف، مثل حزب «فوكس»، بل يشمل أيضًا الانتقادات الحادة من بعض السياسيين من أقصى اليسار تجاه المغرب.
ومن أبرز الأمثلة “بابلو إغليسياس”، الزعيم السابق لحزب بوديموس، الذي انتقد بشدة قرار مجلس الأمن الذي أكد أن مقترح الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية يمثل الخيار الأكثر واقعية لحل النزاع في الصحراء. كما دعا “بابلو إغليسياس” جبهة البوليساريو إلى استخدام السلاح، ما أثار قلق الجالية المغربية. إضافة إلى ذلك، نجد أن جزءًا مهمًا من الإعلام الإسباني يركز على نشر رسائل سلبية عن المغرب.
تتضافر هذه العوامل لتعزز شعور الجالية المغربية بالقلق، حيث يعتبرون أن التهديدات من اليمين المتطرف تترافق مع خطابات سياسية وإعلامية تؤثر على صورة المغرب ومكانة مواطنيه في الخارج.
داخل المغرب، ورغم الخطابات الرسمية التي تؤكد على أهمية الجالية، إلا أن الواقع يحتاج إلى خطوات فعلية. فسياسات واضحة مثل تسهيل الاستثمار، وحماية الحقوق، وتشجيع المشاركة في صنع القرار، يمكن أن تحول التقدير الرمزي إلى أثر حقيقي على أرض الواقع.
الجالية المغربية في الخارج ليست مجرد مصدر للأموال والتحويلات المالية، بل تمثل رأس مال بشريًا ومعرفيًا هائلًا. فهي تضم أفرادًا ذوي كفاءات عالية ومهارات متقدمة اكتسبوها من تجاربهم المهنية والعلمية في الخارج، ما يمكّن المغرب من الاستفادة من خبراتهم في مجالات متنوعة مثل العلوم والتكنولوجيا والإدارة والابتكار. وإذا تحقق هذا، فستصبح الجالية شريكًا استراتيجيًا في مسار التنمية المستدامة للمملكة، وليس مجرد مورد اقتصادي فحسب.
العلاقة بين الدولة والجالية تحتاج إلى ثقة وآليات واضحة. إن إنشاء مؤسسات لمتابعة شؤون المغاربة في الخارج يمكن أن يساعد في استمرار الدعم وتمكينهم من المساهمة الفعلية في تنمية الوطن. في هذا السياق، أستحضر خطاب صاحب الجلالة الملك محمد السادس، حفظه الله، بمناسبة عيد المسيرة الخضراء للسنة الماضية، الذي تناول فيه تجديد مجلس الجالية المغربية بالخارج وإحداث المؤسسة المحمدية للمغاربة المقيمين بالخارج، مؤكدًا من خلاله الرؤية الملكية الرامية إلى تعزيز الروابط مع المغاربة في الخارج ودعم المبادرات التنموية والاجتماعية.
رغم كل هذه الجهود والإمكانات، أظهر الواقع تقاعس بعض الحكومات في وضع سياسات واضحة لدعم المغاربة في الخارج، سواء في الاستثمار أو التعليم أو المشاركة في القرار. لذلك شدد جلالة الملك محمد السادس مرارًا على ضرورة إعطاء الجالية مكانتها الحقيقية وحمايتها، وتمكينها من المساهمة الفعلية في التنمية الوطنية.
في أقل من عام، ستُجرى الانتخابات التشريعية في المغرب، ومع اقترابها سيزداد اهتمام بعض الأحزاب بالجالية المغربية في الخارج، فتُكثِّف اللقاءات وتنظم الفعاليات وتُطلق الوعود. غير أن السؤال الذي يفرض نفسه يبقى واضحًا وبسيطًا: أين كانت هذه الأحزاب طوال هذه السنوات؟ وماذا قدمت فعليًا لدعم المغاربة المقيمين بالخارج خلال هذه الفترة؟
للأسف، يبدو أن اهتمام بعض الأحزاب بالجالية يقتصر على فترات محدودة، يظهر فقط عند اقتراب الانتخابات أو في مناسبات معينة، بينما في باقي الوقت لم نشهد أي جهود حقيقية أو برامج مستمرة لدعم الجالية في مجالات التعليم أو الاستثمار أو المشاركة في الحياة الوطنية.
الجالية المغربية ليست مجرد مصدر للأصوات أو الأموال، بل هي جزء من الوطن. من الأفضل أن تبني الأحزاب علاقة حقيقية ومستدامة مع المغاربة في الخارج، وأن يكون اهتمامها بها دائمًا، بعيدًا عن الاهتمام المؤقت أو المناسباتي.
“La maleta del emigrante siempre pesa el doble: por lo que lleva y por lo que deja”
“حقيبة المهاجر تزن دائماً ضعف وزنها: بسبب ما يحمله، وبسبب ما يتركه.”
قول شائع
(يركّز على العبء العاطفي والجسدي)
“El migrante tiene doble alma, la del que se fue y la del que llega”
“للمهاجر روح مزدوجة، روح الذي رحل وروح الذي وصل.”
Carlos Fuentes
(1928-2012)
أستاذ الحسن،
أشكرك أولًا على معالجة هذا الموضوع الحساس بروحٍ مسؤولة تليقُ بقضايا الوطن الكبرى. رسالتك وصلت بصدق: المغاربة في الخارج ليسوا أرقامًا في جداول التحويلات المالية أو أسماء في لوائح الانتخابات. هم امتدادٌ للبلد في فضاءات جديدة، وجسرٌ للتواصل الحضاري بين المغرب والعالم. التحديات التي يعيشونها تراكمُ سنواتٍ من الإهمال الرسمي والمقاربات الظرفية. المطلوب اليوم تفعيل سياسات دائمة تحترم كفاءاتهم وتضمن حقوقهم، وتربطهم فعليًا بمسار التنمية الوطنية. ما ينقص العلاقة هو المؤسسية والرؤية البعيدة، لا المواسم أو اللحظات العابرة. الجالية قادرة أن تُثري الوطن من خارج حدوده إذا ما جُعلت جزءًا من مستقبله، لا فقط من تاريخه أو شعاراته.
ALHOCEIMA