همجية بمظهر حداثي!

همجية بمظهر حداثي!
الثلاثاء 18 نونبر 2025 - 15:01

تطل علينا مظاهر الحداثة في أبهى صورها: ناطحات سحاب، وتكنولوجيا متقدمة، ووسائل اتصال سريعة، لكن تحت هذا القشر اللامع تتوارى “همجية متخفية” تسحب المجتمع إلى الوراء. إنها أزمة قيم وسلوك، تبرهن على أن التطور المادي لا يكفي لضمان الرقي الحضاري، بل تبقى التربية حجر الزاوية.

“?When education is neglected, what can we expect” (حينما تُهمل التربية، ماذا يمكننا أن نتوقع؟)

هذا القول، وإن لم يُنسب لفيلسوف معين، يلخص جوهر الأزمة؛ فالهمجية التي نراها اليوم هي نتاج فراغ تربوي ضخم، بدأ بالتراكم داخل أقدس المؤسستين: الأسرة والمدرسة.

الأسرة المغربية وأزمة التربية

تواجه الأسرة المغربية ضغطًا اقتصاديًا هائلاً، يدفع بالأبوين للخروج للعمل لساعات طويلة. هذه الضرورة الاقتصادية تحمل تداعيات خطيرة على جودة التربية، منها:

تآكل الحضور الوالدي: يقل الوقت المتاح للجلوس مع الأبناء، والاستماع إليهم، وتوجيههم.

سيطرة التكنولوجيا: مع غياب الرقيب، تنتشر الوسائط السمعية والبصرية (الهواتف، الأجهزة اللوحية…) لتصبح الحاضن والمُوجه الأول للأبناء، مبتلعةً أوقاتهم، ومزودةً إياهم بنماذج سلوك عالمية عشوائية (خارجة عن إطار الرقابة) لا تتناسب دائمًا مع القيم المحلية.

انعدام المساءلة والمراقبة: في ظل الإرهاق وضيق الوقت، يكاد ينعدم سؤال الأبناء عن تفاصيل أوقاتهم، أو مساءلتهم عن سلوكياتهم، مما يُنشئ جيلًا يعتقد أن أفعاله بلا تبعات.

المدرسة المغربية وتحدي الواقع

تظل المدرسة هي الشريك الثاني في عملية التربية، لكنها تعاني بدورها من ثغرات تزيد الأزمة تعقيدًا:

برامج لا تواكب الواقع: غالبًا ما تركز المناهج على المعرفة الأكاديمية، دون الاهتمام الكافي ببرامج بناء الشخصية، وتنمية الوعي المدني، وترسيخ السلوك الحضاري.

غياب التعاون وضعف التواصل: هناك شبه انقطاع في التواصل والتعاون البنّاء بين المدرسة والأسرة. فالمدرسة لا تجد من يساندها في البيت، والأسرة ترمي بالمسؤولية على عاتق المدرسة، ليضيع التلميذ بين المؤسستين.

النوادي والمؤسسات وغياب القدوة

حتى في فضاءات التنشئة الاجتماعية الأخرى كالنوادي والجمعيات، يُلاحظ غياب ترسيخ نموذج السلوك الحضاري الذي يحترم الآخر، فالتركيز غالبًا ما ينصب على الإنجاز الرياضي أو الفني، دون تفعيل دور هذه المؤسسات في صقل الأخلاق، وغرس قيم الانضباط، والتعامل الراقي مع المنافس أو الزميل.

أمثلة لحالات همجية طاغية (المظهر الحقيقي)

تتجلى هذه الأزمة التربوية في سلوكيات يومية باتت تؤرق المجتمع، مُشكِّلةً وجه الهمجية غير المتخفية:

الطرق والسياقة: تتجلى فيها السلوكيات العنيدة والعربدة، والاستهتار بالقوانين المرورية، وعدم إعطاء حق الأسبقية، كالتجاوز الخطير، والاستعمال المفرط والعدواني لمنبه السيارة.

المرافق العمومية والفوضى: السلوك الأناني في استعمالها (المستشفيات، الإدارات، وسائل النقل)، ورمي النفايات في غير مكانها، وإتلاف الممتلكات العامة، وانعدام احترام طوابير الانتظار.

المباريات الرياضية: الشغب، والعنف، والسلوكيات العربدة (السباب، التخريب، الاشتباكات) التي تطبع المدرجات وخارجها، مُحَوِّلَةً الرياضة من متعة إلى مصدر خوف.

الثقافة المدنية: غياب شبه كلي لثقافة احترام واستعمال المرافق العمومية، والتعدي على المساحات الخضراء أو الأرصفة، وعدم احترام طوابير الانتظار.

وفي الخلاصة

إن هذه المظاهر الهمجية ليست سوى نتيجة منطقية لتغليب التنمية المادية والنمو الاقتصادي على التنمية البشرية والأخلاقية. يجب على المجتمع والمؤسسات أن يدركوا أن الحداثة الحقيقية تكمن في رقي السلوك قبل رقي البنيان، فلا يمكن أن نكون “متطورين” ونحن نتصرف كـ “متوحشين” في شوارعنا ومرافقنا. إن المعركة الحقيقية هي معركة تربوية؛ تتطلب استثمارًا جديًا في وقت الأسرة، ومناهج المدرسة، وتفعيل دور مؤسسات التنشئة، لإعادة ترسيخ ثقافة الاحترام والانضباط والوعي المدني.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

9
  • MC
    الثلاثاء 18 نونبر 2025 - 16:45

    “We have guided missiles and misguided men”

    “لدينا صواريخ موجهة ورجال ضالون (مضللون)”
    Martin Luther King Jr
    (1929-1968)

    “Knowledge will give you power, but character respect”

    “المعرفة ستمنحك القوة، لكن الأخلاق ستمنحك الاحترام”
    Bruce Lee
    (1940-1973)

    أستاذي،
    مقالكم يعري بجرأة التناقض العميق بين مظهر التقدم وجوهر التراجع القيمي. فعلاً، الأزمة ليست في الأدوات بل في الإنسان الذي يستخدمها دون وعي أخلاقي. التربية اليوم تحتاج إلى إعادة تعريف يوازن بين المعرفة والسلوك، بين الحضور المادي والحضور القيمي. الأسرة لا بد أن تستعيد دورها كمصدر دفء وبناء، قبل أن تكون مجرد إطار للعيش المشترك. والمدرسة مطالبة بأن تزرع في التلميذ حس الانتماء والاحترام، لا أن تحصر اهتمامها في النتائج. الحداثة التي لا تروض النفس ولا تهذب الغريزة، تنقلب على ذاتها فتصير قناعًا للهمجية. إن بناء ناطحات القيم أصعب من بناء ناطحات السحاب، لكنه الطريق الوحيد لضمان حضارة مستمرة. فحينما تسقط التربية، تسقط كل مظاهر الرقي خلفها.

    “وإنما الأمم الأخلاق ما بقيت · فإن همو ذهبت أخلاقهم ذهبوا”
    Ahmed Chawki
    (1868-1932)

    ALHOCEIMA

  • ما اعتقده ولا ألزم به .
    الثلاثاء 18 نونبر 2025 - 17:54

    لا علاقة رابطة بين تدني الوعي الجماعي بضرورة الاحترام المتبادل والعمران كلاهما على مرمى نقيض في اوروبا او في اليابان شواهق للبنيان ولكن الشعب يحترم كل شيء يحترم الشارع ويحترم المدرسة والملعب بل يحترم حتى الحيوان . خروج الابوين للعمل ليس بالضرورة سببا في تدني اخلاق الاطفال وليس سببا في عدم احترام الكبار .هناك اكراهات اخرى يمكن ادراجها في هذا السياق كالتكدس في منازل صغيرة والبطالة وعدم الثقة في المستقبل هذه هي اهم الأسباب التي تدخل جيل المراهقين في صراعات مع المحيط ولكنها في النهاية صراعات لا توجد الحل بقدر ما تعمق الجراح .

  • A MC
    الثلاثاء 18 نونبر 2025 - 18:54

    لكم هو ممتع قراءة تعليقاتك التي تلخص في أفكارها ولغتها بعد نظر صاحبها والبيئة الحضارية التي تصدر عنها ، كما أن جملها الانجليزية التي تتصدرها تعكس عمق الرأي ، وفي آن تعمل على توسيع أبعاد الموضوع المطروح ، وبمعنى آخر فالبيئة الاجتماعية عندنا جد معقدة تتصارع داخلها قيم قديمة محافظة وأخرى “حداثية صورية” ، واصطدام اﻷجيال بتباينات فجة لدرجة صار من العسير وجود تفاهمات بين الجيلين ، لكن اﻷمر أعمق بكثير ، حاليا يمكن تلخيص اﻷزمة في انعدام التربية بالكاد ، مظاهر خداعة لكنها صادمة ، وكما جاء في عرض اﻷستاذ فاﻷمثلة عديدة منها على وجه الخصوص السياقة والتي تلخص بالواضح أزمة القيم والتربية ، وكم هو مريع وجود أشخاص بمظهر براق لا يحسنون استعمال دورة المياه ولا اﻷكل الجماعي ولا المرافق العمومية ، تحياتي

  • amaghrabi
    الثلاثاء 18 نونبر 2025 - 19:35

    مقال مهم كعادتك استاذي عبد اللطيف وملاحظات مهمة منطقية ولكنها تحير الالباب وتجمد العقول لان المنكر واضح ويستحيل تغيير لا بيدك وانما فقط بقلبك وذلك أضعف الايمان.أعتقد سيدي أن أطفال اليوم ليسوا أطفال الامهات وانما اطفال الرضاعات البلستيكية لان الرضاعة الطبيعية التي تغذي الاطفال بالعاطفة الامومة ليست في البيوت وانما في الوظائف والمعامل وفي الادارات والجمعيات وبعد انتهاء الاطفال من مص الحليب الجامد من الرضاعة ينتقل الى اللعب في الشوارع والازقة وهمه هو الحصول على أغلى البسة واغلى هاتف لكي يكون قدوته التي يقضي معها جل اوقاته ولا يبالي بما يدور حوله .انها حيرة وانها ظاهرة غريبة لا حل لها الا “شوف وسكات”

  • KITAB
    الثلاثاء 18 نونبر 2025 - 19:38

    التعليق الثاني حصر أسباب الظاهرة في البعد الاجتماعي الدقيق وانتشار العطالة واليأس … في حين أنها أعمق بكثير مما نعتقد ويمكن اختزالها في غياب القيم وأزمة التربية ، هذه ظاهرة نصطدم بأبعادها في كل نواحي الحياة وأينما حللنا أو ارتحلنا ، مثلا نجد حديقة عمومية إن لم تكن محروسة لا يمكن استمرار الحفاظ عليها ، وكما اﻷمر بالنسبة لشواطئنا فتتحول في الصيف إلى مراتع للعنجهية والسلوكيات المريضة ، ونفس الشيئ بالنسبة للمباريات الرياضة حيث ينتشر السلوك الهمجي المصحوب أحيانا بالعنف وأعمال الشغب ، نحن باختصار شديد نعاني اﻷمرين بسبب غياب القيم والتربية السليمة ، يقع أحيانا حتى بالنسبة للمهاجرين يلقون معاملة عنصرية فقط ﻷنهم قدموا بقيم مريضة وثقافة متردية معظمها ذات علاقة بالخرافة ، سلمات

  • MC
    الثلاثاء 18 نونبر 2025 - 21:22

    لى أخي/أختي (3)

    الأزمة ليست مجرد صراع أجيال، بل هي تفكك تربوي جعل المظاهر الصورية تبتلع الجوهر القيمي.

    إن تعقيد بيئتنا الاجتماعية يكمن في هذا التنافر بين القشور البراقة والهمجية السلوكية. وتبقى “السياقة” هي المرآة الأصدق لهذا الانهيار، حيث تسقط الأقنعة وتظهر الأنا المتوحشة بوضوح.ما لم نعد بناء الإنسان من الداخل، ستظل حداثتنا مجرد ديكور لا يخفي فوضى القيم. تحياتي وتقديري لرؤيتك الثاقبة

    وبما أنني أعيش في العاصمة النرويجية أوسلو ودائمًا ألعن ليالي الشتاء المظلمة، فإليكم بعض الأمثال النرويجية حول القيم والأخلاق مع ترجمتها.

    “.Bedre å tenne et lys enn å forbanne mørket”

    “.Better to light a candle than to curse the darkness”
    “من الأفضل أن تشعل شمعة بدلاً من أن تلعن الظلام.”
    (العمل البنّاء بدلاً من الشكوى)

    “.Ekte gull ruster aldri”

    “.Real gold never rusts”
    “الذهب الأصيل لا يصدأ.”
    (يُستخدم للإشارة إلى أن القيمة والجوهر الحقيقي لا يتغيران أو يتآكلان بمرور الزمن أو تحت الظروف.)

    تحياتي لكم ولأستاذنا عبد اللطيف مجدوب الذي بدأ النقاش،ولجميع المعلّقين ولمدينتي

    ALHOCEIMA

  • تعقيب.
    الثلاثاء 18 نونبر 2025 - 22:17

    هذا ما أعتقد ولا ألزم به أحدا . وإن كنت أعود فأتراجع ، إلا أنني لا أعتقد بانهيار القيم ، ولا زلت اعتقد أن جيل اليوم أكثر تحضرا وأكثر ميلا للعدل . فالشرطي الذي يصفع ويهين أصبح من الماضي ، والمحامي الذي يستحوذ على كل التعويض وحده لم يعد له وجود ، والمحاضر التي كانت تكتب دون موافقة المتهم لم يعد لها وجود .
    حنيننا إلى الماضي ليس مبرراً لعدم انتقاده . فليس كل الماضي جميل، وليس كل الحاضر قبيح يا صديقي يا كتاب .

  • Lamya
    الأربعاء 19 نونبر 2025 - 09:52

    أنا شخصيا لاحظت ان هذه الظواهر السلبية التي ذكرتها أستاذ مجدوب المحترم لم تولد مع عصر التكنولوجيا الحديثة, بل هي امتداد لسلوكيات مجتمعية قديمة تفاقمت بمرور الوقت و ربما بفعل الأدوات الجديدة
    كنا نشهد سابقا أمثلة واضحة لهذه الهمجية و التي كانت توصف بعبارات شديدة الدلالة مثل:
    – سوء السياقة المتهورة التي كان يطلق عليها سابقا مصطلح “حرب الطرقات” ما يدل على حجم المأساة التي كانت قائمة قبل ظهور الهواتف الذكية
    – ظاهرة شغب الملاعب و ما يصاحبها من تخريب
    – التقصير التربوي الصارخ المتمثل في “ولد و طلق للزنقة” أي التخلي عن المسؤولية الأبوية و ترك الأبناء لتربية الشارع
    هذه السلوكيات كانت موجودة, لكن التكنولوجيا لم تغير هذا السلوك المتجذر, بل عملت كمكبر للصوت و ناقل فوري و فعال له. لقد منحت هذه السلوكيات القديمة واجهة حداثية و زادت من قدرتها على الانتشار و التقليد بسرعة فائقة, مما جعلها تبدو و كأنها تفاقمت بشكل لم يسبق له مثيل و بالتالي فإن المشكلة تكمن في التربية و القيم و السلوك البشري الأساسي و الفشل السابق في فرض الانضباط الاجتماعي و القانوني عندما كانت لا تزال تحت السيطرة

  • حتى لا ننسى
    الأربعاء 19 نونبر 2025 - 12:10

    لاحظنا المجتمع المغربي في أعقاب جلاء المستعمر الفرنسي والاسباني ما زال متأثرا بالقيم التي تركها هذا المستعمر ، في الآداب العامة والسلوك وأدب الإتيكيت … إلى درجة أن المشي في الشارع العام كان يستلزم الظهور بمظهر (المتحضر) والتمسك بأدب اللياقة ، لكن مع مرور الزمن وتعاقب اﻷجيال تراجعت هذه القيم وداخلتها ثقافة بدوية ، وهكذا امتد المجتمع مخضرما بين القيم الحضرية والبدوية إلى أن أدركنا زمن الضغط الاجتماعي وخروج اﻷبوين لمزاولة العمل خارج المنزل (اﻷسرة) ، آنئذ ، تراجع دور اﻷسرة في التربية فأدركها زمن الأنترنيت لتتفاقم أزمة التربية أكثر ، وهكذا صرنا اليوم لا نستطييع التمييز بين المتعلم واﻷمي وأصبح السلوك الهمجي العنوان العريض الذي يهيمن على المجتمع في كل مرافقه ، وشكرا

صوت وصورة
حكايات ما تقالتش | الرابور علي صامد
الجمعة 9 أكتوبر 2026 - 23:30

حكايات ما تقالتش | الرابور علي صامد

صوت وصورة
ميطا 3 | هل حسم المغرب لقب "الكان"؟
الجمعة 9 أكتوبر 2026 - 21:23 3

ميطا 3 | هل حسم المغرب لقب "الكان"؟

صوت وصورة
ليلة رعب في أولاد عياد
الجمعة 9 أكتوبر 2026 - 20:45 2

ليلة رعب في أولاد عياد

صوت وصورة
المعارضة وتفعيل التوجيهات الملكية
الجمعة 9 أكتوبر 2026 - 20:30 2

المعارضة وتفعيل التوجيهات الملكية

صوت وصورة
إشادات بمضامين الخطاب الملكي
الجمعة 9 أكتوبر 2026 - 20:02 4

إشادات بمضامين الخطاب الملكي

صوت وصورة
الملك محمد السادس يترأس افتتاح البرلمان
الجمعة 9 أكتوبر 2026 - 16:00 8

الملك محمد السادس يترأس افتتاح البرلمان