ذاك السفير ..

ذاك السفير ..
الثلاثاء 23 دجنبر 2025 - 00:19

يُعدُّ الزي مظهرًا من مظاهر نمط عيش وتمدن وتطور وإبداع وتميز وهوية، فضلًا عن كونه مرجعًا حول روح الفترات التاريخية وروافد وخصوصية حضارتها. ذلكم هو الزي لدى المجتمعات هنا وهناك عمومًا. وبما أن المغرب بموقعه جعله بتأثير وتأثر عبر الزمن، فهو يمتلك ثقافة زاخرة وزخمًا على عدة مستويات، ومن هنا ما طبع البلاد من زي/لباس حافظ عليه المغاربة منذ القدم، من قبيل القفطان باعتباره أحد بصمات ورموز تراثه اللامادي. وعندما نستحضر الزي في المجتمع المغربي منذ العصر الوسيط، نستحضر ما هناك من مكونات ذات صلة تخص عمارة المدينة المغربية العتيقة، والتي منها رمزية “القيسارية” التي لا تزال وعاءً شاهدًا على ماضٍ وفن عيش وإنتاج وتسويق وعرض وأشكال إبداع صانع. مع أهمية الإشارة إلى أن اللباس في الذاكرة الجماعية هو تصور موسع لكتابة تاريخ المغرب، وهو ما توجهت إليه مدرسة الحوليات الفرنسية التي أحدثت تحولًا كبيرًا في منهجية وقضايا البحث التي كانت تبدو هامشية ذات يوم.

ولعل من مصادر المعرفة التاريخية حول الزي المغربي، نجد ما ورد من إشارات في التراث الفقهي والتراجم وكتب المناقب واللغة وغيرها. بل إن زي المغاربة وخصوصيته لم يغب عن انشغالات تقارير الاستكشاف التي أنجزها عدد من الأجانب عن البلاد منذ أواخر القرن التاسع عشر، ومن هؤلاء الرحالة الأوروبيون مثل شارل دوفوكو الذي أورد في مؤلفه “التعرف على المغرب” وصفًا دقيقًا للباس المغربي عبر الجهات التي شملتها رحلته مطلع ثمانينيات القرن التاسع عشر.

وبخصوص تراث المغرب اللامادي/اللباس، يُعدُّ تسجيل القفطان المغربي في 10 دجنبر 2025 ضمن قائمة التراث الثقافي لدى منظمة اليونيسكو، إنجازًا رمزيًا لفائدة الحضارة المغربية والنبوغ المغربي وتتويجًا لمساره على امتداد قرون من الزمن. بل هو اعتراف أممي بأثر هام ومعبر من أجل تثمين المهارات المغربية وتراث المجتمع وإبداع الصانع. ولا شك أن هذه الخطوة التي أدرجت القفطان المغربي ضمن التراث الإنساني، تضع المنتوج التقليدي المغربي أمام تحديات وسبل حفظ هذا الموروث الثقافي وإبقائه أصيلًا مستمرًا، على وقع ما هناك من تدفق واسع في الأذواق والبضاعة الجديدة بالأسواق. مع أهمية الإشارة إلى كيفية استثمار وترجمة هذه الالتفاتة الأممية بتصنيفها واعترافها بالقفطان المغربي تراثًا إنسانيًا، إلى مشروع رؤية وطنية رافعة لمنتوج المغرب التقليدي ولِما ينبغي من تسويق على الصعيد الدولي. بما يعود بالنفع على الحرفيين التقليديين المغاربة وعلى مهاراتهم، من حيث حمايتهم وحماية منتوجاتهم والرفع من مستوى عيشهم. دون نسيان ما يمكن أن تسهم به الأبحاث والدراسات على مستوى إبراز عمق المعلومة التاريخية عن حرف المغرب.

وإذا كان ما حصل من إنجاز أممي عبر اليونيسكو مؤخرًا صوب القفطان المغربي، فالسؤال هو ماذا عن القيمة المضافة لهذا التصنيف حيال قطاع الصناعة التقليدية المغربية ومن خلاله حيال الحرفيين والصناع التقليديين المغاربة. وهنا لا شك أن جامعة الغرف المهنية المغربية مدعوة للقيام بما هو منوط بها من أدوار وتدخلات وخطط عمل، من أجل ما ينبغي من أوراش موازية ذات صلة على مستوى الحماية والدعم والرؤية الاستشرافية لفائدة الاقتصاد الوطني. دون نسيان ما يمكن أن تسهم به المدارس المهنية من أجل نقل مهارات وخبرات السلف للخلف ومنها خبرة ومهارة صناعة القفطان المغربي، لتحقيق ما ينبغي من تلاقح بين الأجيال وحفظ للتراث الرمزي الوطني واستدامته. ولعل بقدر قيمة هذه الالتفاتة الأممية صوب القفطان المغربي الذي يحمل قيمته في ذاته، بقدر ما هذا التصنيف هو دعوة للجهات الوصية على القطاع من أجل تدخلات رافعة داعمة عبر تصورات عملية ومشاريع، ومن أجل أيضًا حسن استغلال هذه الفرصة والاشتغال على عدة واجهات، لجعل القفطان المغربي ذا قيمة أكبر ورقم قياسي في صادراته وتسويقه وإقبال السياح عليه.

وهنا أيضًا ما يمكن أن يسهم به الإعلام المغربي بكل أطيافه على مستوى التعريف والإبراز، لجعل القفطان المغربي المتوج من قبل منظمة اليونيسكو حاضرا بقوة لدى الآخر كعلامة تجارية وثقافية وتراثية مغربية. وفي هذا الإطار، الإعلام مدعو لاستحضار ما يخص قصة ومسار القفطان المغربي عبر التاريخ منذ على الأقل مغرب العصر الوسيط، وهنا الأمر يقتضي اعتماد ما هناك من وثائق تاريخية ومعلومة مصدرية وأرشيف تاريخي هنا وهناك، فضلًا عن إسهامات باحثين مهتمين بموضوع الزي المغربي وارتباطه بالأسرة المغربية على امتداد قرون، وكذا إسهامات المهنيين من الصناع حول تطور وغنى وفن صناعة القفطان المغربي الذي بلغ العالمية، من حيث ما يرتبط به من طرز و”سفيفة” و”أعقاد” و”ثوب” و”أشكال مغربية بحسب الجهات”، من قبيل القفطان الفاسي والرباطي والتطواني … إلخ، وهي الأنواع التي لا يعرف أسرارها سوى ذلك الحرفي المغربي الذي تعلق بهذا التراث في وجدانه وذاكرته.

علما أن هذا القفطان بجميع أثاثه وألوانه ومرجعيته ليس فقط مجرد عمل يدوي، بل هو عمل عقلي وجمالي وإبداعي للصانع. وإذا كان القفطان المغربي الذي حظي بما حظي من تتويج وإنصاف أممي، يوجد ضمن المواد والتحف المعروضة بجميع المتاحف المغربية، فهو مدعو الآن ليحضر الملتقيات الدولية والمواعيد الكبرى التراثية، مستفيدًا من وضعه الحالي كتحفة تراثية إنسانية. ولعل الشيء بالشيء يُذكر كما يقال، فلابد عند الحديث عن القفطان المغربي من استحضار المرأة المغربية وأدوارها في هذا الإطار، ذلك أنها تعلقت به منذ القدم ولا تزال، وحافظت عليه وجعلته لباسًا استمر عبر قرون حتى الآن. وهو ما ينبغي أن يظل من خلال أدوار الجميع كل من موقعه، أسرة ومدرسة وإعلامًا ومجتمعًا مدنيًا وتنظيمات مهنية وغيرها. مع أهمية الإشارة لِما ينبغي ضمن هذه العناية والحفظ من انسجام وتفاعل مع أذواق الأجيال الجديدة وما هناك من تدفقات، لكن أيضًا ضمن وعي بأهمية وقيمة حمولة القفطان التراثية باعتباره جزءًا من هوية المغرب والمغاربة.

-رئيس مركز ابن بري للدراسات وحماية التراث

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

1
  • MC
    الخميس 25 دجنبر 2025 - 22:12

    “It was when I discovered Morocco that I realized my own chromatism was that of Moroccan caftans, zelliges, zouacs, and jellabas”

    “C’est en découvrant le Maroc que j’ai compris que mon propre chromatisme était celui des zelliges, des zouacs, des djellabas et des caftans ”

    “حين اكتشفتُ المغرب، أدركتُ أن لوحة ألواني الخاصة هي ذاتها ألوان الزليج، والزواق، والجلابيب، والقفاطين المغربية.”

    Yves Saint Laurent
    (1936-2008)
    (من مذكرات المصمم العالمي)

    لقد أجدتم يا أستاذ عبد السلام في وضع الإصبع على جوهر هذا التتويج الأممي، معتبرين إياه جسراً يربط عراقة الماضي بتحديات العولمة المعاصرة. إن دعوتكم لمأسسة حماية هذا الموروث عبر الغرف المهنية والإعلام هي قراءة مستنيرة تتجاوز فخر اللحظة إلى استدامة الأثر، فالاعتراف الدولي بالقفطان كإرث إنساني يضعنا أمام أمانة الحفاظ على “النبوغ المغربي” وتناقله بين الأجيال بكل تجلياته من “سفيفة” و”أعقاد”. ولعل استحضاركم لدور المرأة المغربية هو إنصاف للمحرك الفعلي الذي جعل من هذا الزي علامة فارقة في الهوية الوطنية وعابرة للحدود الجغرافية.

    ALHOCEIMA

صوت وصورة
مؤتمر "التوحيد والإصلاح" الثامن
السبت 24 أكتوبر 2026 - 00:35

مؤتمر "التوحيد والإصلاح" الثامن

صوت وصورة
154 ألف حالة طلاق بالمغرب
الجمعة 23 أكتوبر 2026 - 21:00 12

154 ألف حالة طلاق بالمغرب

صوت وصورة
عبقري يكشف رؤية جديدة للشباب
الجمعة 23 أكتوبر 2026 - 20:30 6

عبقري يكشف رؤية جديدة للشباب

صوت وصورة
الأغلبية والمعارضة تناقشان عرض لقجع
الجمعة 23 أكتوبر 2026 - 18:32 4

الأغلبية والمعارضة تناقشان عرض لقجع

صوت وصورة
إصلاح الضريبة على الدخل
الجمعة 23 أكتوبر 2026 - 17:47 3

إصلاح الضريبة على الدخل

صوت وصورة
لقجع يوجه رسائل إلى المعارضة
الجمعة 23 أكتوبر 2026 - 16:02 7

لقجع يوجه رسائل إلى المعارضة