مغرب سينما الذاكرة ..

مغرب سينما الذاكرة ..
الثلاثاء 30 دجنبر 2025 - 10:48

في تقدير باحثين مهتمين، هي من أسس كل ورش اجتماعي وثقافي وترابي، وكذا مكونًا من مكونات الهويات المحلية ومن ثمة الوطنية. تلكم هي ذاكرة الشعوب الجماعية لِما توفره من حمولة واحالات رافعة لكل تطور وتطلع صوب هذا وذاك من الرهان، ولِما يمكن أن تسهم به أيضًا على مستويات عدة ومتداخلة، لعل منها ما يخص مجال الفنون من قبيل السينما، التي يحق السؤال في علاقة بها حول درجة تناغم الفعل السينمائي المغربي بناءً على واقع الحال مع ما يطبع البلد من ذخائر غير خافية، والتي يمكن أن تكون تيمة أعمال درامية كبرى، من شأنها حفظ ليس فقط هذه الذاكرة وتوثيقها بل جعلها أكثر حضورًا واستمرارية وامتدادًا في التنشئة الاجتماعية والثقافية، من أجل ما ينبغي من تلاقح بين الأجيال فضلًا عن معرفة جامعة بين ماضٍ وحاضر. مع أهمية الإشارة -رغم كل الجهود- إلى أن سينما التاريخ والذاكرة وحصيلة مغرب الاستقلال في هذا الإطار لا تزال مساحة جدل، علماً أن المركز السينمائي المغربي كآلية ذات صلة هو بحوالي ثمانية عقود من الزمن.

ولطالما كانت ذاكرة المغرب الوطنية في علاقتها بالدراما موضوع نقاش بين مبدعين ومثقفين وإعلاميين ومهتمين، لاسيما وأن البلاد بمخزون تاريخي بقدر كبير من التفرد والخصوصية إقليميًا ومتوسطيًا، وأن ما هناك من ذاكرة جماعية لا تزال تؤطر وجدان وشعور المغاربة وهويتهم. ومن ثمة ما هناك من حاجة للكتابة والتأليف لإغناء ما هناك من تجارب، من أجل نصوص رافعة لسينما الذاكرة الوطنية بالمغرب، فضلًا عما ينبغي من نقاش بين سينمائيين وباحثين أكاديميين مغاربة، في أفق الممكن من الاشتغال ضمن رؤية استشرافية من شأنها حسن استثمار كنوز ذاكرة البلاد التاريخية كتراث رمزي، لتجاوز ما هناك من خجل يخص موقع الذاكرة والتاريخ في الدراما المغربية، وجعل هذه الأخيرة بأثر داعم رافع لفهم ما حدث بعيدًا عن السرد، من خلال ما ينبغي من زمن تاريخي ومن تأطير عبر زمن سينمائي. ومن ثمة ما يمكن أن يسهم به الفعل الدرامي الوطني، على مستوى ليس فقط إحياء وحفظ هذه الذاكرة إنما أيضًا الوعي بها لفائدة راهن البلاد وتطلعاتها. ولعل بقدر ما هناك من تحديات تخص بلوغ المنشود من الأعمال السينمائية في هذا الشأن، بقدر ما هناك من شروط محفزة من قبيل ما تزخر به الخزانة التاريخية الوطنية من دراسات وأبحاث، توجهت بعنايتها خلال العقدين الأخيرين لعدد من الجهات والقضايا والوقائع الكبرى. وهو الزخم الذي من شأنه جعل خزانة المغرب السينمائية بأعمال فنية ذات تميز وصدى كبير شكلاً وإثاثًا ومضمونًا، مستلهمة جوهرها ووقعها وتنوع تعبيرها مما هناك من ملاحم وطنية ومحطات فاصلة.

ويسجل أن ما طبع المغرب من زمن استعماري خلال القرن الماضي يبقى أكثر إثارة، وأنه رغم ما هناك من وعي في الوسط السينمائي بهذه الفترة الحرجة التي لا نزال نحياها على وقع مخلفاتها، لا تزال الدراما المغربية دون ما هو شافٍ من انفتاح وعطاء وتراكم وشجاعة أدبية، مقارنة بما في بلدان الجوار على صعيد دول المغرب العربي، وأن السينما المغربية لا تزال بتجارب خجولة جدًا فضلًا عن غياب قراءات وتمحيص وتدقيق ومعاينة عبر العمل الدرامي لِما حصل وما هناك من أثر. مع أهمية الإشارة أيضًا إلى أن ما تناولته السينما المغربية حول الفترة الاستعمارية، لا يزال لا يعكس قوة ذاكرة المغاربة وما تعرضوا له وما كانوا عليه من مقاومة وكفاح مسلح. وعليه ما ينبغي أن تتأسس عليه سينما ذاكرة وتاريخ المغرب وبخاصة منه المعاصر والراهن، من سؤال يخص الهدف من قراءة الماضي وجروحه، ومن مساحة عِبَر من أجل غد أفضل عبر تفعيل ماضٍ في حاضر وجَعْلِ هذا الماضي لا يمضي بل جزءًا من راهنِ البلاد، حمولة الزمن فيه عنصرًا محفزًا وطاقة ملهمة وليس عبئًا ثقيلًا عائقًا. وغير خاف أن حوالي نصف قرن من سلطة ونفوذ الاستعمارين الفرنسي والإسباني كان بقدر كبير من الأثر على المجتمع، من قبيل ما حصل من تغيير في نمط حياة المغاربة وفيما حصل على مستوى مظاهر حضارة البلاد عبر إدخال أشكال عيش وتعبير وثقافة ذات مرجعية أوروبية. فضلًا عما طبع هذه الفترة من صور عنف وتعذيب وسجن واختطاف وإبعاد وخوف.. ومن صور حركة وطنية ومقاومة مسلحة وفداء من أجل الاستقلال. والتي لا شك أنها حضرت في بعض أعمال الدراما المغربية إنما بشكل خجول، ضمن ما تناوله مثلاً مومن السحيمي في شريط موسوم بـ”144 أو أسطورة الليل” مطلع ثمانينيات القرن الماضي. وهنا أهمية السؤال حول أثر الأرشيف لنقل وتقديم ما جرى عبر مناطق البلاد وجهاتها، من مقاومة وزعماء وشهداء ومؤامرات وطغيان.

ونسجل من ريبرتوار الدراما المغربية التاريخية أيضًا، فيلم “بامو” مطلع ثمانينيات القرن الماضي أيضًا لإدريس المريني الذي عالج موضوع المقاومة المغربية للاستعمار من زاوية رسمية. ولعله بقصة مستلهمة من رواية أحمد زياد، وكان الراحل محمد حسن الجندي هو من وضع له السيناريو، وكان ممن أثث هذا العمل الدرامي ثلة من الممثلين المغاربة حيث العربي الدغمي وحبيبة المدكوري ومحمد الحبشي وغيرهم. مع أهمية الإشارة إلى أن فيلم “بامو” استحضر ما أفرزه الاستعمار من نماذج بشرية جمعت بين مقاوم وثائر حامل للسلاح، ومنها أيضًا من كان في خدمة الاستعمار وخاضع لسيطرته وتوجيهه. ورغم أهمية هذا العمل السينمائي المؤسس، لم يتم رصد ما هناك من قضايا وأحداث طبعت هذه الفترة من تاريخ المغرب، وهي الخاصية والملاحظة التي ميزت باقي الأعمال الأخرى التي انفتحت على تيمة التاريخ والذاكرة المغربية الوطنية، من قبيل فيلم “كابوس” لأحمد باشفين ثم فيلم “نهيق الروح” لنبيل لحلو، وقد ارتبطت جميعها بفترة ثمانينيات القرن الماضي. ويسجل في هذا السياق الذي يهم سينما المغرب التاريخية، أن أول انخراط للمندوبية السامية لقدماء المقاومين وأعضاء جيش التحرير من أجل عمل درامي في هذا المجال، كان أواسط تسعينيات القرن الماضي من خلال عمل موسوم بـ”المقاوم المجهول”، والذي لم ير النور بالقاعات السينمائية.

والشيء بالشيء يذكر كما يقال، يسجل العربي بناني أنه كان أكثر انشغالًا ورغبة في أعمال مغربية درامية ذات طبيعة تاريخية وطنية والتي منها خاصة مقاومة المغاربة للاستعمار، وعليه، تقدم بطلب دعم من الجهة الوصية آنذاك من أجل إخراج عدد من الأعمال، منها واحد توجه فيه بالعناية للشهيد علال بن عبد الله الجرسيفي وقد تم رفضه لتكلفته العالية. ويسجل أن فترة الثمانينيات والتسعينيات من القرن الماضي رغم ما هناك من ملاحظات، تبقى الأهم من حيث تجارب وإسهامات وانشغالات المخرجين المغاربة بقضايا التاريخ والذاكرة الجماعية الوطنية، وبخاصة ما ارتبط بالاستعمار وملاحم المقاومة من أجل الاستقلال، في محاولة منهم لاستدراك ما تم تجاهله على مدى عقود من الزمن، نظرًا لما لهذه المشاريع السينمائية من حساسية في إثارتها، وفيما يمكن أن تطرحه من حرج يخص علاقات البلدين المغرب وفرنسا وما هما عليه من مشترك وصداقة.

ختامًا وبمختصر مفيد لأن الموضوع ذو شجون، من المهم الإشارة إلى أن الظاهر هو أن الدولة من خلال المركز السينمائي المغربي هي بدور كبير على مستوى دعم الشأن السينمائي، دون نسيان الشركة الوطنية للإذاعة والتلفزة التي بدور محفز أيضًا للسينمائيين مخرجين وممثلين ومؤلفين وكتاب سيناريو وغيرهم. فأين الخلل بعيون كل متتبع ومهتم، هل في استراتيجية الاشتغال وشتات رؤية المهنيين أم هي أزمة نصوص وباحثين ومواكبة، وبماذا نفسر ما هناك من شبه بياض يخص سينما التاريخ والذاكرة الوطنية، ما كان ولا يزال مساحة ندوات وتوصيات لقاءات هنا وهناك. فضلًا عن جدل ملتقيات ومهرجانات مجتمع مدني سينمائي هنا وهناك، من أجل ما ينبغي من سينما الذاكرة ومن أثر لها على مستوى انفتاح المتلقي أكثر على ماضيه، وحماية ما يحتويه هذا الماضي من بعد رمزي وذاتٍ وانتماء وهوية.

-رئيس مركز ابن بري للدراسات وحماية التراث

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

صوت وصورة
مؤتمر "التوحيد والإصلاح" الثامن
السبت 24 أكتوبر 2026 - 00:35

مؤتمر "التوحيد والإصلاح" الثامن

صوت وصورة
154 ألف حالة طلاق بالمغرب
الجمعة 23 أكتوبر 2026 - 21:00 12

154 ألف حالة طلاق بالمغرب

صوت وصورة
عبقري يكشف رؤية جديدة للشباب
الجمعة 23 أكتوبر 2026 - 20:30 6

عبقري يكشف رؤية جديدة للشباب

صوت وصورة
الأغلبية والمعارضة تناقشان عرض لقجع
الجمعة 23 أكتوبر 2026 - 18:32 4

الأغلبية والمعارضة تناقشان عرض لقجع

صوت وصورة
إصلاح الضريبة على الدخل
الجمعة 23 أكتوبر 2026 - 17:47 3

إصلاح الضريبة على الدخل

صوت وصورة
لقجع يوجه رسائل إلى المعارضة
الجمعة 23 أكتوبر 2026 - 16:02 7

لقجع يوجه رسائل إلى المعارضة