حذّرت المحللة السياسية الأمريكية إيلميرا بيرسلي من أن تجاهل المجتمع الدولي، ولا سيما الأوروبي، للوضع في البوسنة والهرسك قد يؤدي إلى انهيار التوازن الهش الذي ساد البلاد منذ اتفاقيات دايتون قبل ثلاثة عقود، بما يحمله ذلك من تداعيات على الأمن الإقليمي في أوروبا.
وفي مقال نشرته فورين أفيرز، اعتبرت بيرسلي أن تفكك البوسنة لم يعد خطرًا نظريًا، بل نتيجة محتملة لضعف الالتزام الغربي، وغياب الضغوط الدولية على الزعماء القوميين الذين أعادوا إحياء خطابات الانفصال، وعلى رأسهم ميلوراد دوديك، الزعيم الصربي البوسني الخاضع لعقوبات سابقة رُفعت مؤخرًا بقرار من إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب.
وأشارت الكاتبة إلى أن اتفاقيات دايتون التي وقعت في نوفمبر 1995 برعاية أمريكية وضعت حدًا لحرب استمرت ثلاث سنوات ونصف، لكنها أسست لنظام تقاسم سلطة معقّد بين المكونات العرقية الثلاثة (البوشناق، والصرب، والكروات)، وهو نظام ساهم في ترسيخ الاستقطاب السياسي بدلًا من تجاوزه.
وبحسب بيرسلي، فإن غياب المساءلة، وتراجع الضغط الدولي، فتحا الباب أمام عودة قادة الحرب القدامى إلى السلطة بعد انتخابات مبكرة أجريت عام 1996، قبل تحقيق مصالحة أو محاسبة حقيقية.
وتابعت: “افترضت بروكسل أن رغبة البوسنة في الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي ستكون كافية لتحفيز الإصلاحات، لكنها تجاهلت شبكة المحسوبية التي استحوذت على مفاصل الدولة”، مشيرة إلى أن البطالة المرتفعة وتوزيع العقود الحكومية على أساس الولاء العرقي جعلا من النظام القائم أداة في يد الأحزاب القومية.
وتنتقد بيرسلي تركيز المؤسسات الأوروبية على المسار المؤسسي دون مساءلة القوى الإقليمية، وعلى رأسها كرواتيا وصربيا، اللتين دعمتا زعماء كروات وصرب البوسنة، ما زاد تعقيد المشهد. وأضافت: “بزغت دعوات لتأسيس كيان كرواتي منفصل، وهي خطوة من شأنها تكريس الانقسام”.
واقترحت الكاتبة أن تستخدم أوروبا أدوات النفوذ المالي المشروط، عبر صندوق النقد والبنك الدولي، لتحفيز البلديات على تبنّي الشفافية ومحاربة الفساد، كما دعت إلى تجاوز سلطات الكيانات العرقية لصالح تقديم خدمات مباشرة للمواطنين.
وختمت بيرسلي بالقول إن الحفاظ على اتفاقيات دايتون لا يتطلب فقط التمسك بنصوصها، بل الالتزام السياسي بإعادة تفعيل دور أوروبا كضامن للاستقرار. “ففي حال انهيار التوازن القائم، لن يقتصر الخطر على البوسنة، بل سيطال مصداقية الاتحاد الأوروبي، ويفتح الباب أمام منطق فرض التغيير بالقوة، كما حدث في أوكرانيا”.
أضف تعليقك
من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.