بيئة القصة
تدور أحداثها بأحياء مدينة فاس العتيقة، في السبعينيات من القرن الماضي، بشخوص ترتكز بالأساس على سي ادريس الأب وسي الفاطمي (المعلم الظاهرة)، داخل مبنى عتيق كمدرسة جمعت بين عدة تناقضات تربوية، أبرزها معلم بسادية فوق العادة، ياما أسكنت الرعب في نفوس أطفال أتوا ليتعلموا، لكن بأساليب جد قاسية إلى درجة العدوانية!
الفقيه سي ادريس
في إحدى ليالي المديح، وما أكثر عروضها التي كانت تنهال عليه من كل أحياء مدينة فاس العتيقة، وأحيانا خارجها، أوعز إليه أحد الضيوف بالترحيب بابنه، فهمس إليه وهو يرشف الشاي: “ابعث بابنك لهذه المدرسة.. لن تكلفك سوى 10 دراهم شهريا، هناك سيصبح رجلا”، وصفها له بأنها تقع بدرب مشماشة، أو درب الرطل بحي مصمودة.
لم يجد ج. ادريس بدا من اختيار أحد أبنائه، لينخرط في صفوف هذه المدرسة، خلال عطلة الصيف “لدعم” تعلماته في مادتي الحساب والقراءة، وتدارك النقص الذي كانت تشوب نتائجه في التعليم العمومي.
وذات صباح، من أحد أيام فاس القائظة، أمر ابنه بأن يلتحق فورا بالمدرسة، وحال وصوله عليه أن يسلم مديرها سي البوخاري عشرة دراهم كدفعة أولى، وأوصاه بضرورة تقديم نفسه كابن للفقيه سي ادريس، إمام مسجد الحداديدن. ذهب الابن متعثرا وسط متاهات الأزقة والدروب المتعرجة، إلى أن انتهى به المطاف إلى منحدر ضيق شبه معتم، أفضى به أخيرا إلى باب “منزل”، طرقه ليجد نفسه داخل بهو فسيح بجدران علاها زليج عتيق باهت، يحكي قصص القرون الخوالي، ذات غرف أربعة جمعت بين الدوري السفلي والفوقي، تنبعث منها ضجيج يختلط فيها صخب أطفال، تتعالى وتنخفض أصوات حناجرهم، ونظراتهم لا تبارح السبورة والواقف إزاءها.
قادتني امرأة مسنة، خلتها أول وهلة نائبة المدير، سلمتني إلى رجل ملتح، بجلباب داكن، يقعد بغرفة ضيقة تعبق برائحة رطوبة تخنق الأنفاس، وسعت طاولة أثرية يقعد خلفها الرجل الملتحي بنظارات سميكة، كان منكبا على حزمة أوراق وفواتير، سرعان ما دونني بها على إثر تسلمه العشرة دراهم، كان وجهه من الصعب جدا أن تقرأ عنه شيئا سوى البرودة وعدم الرضى. وعلى التو نهض وأمسك بي كوديعة، سار بي خطوات حتى دلف إلى غرفة سفلى، فأومأ إلى شخص هناك استقدمه للحراسة في انتظار التحاق المعلم.
وسط التلاميذ
كانت أعينهم لا تنفك ترمقني بنظرات تحسر لما سينتظرني، بعضهم شرع يقذفني بنظرات عدوانية مجانية، لم يكن هناك ما يشبه توافق الأعمار، بل كانت متنافرة بين الثماني سنوات والثالثة عشرة سنة، وتكدسهم بالطاولات زاد أن رفع من درجة حرارة الغرفة/القسم، رغم أن نوافذها كانت مترعة على البهو، لا يخلو ضجيجهم من طنين ذباب موسمي يتهادى مترنحا بين طاولة وأخرى، أشبه بأسراب طائرات مغيرة عابرة!
معلم لا كالمعلمين!
وعلى حين غرة همدت الأصوات، والأنفاس كادت أن تتوقف، حتى من دندنة الذباب، كل الأنظار توجهت نحو الباب، دلف منها شخص يحمل على كتفيه شخصا ككومة لحم، برز منها فقط رأس غليظة في استدارة (دلاحة متوسطة الحجم)، ذات محيا بشوش ونظرات ثاقبة سلطت على أنحاء القسم، سار به خطوات إلى أن “حطه” ووضعه على كرسي مرتفع قليلا بمحاذاة السبورة والمنضدة، بدا واضحا أنه مبتور الساقين، ملفوف الركبتين بنسيج خشن، طرفاه العلويتان قصيرتان، بيدين ذات أصابع قصيرة ثخينتين، استوت يداه على الطاولة وهو يهم بافتتاح “حصة الدرس”، فنادى في جمع التلاميذ بصوت ارتعدت له فرائسهم، اعتاد أن يصدر كلامه بحرفي “ها..ها..”:
“ها..ها.. يالله فتحو الكتب “التلاوة””،
شرع أحدهم يقرأ، وفجأة صعقه صوت المعلم:
“.ها..ها.. آشنو تما آلبغل.. ما شفتيش السكون على كلمة “المسكين”؟”، ثم عاد لينتقل إلى آخر:
“..ها..ها.. يالله زيد كمل.. آالبغدادي…”
وكأن الطير نزل على رؤوسهم من شدة الخوف، وقد أنسوا الرعب يتطاير شررا من أعينه. خلال تفرسه في سحناتهم وقع نظره على التلميذ الوافد الجديد، فضرب بجمع كفه الطاولة، فكادت تتوقف أنفاسهم، قال في أثرها:
“ها..ها.. أوقف انتا.. انتا… بوفيستا الكحلا… اشكون جابك العندي؟”، صدر صوت من الخلف:
“.. جابو المدير.. معا….”، فقمعه قبل أن يكمل:
“..ها..ها.. اسكوت.. ليماك… سولتك انت ولا هوا؟”
همهم التلميذ الجديد، ثم أجابه على الفور:
“.. ولد سي دريس..”
فأعقبته شتيمة المعلم، وهو يرفع عقيرته مقهقها:
“..ها..ها… بزعاط إلا كونتي ولد سي ادريس.. نوض تكاعد… ما تجي حتى تجيب الأدوات.. يالله زيد عليا خلفا.. ليماك..”
خرج لتوه، ويداه ممسكتان بحزامه، كان لا يلوي على شيء، قادته خطواته إلى بوابة خلفية تفضي إلى درب مشماشة، وهناك في زاوية مظلمة أخذ يتبول بحرقة بادية، وأعينه لا تفارق الباب، خشية أن يرمقه المعلم ولو من خلف جدران!
حصة الحساب
عاد الفتى إلى المنزل مكسوف الحال، وصور المعلم/الطاغية ما زالت تهيمن على أحاسيسه، مقترنة بمشاعر الكراهية لا عهد له بها تجاه مدرسة درب مشماشة ومتاهاتها وفظائعها، لكن كان عليه أن يتجرع كل شيء وإلا سيعتبر عصيانا لأوامر والده.
وهكذا، وفي اليوم الموالي، بعد أن رتب لوازمه، قصد درب مشماشة، وبات عليه أن ينتظر الأسوأ.
كعادته استقل بطاولته وشرع يجرب ريشة جديدة، يغمسها في المحبرة المثبتة أمامه، يدقق في تحنيش خربشات على الطاولة، وما زال كذلك إذا به يقذف بها إلى الأسفل لا شعوريا، عندما لمح المعلم قادما محمولا على سواعد صنديد، لم يعلم أنه يجمع بين مساعده وحمّاله.
استهل الحصة بتذكيره بجداول الضرب، إلى أي مدى تمكن منها التلاميذ، وجعل يباغت كلا على حدة:
“ها..ها.. 7 في 4، 9 في 2، 7 في 7…”
وإذا أخطأ أحدهم أمره بالمثول بين يدي الأستاذ سي الطاهري كما كانوا ينادونه، وكان الوافد الجديد من بينهم، وهم ثلاثة ممن عدموا الإجابة، كان سي الطاهري يشد معصم اليد الواحدة ليخلو الجو للمساعد أن ينهال عليه بمسطرة حديدية ثقيلة، كانت تكفي ضربة واحدة ليتعالى صراخ وأنين الواحد منهم، ولما وصل دوره للقصاص حدجه الفاطمي بنظرات شزراء مخاطبا إياه بغلظة لا توصف:
“ها..ها.. آولد سي دريس جبتي الأدوات ولا… لا… هدار ليماك… مالك… ساكت؟”
أومأ إليه برأسه بأنها في المحفظة، فأمر بإطلاق سراحه، ناهرا إياه:
“ها..ها.. غدا نشوفك فالمطالعة…”
التفكير في العصيان
كانت أتعس أوقاته أن يجد نفسه متجها صوب درب مشماشة حيث تقبع آلامه، احتار في أمره، وغدا يضرب أخماسا في أسداس ليتخذ قرارا بالعصيان، ويموه الجميع بأنه منتظم في دراسته مواظب على الحضور، لكنه في واقع الحال، بدلا من أن يتجه إلى درب مشماشة، يعرج عليها قاصدا باب الحمراء، ليشبع نهمه بالكرة، حتى ولو عثر عليها عبارة عن لفافة من الجوارب المحشوة بالورق المقوى…
توالت الأيام بأصباحها وأماسيها، غدت له من خلالها مدرسة درب مشماشة مجرد صور قاتمة لم تنفك تحاصره كلما دلج عائدا إلى المنزل مع مغرب الشمس، حتى كان ذات ليلة انتهى إلى مسامعه وقع أقدام تطأ عتبة الدار على عجل، فوقف على إثرها أبوه يناديه بصوت متهدج:
“..آجي… كتمشي للمدرسة ولا… لا… اعطاوني اخبارك… ياك آلصلغوط… هذا هو الراجل… راني وصيتو… إلا ما مشيتي غدا… غاديين يديوك مكتف…”
قالها ودلف إلى غرفته، وهو ما زال يصخب ويتوعد وينذر…
في الغد حاولت أمه إيقاظه، فلم يقدر، وبدا جبينه يتفصد عرقا، علموا فيما بعد أنه مريض لا يقوى على النهوض. وكان في قرارة نفسه أن المرض أهون عليه من رؤية المعلم “ها..ها..” يدق أصابع التلاميذ كل يوم!
“The teacher who is indeed wise does not bid you enter the house of his wisdom but rather leads you to the threshold of your mind”
“المعلم الحكيم حقاً لا يدعوك لدخول دار حكمته، بل يقودك إلى عتبة عقلك”.
Kahlil Gibran
(1883-1931)
“Children are like wet cement; whatever falls on them makes an impression”
“الأطفال مثل الأسمنت الرطب؛ كل ما يقع عليهم يترك أثراً”.
Haim Ginott
(1922-1973)
أستاذ عبد اللطيف،
لقد استرجعتَ في نصك ملامح زمنٍ كان فيه السوط رديفاً للقلم، ورسمتَ ببراعة صورة “المعلم الظاهرة” الذي جسّد تناقض القوة الجسدية المفقودة والسطوة النفسية الطاغية، لتكشف لنا كيف كان التعليم العتيق في أزقة فاس يمزج بين تقديس العلم وسادية التأديب. إن تجربة “الهروب إلى الكرة” التي سردتها ليست مجرد تمرد طفولي، بل هي صرخة فطرية للبحث عن الحرية بعيداً عن جدران الرعب، مما يثبت أن المعرفة التي تُنتزع بالترهيب تنتهي بالمرض والعزلة، بينما العلم الحقيقي هو ما ينمو في بيئة من الكرامة. أشكرك على هذا النبش السردي الذي يذكرنا بأن
“العصا قد تكسر الصمت، لكنها أبداً لا تبني العقول”.
ولا أروع ، قصة ذهبت بنا إلى زمن كانت فيه القيم واضحة ، كان فيها التعليم والتعليم شبه فريضة مقدسة ، يفني فيها الإنسان عمره ليكون شيئا ذا قيمة ، كانت الناس تفتخر بأبنائها في الدراسة ، كان مجرد حصول التلميذ على الشهادة الابتدائية يقام له حفل كبير ، ربما حضره جميع أبناء الحي ، وكم من تلميذ يقيم في اﻷصقاع صار شخصا مهما في الحياة بفضل المدرسة ، كانت التربية ليست محصورة في المنزل والمدرسة فحسب ، بل كانت تقريبا كل مكونات المجتمع المدني يساهم في التربية ، النادي والمسجد والمدرسة والحي والجيران …اليوم ولو مع تقدم وسائل التعليم صار أبناؤنا أفرغ من سطل حنين ، مستوى ضحل ولا تربية ولا قيم ، بل اﻷدهى واﻷمر نجد أستاذا جامعيا لا يستطيع تحرير رسالة دون أن يرتكب أخطاء فادحة ، فرحم الله زمان القصة وأهلها.
قصة رائدة ذات حمولة تربوية متميزة ، كانت القساوة والشدة هي التي رافقت التعليم آنذاك ، ولكن في آن واحد خرجت أناسا يشهد لهم الوطن بالعطاء والتميز خلافا لليوم والذي يتميز التلميذ وتلطالب بالخواء الفكري واﻷخلاقي رغم التطور الملحوظ في وسائل التعلم، سلمات
اقول ما قاله الخليفة عمر بن عبد العزيز حينما سألوه عن محاربة الصحابة بعضهم البعض”تلك دماء سلمت منها سيوفنا فلا ألطخ بها لساني” نعم سيدي تلك مرحلة تربوية بالحديد والنار وكانت ليست مدارس وانما اقسام تربوي يعتقل فيها الاطفال ابتداء من سن السابعة وبالتالي لم ينج من الاستنطاق والتعذيب النفسي والجسدي أي تلميذ سواء كان مجتهدا او كسولا رغم ان العذاب الاكبر كان يأخذه الكسول او الضعيف فكرا.مرة كنت في الاعدادي الاول وكنا نعتقد انه لا ضرب في الاعدادي وغاب مدرس او تأخر وجعل الحارس العام تلميذا ينوب عنه لتسجيل المشوشين فسجل بعضهم وحينما جاء الحارس العام والتييو الذي يستعمل في المياء هو الوسيلة المستعملة لعقاب المشاغبين وقال الحارس العام لاحدهم ” مد يدك؟ فجمع التلميذ ادواته وقال له ” بالتييو تبارك الله” فخرج ولم يعد أبدا
كنت أحد ضحايا العنف المفرط الذي مارسه مدرس الاجتماعيات في الإعدادي . ورغم أن تصرفاتي حينها لم تخل من طيش المراهقة إلا أن ردود فعله كانت تتجاوز حدود التربية إلى قسوة مهينة . بدأ الأمر بموقف تافه كنت أمضغ العلكة فباغتني بصفعة مدوية بملء يده على وجهي تركت أثرا في نفسي قبل خدي . في السنة الموالية، شاء القدر أن أدرس عنده مجددا . حاولت تلطيف الأجواء بدعابة فحورت مصطلح الإنكشارية إلى الانكماشية . تظاهر بالضحك واقترب مني وكأنه يشاركني المزحةوثم باغتني بصفعة ثانية كانت أعنف من سابقتها . كانت هاتان الصفعات هما الندبتين الوحيدتين في مساري الدراسي لكن أثرهما النفسي كان غائرا ولدتا بداخلي كراهية سوداء لدرجة أنني قتلته في أحلامي أكثر من عشر مرات انتقاما لكرامتي . الغريب أنني التقيته بعد سنوات طويلة وحين رأيته تلاشت رغبتي في المواجهة . وجدت أمامي رجلا انحنى ظهره وغزاه الوهن لم أشعر بالنصر بل وجدت نفسي أرثي لحاله وحلت مشاعر الشفقة محل رغبة الانتقام تجاه إنسان صار أضعف بكثير من ذاك الوحش الذي سكن كوابيسي…منقول .
تحية ، تعليقك أو باﻷحرى انطباعك ذهب بعيدا في عمق السيكولوجة التربوية ، فمعظم التلاميذ الذين ينتمون لأجيال الخمسينيات وإلى السبعينيات من القرن الماضي عبروا من هذه (المرحلة القاسية) ، إلى درجة أن العقد النفسية ياما تكونت داخل هذه الحجرات ، وتحديدا (المعلم) وقد صورت معلمك وكأنه عدواني اتجاه التلاميذ ، فبمجرد نطقك للكلمة خطأ سارع إلى العصا ، هذه تبدو أحيانا سادية وما أكثرهم ، فكان الطفل/التلميذ (يغتال معلمه في منامه كم من مرة) وهذا تعبير صادق وذو حمولة سيكولوجية هامة جدا ، وحتى أطباء اﻷمراض النفسية Psychiatricians ، كثيرا ما يعتمدون سجلات الزوار ، لكن اﻷمر هو أن تسديم هذه العقد وتصبح مكونا من شخصية صاحبها ، شكرا للتواصل
كاين شي أساتذة فبداية العام كيصروا يسولوا التلميذ قدام القسم أش كيخدم باباك . هاد السؤال كيحط بزاف ديال الدراري فموقف خايب . كاين اللي يتيم وماماه كتصبن فديور الناس ، وكاين واللي باباه خدام كسّال فالحمام وكيتعرضو للتنمر والضحك ديال صحابهوم للي باقي معندهومش امكانية فهم أن التنمر يحطم النفسية ، وكتخلق انسان ناقم على الوضعية يبحث عن الانتقام بعد التمكن . الوضعية الاجتماعية خاصها تبقى سرية بين الأستاذ والتلميذ ، ماشي فضيحة قدام الملأ . المدرسة خاصها تكون بلاصة فين كولشي سواسية وماشي بلاصة كتحسس الدري بالنقص بسباب حرفة واليديه الشريفة وتعرضوا لتنمر تلميذ ممكن باه كيخدم خدمة محترمة ولكن يقدر يكون باباه غا رشايوي .
تساؤل مشروع ، وهي ظاهرة ما زالت تعشش لدى شريحة واسعة من المدرسين ، يقبلون عليها في مستهل كل سنة دراسية ، دون أن يكونوا عارفين بدواعيها النفسية ، لكن بعضهم وهو قلة يستحضرون بعدها التربوي السيكولوجي فيلجؤون إلى استعمال اﻷظرفة البريدية تحاشيا لكل حساسية مزعجة ،
إلى MC (التعليق رقم 1)
أحييكم على مداخلاتكم القيمة والاستشهادات/ الاقتباسات السديدة.
على ذكر جبران خليل جبران، فلي الشرف أن أتقاسم معكم إصدارا متواضعا نشرتُه باللغة الإنجليزية تحت عنوان:
Khalil Gibran the Prophet in Exile
لكم مني أغلى تحية.
العقاب البدني كان هو الوسيلة الوحيدة التي يلجأ إليها كأداة تقويمية . في البيت في المدرسة و حتى من كانوا ملزمين بتنفيذ القانون كانوا من اشد المتمسكين بنجاعتها .
في الستينات كان التعليم يعاني من خصاص في الموارد البشرية و لا البنية التحتية تواكب النمو الديمغرافي و اهتمام الاسر بتعليم ابنائهم لانهم حرموا منه .
المعلم كان انواع و رتب و درجات عارف ،عارف رسمي مؤقت، عرضي ، متدرب ، رسمي . قلة قليلة خضعت للتكوين المهني و التربوي.
“كنا نقرأ عن رقة ‘بوكماخ’ في صفحات ‘سلسلة إقرأ’ تحت ظل سوط ‘المعلم’، فتعلمنا من الأول كيف نحلم، ومن الثاني كيف نصمد.”
“We used to read of Boukmakh’s gentleness within the pages of the ‘Iqra’ series while under the shadow of the ‘Master’s’ whip; from the first, we learned how to dream, and from the second, we learned how to endure”
أستاذي،
المأساة لم تكن فقط في “سادية” المعلم، بل في التناقض الصارخ الذي عاناه جيلنا. كنا نفتح صفحات سلسلة “إقرأ” للأستاذ أحمد بوكماخ (رحمه الله)، لنبحر في عالم من المثالية وحب الآخرين وأدب السلوك، ولكن بمجرد أن نرفع أعيننا عن الكتاب، نصطدم بوجه “المعلم الظاهرة” الذي ينسف كل تلك القيم بضربة من مسطرته الحديدية. لقد كان المعلمون يدرسوننا “الفضيلة” بوسائل “رذيلة” تربوياً، وكأنهم يقرؤون نصوص بوكماخ بلغة لا يطبقونها، مما خلق فجوة عميقة بين المحتوى الملائكي والأداء القاسي. ومع ذلك، وعلى الرغم من قسوة تلك الأيام ومرارة جراحها، إلا أنها هي التي صقلت أرواحنا وصنعت منا ما نحن عليه اليوم، ولذا فإننا نستحضر ذكراها الآن بكثير من الحب والامتنان.
ALHOCEIMA
إلى 9 (الأستاذ عبد المجيد)
“I doubt whether classical education ever has been or can be successfully carried out without corporal punishment”
“أشك في أن التعليم التقليدي قد تم أو يمكن أن يتم بنجاح دون عقاب بدني ”
( هذا الاقتباس يعكس وصفاً لواقع التعليم في زمن أورويل وليس دعوة منه للقسوة، بل هو نقد ضمني للأنظمة التعليمية الاستبدادية التي عاصرها. )
(George Orwell)
(1903-1950)
شكراً لك أستاذ عبد المجيد على مداخلتك القيّمة وعلى مشاركة إصدارك الرائع “Khalil Gibran the Prophet in Exile”، الذي يعكس حبّك العميق لجبران.
في سياق “المعلم الظاهرة” لأستاذ عبد اللطيف مجدوب، يذكّرنا جبران بأن النبي الحقيقي لا يفرض حكمته بالسوط، بل يقود إلى عتبة العقل، بعيداً عن الإرهاب التربوي.
سأبحث عن كتابك لأستمتع به، فهو يربط بين المنفى الروحي لجبران والحرية التي يسعى إليها الطفل في قصة فاس.
تحية طيّبة من أوسلو، وأتمنى لك التوفيق في إثراء تراثنا الثقافي.
“A book is a gift you can open again and again”
“الكتاب هو هدية يمكنك فتحها مراراً وتكراراً”.
Garrison Keillor
إلى الأستاذ الفاضل (MC التعليق رقم 12)
أنوّه بغزارة ثقافتك وعمقها في الآن نفسه.
أستمتع دائما بقراءة تعليقاتك. مزيدا من التألق أرجو لك.
تشرفت بمعرفتك.
عبد المجيد (فرنسا).
عن أي حب وعن أي امتنان تتحدث يا صديقي . لقد كنا نرتجف رعبا وتتجمد الدماء في عروقنا كنا احيانا نتبول أو نكاد كلما استعصى على عقولنا فهم قاعدة نحوية ، أو أخطأنا في تحويل جملة . او أشبه علينا الأمر بين مفعول به و مفعول معه (تركت التلميذ والكتاب) . كانت مدارسنا أقرب إلى الثكنات العسكرية، وكان المعلم يتقمص دور حارس المعتقل أكثر من كونه مربيا . أنسنة دور الأب المربي لم تنجح في العديد من الدول المنطقة إلا مع بداية التسعينات وانتشار النموذج الغربي في التعليم . جوابا على التعليق رقم 11 .
قرأت كل المداخلات و آلمني نعت المعلم بالسا دي .
ملاحظة للقراء بين التعليم و التربية فرق شاسع . التعليم مسألة تقنية اما التربية فهي مشروع مجتمع . اشتغلت بالتعليم بعد تخرجي من مدرسة المعلمين تلقيت تكوينا نظريا على يد أساتذة جلهم أجانب تعرفنا على نظريات مونتيسوري و جان جاك روسو و باسكال …. و تدربنا في مدارس نموذجية غنمناها من المستعمر . بعد التخرج التحقنا بمقر العمل وحدة مدرسية مكونة من حجرة بناء مفكك دوار يعاني العزلة و التهميش الأمية و الهشاشة. ورغم ذلك كان السكان يعتبرون أنفسهم محظوظين لأن المدرسة حلم تحقق و عناء تبدد . . .
المدرسة ليست بمعزل عن الظروف الاجتماعية و الاقتصادية و السياسية التي كانت سائدة.
بعضهم يعتقد أن المدرس مثلا في الستينيات أو السبعينيات كان “عدوانيا ساديا” ، ليس هناك أحكام مطلقة والجزم بوجود هذه الشريحة من المدرسين والتي كانت (طاغية ) على المدرسة المغربية ، مقابل وجود معلمين متميزين أخذوا بأيدي تلاميذهم رغم أنهم قلة ولم يكونوا يمارسون العقاب باﻷلم والشدة مثلما أشار إليه الكاتب في القصة ، أما اليوم رغم وجود قوانين صارمة تحظر على المدرسة وأطقمها استعمال العقاب البدني أو حتى الزجر ، هناك من يترك الحبل على غارب التلاميذ ، لا يعنيه إن كان مجدا أو كسولا أو متعثرا ، نعم هذه الطينة موجودة اليوم وما أكثرها ، بل منهم من همه فقط الساعات الإضافية ، ومن لم ينضم إلى صفوفه أشبعه أصفارا.
الاستاذ المعلق حسن رقم 15 يفكرني بكتاب المرحوم غلاب “دفنا الماضي” بمعنى ان المغاربة دفنوا ماضي الاستعمار بسلبياته وايجابياته ونحن رغم الكلام على سلبيات اجيال ما بعد الاستقلال الى حدود التسعينيات في المدرسة المغربية وفي الادارات المغربية وفي الاسر المغربية نفسها وكذلك غنى احد الوجديين اغنية مشهورة على المسيد المغربي ويقول جملة مشهورة”غير سلاخ واقتل واعطيني أنا ندفن” او شيئ من هذا القبيل.فلذلك قلت في تعليقي الاول كلام عمر بن عبد العزيز ان هذه المرحلة يجب ان تنسى والخوض فيها تعيد ادماء الجراح لان طفولتنا كانت قاسية اجتماعيا وتربويا
إلى 14 و 15
“Pain is inevitable. Suffering is optional”
«الألم أمرٌ حتمي، أما المعاناة فهي خيار»
Haruki Murakami
(Japanese writer)
صديقي،
“الامتنان” الذي قصدته ليس شكراً للجلاد، بل هو احتفاءٌ بالناجي، فنحن نحب ذلك الطفل الذي كنّاه، لأنه صمد أمام رعب “المعتقل” ليصبح اليوم قادراً على الحوار.
لا ننكر وجود “سادية” أحرقت أرواحاً، لكن الإنصاف يقتضي أيضاً ذكر “رهبان التعليم” الذين جاهدوا في حجرات مفككة وقرى معزولة، محاربين الأمية بأدوات بدائية.
الحقيقة أن “المدرسة” كانت مسرحاً لصراع كوني بين فكر “بوكماخ” الحالم وواقع اجتماعي وسياسي خشن، ولم يكن كل المعلمين ملائكة كما لم يكن كل التلاميذ قديسين.
لقد كانت مدارسنا “مختبراً للصمود”، فيها تعلمنا النحو بدموعنا، لكننا خرجنا منها بصلابة مكنتنا من مواجهة الحياة وتحدياتها.
إن نظرتنا اليوم هي محاولة لترميم الذاكرة، فبين “المفعول به” الذي كنا عليه و”الفاعل” الذي صرنا إليه، تكمن قصة جيل صُهر في النار ليخرج ذهباً.
دمتم جميعاً، فالاختلاف في القراءة هو تكريم لذاك الماضي، وتأكيد على أننا رغم الرعب القديم، استعدنا إنسانيتنا وقدرتنا على المحبة.
ALHOCEIMA
amaghrabi+ M C
شكرا لتفاعلكما رجل التعليم في الستينات كان هو المحرك للعمل السياسي و المجتمع المدني و كان متشبع بالافكار اليسارية و عانى القمع ورجال التعليم أكثر ضحايا سنوات الرصاص الحي . العقاب البدني ارث سلفي و ( ضرب يراد منه تقويم اعوجاج. ) وسيلة المضطر و العجز عن إيجاد بديل . ربما علينا أن نقارن بين المكاسب و المساوئ أي نصف الكاس المملوءة و شكرا للأستاذ لأنه بسط لنا أرضية للمناقشة ( sans rancune)
كان دخول مراكز الشرطة مغامرة نفسية غير محسوبة النتائج كانت لغة الحوار جافة وصارمة حدود البطش جعلت الكثير يفضل العيش بلا وثائق رسمية خوفا من أن يسمع ما يهين الكرامة وهربا من تلك اللحظات الثقيلة التي يجد فيها نفسه محاصرا بكلمات قاسية تجعله لا يردد في سره : اللهم أخرجنا منها سالمين، وإن عدنا فإنا ظالمون . كان الشرطي حينها يحرص على إبقائك في حالةٍ من الإرباك التام تلقي التحية فلا تجد ردا يكسر الغموض ، وتقف أمام الكرسي الفارغِ فلا يأتيك الإذن بالجلوس . يلقي نظرة على وثائقك الشخصية يضعها جانبا ويناادي على من يليك تخرج وانت لاتعرف متى العودة وإلى أين تعود ولكنك لا تملك جرأة السؤال ، سؤال يجيبك عنه زبون في طابور الإنتظار …