مدننا كغابة من الإسمنت!

مدننا كغابة من الإسمنت!
الإثنين 16 مارس 2026 - 15:20

بين مطرقة الإسمنت وسندان الضياع

تشهد مدننا المعاصرة تحولاً بنيوياً مثيراً للقلق، حيث اجتاحت ظاهرة “الغابة الإسمنتية” فضاءاتنا العامة، وتنامت الكتل الخرسانية كالفطر في كل زاوية، محولةً المدن إلى صناديق مغلقة تفتقر للروح والجمال. وفي ظل هذا الزحف العمراني، تصاعدت حدة الضوضاء التي لم تعد تلوث السمع فحسب، بل أفسدت البيئة الحضرية وجعلت السكينة حلمًا بعيد المنال.

غياب المتنفسات واغتراب المواطن

إن غياب المتنفسات الأركيولوجية والحدائق التاريخية والمساحات المفتوحة أدى إلى خلق فجوة اجتماعية عميقة؛ حيث اندفع المواطنون مرغمين نحو التكدس داخل المقاهي كخيار وحيد للترويح عن النفس، مما حوّل الفضاء العام من مكان للتفاعل الإنساني والثقافي إلى استهلاك روتيني ضيق.

الشارع: الملجأ البديل والمرتع الخطر

أمام هذا الحصار الإسمنتي، وجد الأطفال أنفسهم مجبرين على اكتساح الشوارع والأزقة، واتخاذها مرتعاً وحيداً للعب. هذا الواقع المرير لم يكن بلا ثمن، إذ نتجت عنه ظواهر سلوكية مقلقة:

• التراشق بلغة نابية: حيث يصبح الشارع مدرسة لتعلم بذاءة القول وتفريغ الكبت.

• تخريب الممتلكات: كتهشيم زجاج السيارات نتيجة اللعب العشوائي، مما يولد صراعات لا تنتهي.

• انعدام السكينة: حيث تستمر الجلبة حتى ساعات متأخرة من الليل، مما يحرم السكان من حقهم في الهدوء.

ويزيد من حدة هذه الأزمة بعد النوادي الرياضية والترفيهية عن الأحياء الشعبية، فضلاً عن غلاء خدماتها التي تفوق القدرة الشرائية لأغلب العائلات، مما يجعل “الشارع” هو المرفق المجاني الوحيد والمتاح.

صمت المسؤولين وصرخات السكان

تظل “الفضاءات الخضراء” هي الحاجة الملحة التي يسكت عنها المسؤولون عن قطاع الإسكان والتعمير، بينما ترتفع بها حناجر السكان والمواطنين في كل مناسبة. إن هناك تواطؤاً غير معلن يمنح الأولوية لبناء الشقق والمحلات التجارية على حساب الرئة التي تتنفس منها المدينة.

أين تصاميمنا الحضرية من حقوق الطفل؟

يطرح الواقع سؤالاً استنكارياً: أين هي تصاميمنا الحضرية من المواثيق الدولية لحقوق الطفل؟ لماذا يصر المنعشون العقاريون على إفراغ تصاميمهم من المرافق الترفيهية وملاعب القرب، حتى ولو كانت بمقابل رمزي؟ إن الجشع العقاري حوّل “حق اللعب” إلى ترف لا يملكه إلا القلة.

إن الشارع والزقاق لم ولن يكونا المكان المناسب لنمو الطفل نمواً سليماً؛ بل هما منبع للحزازات والصراعات والاحتقانات التي تصل أحياناً إلى حد الأحقاد الدفينة بين الجيران، فقط لأن طفلاً ركل كرة أو صرخ عالياً أمام نافذة جارٍ يبحث عن الراحة.

وكخلاصة، إن إعادة الاعتبار لحق الطفل في فضاء لعب آمن ومنظم ليس ترفاً هندسياً، بل هو ضرورة أخلاقية واجتماعية لوقف نزيف القيم وحماية السلم الاجتماعي داخل أحيائنا.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

13
  • KITAB
    الإثنين 16 مارس 2026 - 17:15

    الموضوع يثير قضية في غاية اﻷهمية والحساسية ، ماذا يعني لا وجود لملاعب اﻷطفال ولا حدائق محلية ترفيهية ، اﻷطفال يملؤون الشوارع يتراشقون بالكلمات النابية ويرشقون واجهات السيارات المركونة أو العابرة ، بعضهم يتجه إلى سطوح المنازل ، قضية فعلا في منتهى الحساسية ، مدننا عبارة عن غابة من الاسمنت والحديد ليس هناك متنفسات إكولوجية إلا نادرا ، لقد صدق علينا القول العامي ( أولاد وطلاق للزنقا)، سلمات

  • MC
    الإثنين 16 مارس 2026 - 18:15

    “N’est-ce pas là tout, en effet, et que désirer au delà ? Un petit jardin pour se promener, et l’immensité pour rêver”

    “Is this not everything, indeed, and what more could one desire? A little garden to stroll in, and immensity to dream in”

    “أليس هذا هو كل شيء حقاً؟ وماذا قد يرجو المرء أكثر من ذلك؟ حديقة صغيرة للتنزه، واللانهاية للحلم.”
    Victor Hugo (Les Misérables)

    “La ciudad es un libro que se lee con los pies”
    “The city is a book that is read with the feet”
    “المدينة كتابٌ يُقرأ بالقدمين.”
    Quintin Cabrera

    أستاذي،
    أحييك على هذا التوصيف الدقيق لواقع “الزحف الإسمنتي” الذي حوّل أحياءنا إلى سجون باردة، وأرى أن الحل يبدأ بفرض “كوطا” إجبارية للمساحات الخضراء وملاعب القرب في كل مشروع عقاري كشرط للترخيص، مع تفعيل الشراكات بين القطاعين العام والخاص لإنشاء نوادي سوسيو-رياضية بأسعار رمزية تخرج الأطفال من ضيق الأزقة إلى سعة الإبداع، فالاستثمار في الفضاء العام هو استثمار مباشر في الصحة النفسية والسلم المجتمعي، إذ
    “لا يمكن لبناء الحجر أن يستقيم إذا كان على حساب بناء البشر”.

    ALHOCEIMA

  • amaghrabi
    الإثنين 16 مارس 2026 - 20:00

    سيدي محمد المحترم ,المغرب في وضع مريح وفي موقع قوي بعدما اعترف الرئيس ترامب بمغربية الصحراء في العهدة الاولى وبعدما نسج قرار الحكم الذاتي كحل وحيد الواقعي والذي يمكن تطبيقه وارغام الاطراف على التفاوض على هذا الحل ولا تفاض على شيئ اخر وبالتالي فالوثيقة التي قدمها المغرب للتفاض يجب ان لا تنازل عنها ولا نترك الاعداء يتلاعبون فيها وان تقبل كما هي او تفرض كما هي لاننا في موقف قوة واعضاء الكنكريس الامريكي والحمد لله يعملون من اجل ايجاد صيغة جديدة اذا فشلت المفاوضات الا وهي ادخال المرتزقة كمنظمة ارهابية والجزائر دولة تدعم الارهاب وتكون أحلى خدمة يقدمها الرئيس ترامب ونوابه المحترمين والضربة القاضية للعصابة التي تقول انا لست طرفا وفي نفس الوقت تعادي اسبانيا وفرنسا حينما اعترفوا بالحكم الذاتي كحل واقعي ينهي الصراع المفتعل

  • amaghrabi
    الإثنين 16 مارس 2026 - 20:14

    سيدي عبد اللطيف ملاحظة مهمة بحيث المناطق الخضراء مهمة جدا وانا من سكان فرانكفورت الالمانية عشت منذ وجودي في هذه المدينة الجميلة جدا بحيث في اي حي تسكن فيه الا ووجت ليس حديقة خضراء وانما غابة خضراء بحيث كنت في البداية اسكن في حي اخرج من بيتي وبعد 10 دقائق مشيا اجد نفسي في غابة وليس في حديقة غابة مجهزة بطرق معبدة واماكن للرياضة ووو واليوم مسكني رغم انه يبعد 6 كلمترات عن المسكن القديم فالغابة بقرب داري او حيي وفي دقيقتين او ثلاث اكون داخل غابة مجهزة من خلالها تخرج الى احياء اخرى وبالتالي أعيش أكثر مما تتمناه أنت لمدننا المغربية.ولكن ما السبب ياترى؟فكرت في هذا كثيرا واعتقد أن شح الماء هو الذي يجعل من مغربنا يعيش بين الاسمنت وفهمت هذا حينما بدأت هذه السبع سنوات من الجفاف بمغربنا وكان كرنيش الناظور في خضرة رائعة ولكن في الثلاث سنوات الاخيرة اعلنت مديرة مارتشيكا ان سبب تراجع الاخضرار هو ندرة الماء كما قالت المديرة لا يمكن أن نسقي الاشجار حاليا ونترك المواطن يعيش عطشا .وجعلنا من الماء كل شيئ حي. وبالتالي فحتى مطر ربنا يلعب دورا مهما في المناظق الخضراء وهذا ليس مبررا ان لا تقوم الدولة بمجهود م

  • شهادة حق .
    الإثنين 16 مارس 2026 - 20:18

    قد ينطبق هذا الأمر على الدار البيضاء ، خاصة في مشاريع السكن الاقتصادي . أما في مراكش، فالوضع مختلف حيث تتوفر الحدائق وملاعب القرب في غالبية الأحياء الجديدة ، بل وحتى في بعض مناطق السكن الاقتصادي ، وإن بدرجة أقل . غير ان ما يميز الدار البيضاء عن مدينة مراكش هو انها مدينة صناعية وفرص العمل بها افضل بكثير من فرص العمل بمراكش .

  • أين يلعب أطفالنا
    الإثنين 16 مارس 2026 - 21:34

    أثار الكاتب قضية ساخنة يعاني منها معظم المغاربة سيما في المدن الكبرى والمناطق السكنية خاصة ، حيث لا نلاحظ إلا غابات الحديد والإسمنت ، لا وجود لمناطق خضراء ولا مرافق للترفيه ، ويؤدي أطفالنا ثمنا فظيعا حيث لا يجدون أمامهم سوى الشوارع واﻷزقة والدروب والسطوح ، يرتادونها ليلا ونهارا ، سيما أيام العطل ، يقال إن مصالح التعمير والإسكان وتفويت رخص البناء ، يفرضون على المنعشين العقاريين مساحات خضراء ، فيفاجأ الجميع ٱن البناء ينتهي بدون هذه المساحات ، ماذا نسمي هذا ؟ لا حول ولا قوة إلا بالله نهم ولهف على حساب الطفولة.

  • إلى اخر تعليق ..
    الإثنين 16 مارس 2026 - 21:48

    اذا كانت السلطات بريئة من غياب المرافق الترفيهية في المدن الجديدة وغياب الحمامات الشعبية وليس الحمامات التركية التي يشرف عليها مسثتمرون في المجال فهل هذا صك براءة لها من هذا الانحراف الخطير او أنه تواطؤ مدفوع الثمن من مقاول سخي العطاء . علينا ان نقر بهذا المعطى وعلينا ان نساءل لجان المراقبة التابعة للدولة لم لم تشرف على تنزيل الاتفاق وعلينا أن نقوم بمتابعة كل من تورط من قريب او بعيد في هذا الخصاص . قد لا أكون أول من اشار الى هذه النقطة وقد لا اكون الأخير ولكن السلطات تحمل في وجهها أذنا من طين واخرى من عجين وتعرف ان سوابق الافلات من المحاسبة تمنحها صك الأمان .

  • Lamya
    الثلاثاء 17 مارس 2026 - 09:47

    سيدي مجدوب المحترم مقالكم يضع الأصبع على جرح غائر في مدننا و هو غياب الرؤية الجمالية و الوظيفية. يجب أن ندرك أن التصميم الحضري و هندسة المدينة (Urban Design & Planing) هو علم قائم بذاته يدرس في أرقى الجامعات العالمية و لا ينبغي أن يترك للعشوائية.
    هذا العلم ينطلق من مبدأ أساسي و هو أنسنة المدن, حيث يتم أخذ بعين الإعتبار متطلبات الساكنة النفسية و الإجتماعية و الترفيهية و كأولوية قبل وضع حجر الأساس. التصميم الناجح هو الذي يوازن بين الحاجة للسكن و بين حق الساكنة في الجمال و السكينة, من خلال دمج المساحات الخضراء و المرافق الثقافية و الرياضية و الترفيهية كعناصر أساسية لا تكميلية فقط. مواجهة هذا القبح الاسمنتي تبدأ من إعادةالاعتبار لهذا العلم في جامعاتنا و تطبيقه بصرامة في تصاميم التهيئة لدينا

  • سكن وكفى .
    الثلاثاء 17 مارس 2026 - 11:43

    شخصياً اخر همي هذا الترف الذي يبحث عنه الاخر أنا بلا مسكن واجري لا يكفي لتوفير ثمن خروف العيد فكيف بثمن شقة بجانب حديقة او ملعب قرب أنا اريد فقط سكنا وان من غرفتين وبلا ماء ولا كهرباء … فقط تعبت من صراع امي مع زوجتي وزوجتي مع اختي واخت زوجتي مع اختي لقد تعبت فلا أنا قادر على تطليق الزوجة لان لي منها أبناء ولا أنا قادر على ان انهي صراعا لا تعرف الظالم فيه من المظلوم ولو حرصت .

  • Lamya
    الثلاثاء 17 مارس 2026 - 12:47

    إلى التعليق رقم ٩ سكن و كفى
    المواطن الذي يشتري سكنا اقتصاديا يؤدي ثمنه من عرق جبينه و من حقه أن يعيش في فضاء يحترم إنسانيته. الجمال و التصميم الجيد ليس للأغنياء فقط بل هو ضرورة للصحة النفسية و الأمن المجتمعي للجميع. المسألة تتطلب فقط العلم و ثقافة التصميم الجيد و ليس إلى أموال كثيرة

  • a Lamyaa
    الثلاثاء 17 مارس 2026 - 14:35

    تحية فعلا ، كان ردك مفحما وبموضوعية لا أحد يجادل فيها ، مسكين المعلق ، قال بلي أنا خصني غير فين نسكن ، كايحسابلو بلي اجاردا فين يلعبو ادراري ولا يجلسو الجيران هي ترف وخضرا فوق الطعام ، هذا غدا الاسكن ودار ادراري عاد غاديا لفكرة تجيه بيللي السكن المريح والصحي = الجار = النظافة = الهدوء= مرفق أو مساحة خضراء فين يخرجو الجيران مع ولادهم

  • amaghrabi
    الثلاثاء 17 مارس 2026 - 15:13

    ليكن في علم الاستاذ عبد اللطيف واخواني المعلقين أن تعليقي رقم 3 كان موجها الى مقال الاستاذ اشلواح محمد الذي كتب عن العصابة العسكرية الجزائرية وبالتالي بدل أن افتح صفحة الاستاذ محمد اشلواح فتحت صفحة الاستاذ عبد اللطيف حفظه الله وأعتقد انها لا تشوش على المقال لانها فكرة موجهة الى أعداء وحدتنا الترابية

  • Hassan
    الثلاثاء 17 مارس 2026 - 21:48

    شكرا للأستاذ لأنه منحنا فرصة لنتحدث عن حق من بين حقوق اخرى للأسف الدولة منحته للمستثمرين .
    غنمنا أحياء خلفها المستعمر الفرنسي تتوفر على بنية تحتية جيدة و مرافق رياضية و ترفيهية و مساحات خضراء ضعف المساحة المبنية و .و.و. للأسف شركات وطنية لكنها غير مواطنة حولت الأحياء الى مأوى للنوم فقط ( Dortoir)

صوت وصورة
حكايات ما تقالتش | الرابور علي صامد
الجمعة 9 أكتوبر 2026 - 23:30

حكايات ما تقالتش | الرابور علي صامد

صوت وصورة
ميطا 3 | هل حسم المغرب لقب "الكان"؟
الجمعة 9 أكتوبر 2026 - 21:23 3

ميطا 3 | هل حسم المغرب لقب "الكان"؟

صوت وصورة
ليلة رعب في أولاد عياد
الجمعة 9 أكتوبر 2026 - 20:45 3

ليلة رعب في أولاد عياد

صوت وصورة
المعارضة وتفعيل التوجيهات الملكية
الجمعة 9 أكتوبر 2026 - 20:30 3

المعارضة وتفعيل التوجيهات الملكية

صوت وصورة
إشادات بمضامين الخطاب الملكي
الجمعة 9 أكتوبر 2026 - 20:02 5

إشادات بمضامين الخطاب الملكي

صوت وصورة
الملك محمد السادس يترأس افتتاح البرلمان
الجمعة 9 أكتوبر 2026 - 16:00 8

الملك محمد السادس يترأس افتتاح البرلمان