باحثون يرصدون "انزياح" احتفال المغاربة بالعيد نحو الطقوس الاستعراضية

باحثون يرصدون "انزياح" احتفال المغاربة بالعيد نحو الطقوس الاستعراضية
صورة: منير امحيمدات
الأحد 22 مارس 2026 - 08:00

رصَد باحثون في علم النفس الاجتماعي وعلم الاجتماع تحولا جاريا في مناسبة عيد الفطر نحو “انزياحه” إلى محطة طقوسية محورية تتشابك فيها أبعاد التماسك الاجتماعي بالتحولات السيكولوجية المعاصرة؛ فبينما يظل العيد جسرا حيويا لإعادة دمج “الأسر النووية” في نسيج “العائلة الكبيرة” وتنشيط الروابط التي أوهنها التباعد الجغرافي، فإنه يشهد في المقابل تحولا لافتا نحو “الطقوسية الشكلية” وهيمنة النزعة الاستهلاكية والاستعراضية التي تغذيها الوسائط الرقمية.

قراءات الباحثين، في حديث لهسبريس، أكدت تأرجُح السلوك الاجتماعي في العيد؛ ما يجعل من هذه المناسبة “مختبرا سوسيولوجيا ونفسيا” لفهم كيفية إعادة صياغة الروابط العائلية في ظل التجاذب بين التقاليد الموروثة وإكراهات الحداثة الرقمية، في زمن ذكاء الآلة.

“طقوسية طاغية”

قال عادل غزالي، أستاذ علم النفس الاجتماعي بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بالمحمدية، إن هناك تحولا جوهريا طرأ على مناسبة العيد، حيث انتقلت من حيزها الروحي والديني العميق إلى حيّز “الطقوسية الشكلية”، بتوصيفه.

هذا التحول جعل من “المظاهر الخارجية” هي المحرك الأساسي. وفي هذا الصدد، أكد غزالي، في تصريح لهسبريس، أن “منطق “الاستعراض” أو “أن يُنظر إلينا” أصبح هو السائد.

وضرب الأستاذ الجامعي المختص في علم النفس الاجتماعي المثال بـ”ممارسات التدين، كصلاة العيد مثلا، لم تعد تكتفي بكونها لحظة تعبّدية تُقرب العبد من ربه وتجمَعه بأهله؛ بل أصبحت ترتبط ارتباطا وثيقا بالصورة وتوثيق اللحظة لمشاركتها مع الآخرين”.

وفي سياق متصل، سجل المصرح عينه الدور المتعاظم لوسائل التواصل الاجتماعي (مثل منصتَي “إنستغرام” و”فيسبوك”) في إعادة صياغة الروابط الاجتماعية. فقد برز “المؤثرون” كفاعلين جدد يحددون المعايير الاجتماعية لكيفية الاحتفال؛ بدءا من طريقة اللباس، ووصولا إلى كيفية تبادل الزيارات. هذا الأمر خلق نوعا من “الانسياق الاجتماعي”، حيث يجد الأفراد أنفسهم مدفوعين إلى تقليد نماذج معينة لضمان القبول الاجتماعي} مما أفقد المناسبة عفويتها وخصوصيتها الأسرية.

كما عرّج غزالي على ظاهرة “الهروب الاجتماعي” خلال العيد، إذ يختار البعض الابتعاد عن التجمعات العائلية هربا من “الأسئلة الضاغطة” والمحرجة التي تلاحقهم؛ مثل الاستفسارات المتكررة عن الزواج، أو الإنجاب، أو الوضع المادي..

ونبه المختص في علم النفس الاجتماعي إلى أن “الضغط النفسي المتولد عن الرقابة الاجتماعية داخل الأسرة الممتدة دفع بفئات عريضة إلى السفر أو تفضيل قضاء العيد في الفنادق والمنتجعات، كآلية دفاعية لحماية استقلاليتهم وخصوصيتهم من التدخلات”.

وختم الأستاذ ذاته تصريحه بالحديث عن “الهيمنة الاستهلاكية”، حيث تحول العيد إلى “محطة اقتصادية بامتياز يسودها منطق المبالغة في الاقتناء”. فبعد أن كان العيد يرتكز على مفاهيم البساطة وإدخال السرور على الأطفال، أصبح اليوم يشبه “عملية جرد حساب” سنوية، حيث يقيس الأفراد مكانتهم الاجتماعية من خلال قدراتهم الشرائية ونوعية استهلاكهم؛ “ما يزيد من وضع الأسر المغربية تحت ضغوط مادية ونفسية هائلة تتجاوز المقصد الديني للمناسبة”.

منظور سوسيولوجي مغاير

من منظور سوسيولوجي، سجل زكرياء أكضيض، أستاذ باحث في علم الاجتماع بجامعة القاضي عياض، أن العيد يمثل “دوريّة طقوسية” سنوية بالغة الأهمية “لا يمكن استيعاب معناها الحقيقي إلا من خلال بُعدها الجماعي”.

وشرح أكضيض، في تصريح لجريدة هسبريس بالمناسبة، أن “العيد في جوهره هو ممارسة اجتماعية تشاركية بامتياز، ترفض الانكفاء الفردي. وعلى الرغم من التحولات البنيوية التي شهدها المجتمع المغربي، لا سيما مع الانتقال من نمط “الأسرة الممتدة” إلى “الأسرة النووية”، فإن العيد يظل المناسبة الأقوى التي تمتلك القدرة على تجسير المسافات وإعادة وصل ما انقطع من روابط عائلية”.

وأوضح الأستاذ الباحث في علم الاجتماع أن “العيد يعمل كآلية لـ”تنشيط العلاقات العائلية”، حيث يخرج الأسر الصغيرة من عزلتها اليومية وضيق نطاقها ليعيد دمجها، ولو لفترة مؤقتة، في النسيج العائلي الأكبر.

وأبرز المصرح عينه أن “هذا الحراك الاجتماعي يساهم في تجديد الانتماء للهوية الأسرية وتثبيت القيم المشتركة التي قد تتوارى خلف رتابة الحياة الحديثة؛ مما يجعل من العيد صمام أمان يحافظ على الحد الأدنى من التماسك الاجتماعي في مواجهة التفتت”.

وبشأن الجدل الدائر حول “تأثير العالم الرقمي على الروابط الاجتماعية”، لم يتفق أكضيض مع الأطروحات التي تجزم بوقوع “تفكك اجتماعي” كلّي؛ بل قال إننا بصدد حالة من “التباعد الجغرافي” الذي فرضته ظروف العمل والتحضّر، مما أدى إلى “عدم انتظام” في اللقاءات الأسرية المباشرة.

في هذا الصدد، تابع شارحا: “التواصل الرقمي هنا لا يلغي الرابط الاجتماعي؛ بل يعيد تشكيله بما يتناسب مع إكراهات العصر، موفرا قنوات بديلة للحفاظ على استمرارية التواصل”.

وأجمل زكرياء أكضيض أن الأفراد أصبحوا يمارسون نوعا من “الذكاء الاجتماعي” في التعامل مع هذه الوسائل؛ فهم يرسمون حدودا واضحة بناء على رهاناتهم الشخصية والاجتماعية. فبينما يكتفي الفرد بالتهنئة الرقمية (عبر الرسائل أو المكالمات) مع الدوائر الاجتماعية البعيدة أو زملاء العمل، فإنه يظل حريصا على “التهنئة المادية” التي تتطلب الحضور الفعلي والزيارة المباشرة للوالدين والأقارب المقربين.

وبذلك، نحن لا نعيش نهاية الروابط الاجتماعية؛ بل نعيش مرحلة “الصياغة الجديدة” لهذه الروابط وتكيفها مع الوسائط التكنولوجية.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

13
  • MuSSTaPHa
    الأحد 22 مارس 2026 - 08:34

    و لماذا لا نقول بأن المغاربة قلوبهم تقية لقوله تعالى: “وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ” (الحج : 32)

  • حمودة
    الأحد 22 مارس 2026 - 09:42

    المغاربة انساقوا مع الشكليات و المظاهر البراقة و التفاخر بالمشتريات و المواءد المملوءة حتى كادت الاعياد و صلاة الجمعة اقرب الى الفلكور بدل ان تكون طقوس روحانية تعبدية و هدف القاءمين بالشأن الديني في بلادنا الساءرة في طريق الاخلف هو هكدا

  • ميلود
    الأحد 22 مارس 2026 - 09:44

    الدين و التدين يتغيران بتغيير عقليات الناس. في الستينات إلى الثمانينات كان الدين مغربي محض فيه تواضع و تسامح و تكافل من أصل الإنسان المغربي الحقيقي. و منذ التسعينات سمحت الدولة في سياستها بدخول أنماط دينية لا علاقة لنا بها كالوهابية و الإخوانية و الأصولية و كثير من الإيديولوجيات التي تسربت إلى مناهج التعليم و إلى المساجد و المكتبات فبدأت العقلية المغربية تميل إلى التشدد و العصبية. و مما زاد الأمور هجونا هو دور التقنيات الحديثة و الهواتف الذكية. و الآن نجد عقليتنا منقسمة قسمين :من جهة تميل مظهرا إلى التدين من خلال الكلام المتزمت و اللباس المشرقي و السيلفي أمام الكعبة، و من جهة أخرى تميل باطنا إلى الفساد الأخلاقي من مجون و سرقة و أنانية و….

  • عماد
    الأحد 22 مارس 2026 - 10:44

    فعلا هذا هو الملاحظ كثيرا في الاعياد العشرة الأخيرة على الاقل ومع رحيل الجيل الاكبر سنا الذي كان يعطي لطقوس العيد حقها من زيارة الاحباب ومساعدتهم والاطمئنان على حالتهم في جو روحاني تحول حاليا الى نوع من البهرجة واستعراض الملابس التقليدية والعصرية وانواع من الحلاقة الدخيلة ونشر ذلك في المواقع الذي كان لها دور كبير في هذا التغيير الحاصل في المجتمع

  • متتبع
    الأحد 22 مارس 2026 - 11:42

    لماذا هؤلاء الباحثون لم يرصدا هذا الاستعراض و الاستهلاك في رأس السنة الميلادية حيث يخسرون الملايين على السهرات بالفنادق و المنتجعات السياحية و الإقبال الملفت على الحلويات و…… هؤلاؤ الباحثون ينتقذون فقط الأعياد الدينية للأسف

  • حسين
    الأحد 22 مارس 2026 - 11:43

    العلمانيين والحداثيين في المغرب يحزنهم ان يروا ان يرو المساجد والمصليات مكتضة بالمصلين
    ويحزنهم ان يرو. الأسر المغربية تحتفل باعيادهم الدينية . وهؤلاء العلمانيين عملو جهدا كبيرا من خلال الإعلام العمومي. ان الأسرة والعائلة المغربية
    لم يعد لها علاقة لدينها وعاداتها . لكن خاب امال هاؤلاء . الاسلام مازال في قلوب المغاربة نقول لكم

  • محمد
    الأحد 22 مارس 2026 - 11:54

    أولا من هاؤلاء حتى يقولون علينا ماليس فينا وتانيا كم عدد هاد الفلاسفة لكي تفلسفو علينا هاكا؟ الحمد الله ، الله سبحانه وتعالى حفظ دينه الحنيف ولو حاربته ضده شياطين الجن و الإنس، هاته الضاهره نعم نجدها عند المسيحين و أصحاب الديانات الأخرى، التي أصبحت أعيادها مرصد مهم لجني الأموال الهائلة وتحويل مجتمعاتهم إلى قطيع استهلاكي محظ. هو: “إِنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ لِهَذِهِ الأُمَّةِ عَلَى رَأْسِ كُلِّ مِائَةِ سَنَةٍ مَنْ يُجَدِّدُ لَهَا دِينَهَا”

  • عبد الجليل من التيكساس
    الأحد 22 مارس 2026 - 14:20

    ذات يوم، عندما بلغت سن العشرين، تاستيقظت صباحا ووجدت نفسي انني لا اريد أن أكون مسلما، وقررت الخروج من الإسلام الذي ورثته دون أن أختاره، كما كنت سأكون سيخياً أو بوذياً لو ولدت في الهند.
    السبب كان اكتشافي الشرخ الواسع والتناقض الصارخ بين ممارسات مجتمع “المسلمين” وبين ما يدعو إليه الإسلام. فالروابط التي تحكم قبيلة «المسلمين» مبنية على كل شيئ إفلا الصدق والأمانة والنزاهة والرحمة، مبنية على : النفاق المُنظَّم، الكذب، الغدر، النميمة، الحسد، الحقد تجاه بعضهم البعض. تجدهم مصطفين جنباً إلى جنب في المساجد أيام الجمعة والأعياد يبتسمون لبعضهم البعض بخبث شديد، وما إن يخرجوا منها حتى يتحولوا إلى صهاينة ومجوس وسيخ وبوذيين وعباد الدرهم… مع غياب أي سمة إسلامية حقيقية فيهم
    أصبحت لادينياً في المغرب: أؤمن بخالق الكون لكنني لا أؤمن بالبشر الذين يتوسطون بين الله والإنسان.
    من بعد سهل علي الله هاجرت إلى أمريكا، وجدت أن غير المسلمين يمارسون بالضبط ما يدعو إليه الإسلام: الصدق في المعاملات والجميع يكتتب في الصناديق التضامن والتكافل حيث يدفع كل مواطن شهرياً لكي تتكفل الدولة بالفقراء في كل المجالات.

  • عنتر بن قداد
    الأحد 22 مارس 2026 - 14:49

    خلال رمضان كانت المساجد ممتلئة عن اخرها بالمصليين الموسميين وفي ثاني ايام العيد اصبحت مهجورة قمة النفاق الايمان في القلب وليس في المظاهر تجد سيدة مع بناتها في صلاة التراويح ليس للتقرب الى الله بل من اجل الترويج لبناتها لعلى وعسى يصيدو شي فريسة اعتقاد منه انهم بنات الحلال ومتدينات وبمجرد انتهاء رمضان تجدهن في مقاهي الشيشة والليالي الحمراء تقدرو نقولبو البشر ولكن الله ممعاهش اللعب

  • محمد أ.ب.
    الأحد 22 مارس 2026 - 20:39

    وما المانع أن تستفيد الأسرة المغربية من تيسير العيش ورفاه الحياة -ولو حينا ؟! ومن تم جاءت “فرحة العيد ” . الإيمان في القلب .ولا ضير فيما وصف بحفاوة العيد ” الزائدة” – كما يراها البعض . هل من واجبات الأعياد الدينية ،أن نبقى على نمط احتفال أجداد الأجداد ؟ بلباس أجش وإطار صلاة غير مؤطر دينيا؟ العيش في حاضر العصر لا ينفي ولا ينتقص من إيماننا وتعبدنا .

  • من الزمن الجميل
    الأحد 22 مارس 2026 - 22:48

    في الزمن الماضي كان الإحساس والشعور بالأعياد والمناسبات الدينية أفضل مما هو عليه الآن بسبب “العصرنة” وطرق واساليب العيش والسكن التي تغيرت وأثرت سلبيا على العديد من الطقوس والأعراف الاجتماعية التي كانت تتميز بها هذه المناسبات: كاستعداد ربات البيوت للعيد، في الأسبوع الأخير من رمضان، بتنظيف جميع أرجاء المنزل وتبييض خارجه بالجير، وشراء ملابس العيد للأطفال وتهييء الحلويات وخبز الفرن التقليدي المزين بأشكال هندسية والمطلى بالبيض وبحبوب السمسم وغيرها…
    وكان يتم إخراج زكاة الفطر، التي كانت تؤدى عينا، وتوزيعها في صباح العيد على الفقراء والمساكين وعلى الطبال والنفار وليس على الأقارب كما هو حاليا…
    بعد صلاة العيد وتناول الفطور تبدأ الزيارات وتبادل التهاني حضوريا وليس عن بعد، ويقوم الأطفال بزيارة أفراد عائلاتهم للحصول أو جمع بعض الدراهم أو ماكان يسمى بـ”فلوس العيد…”
    وأتذكر أنه في المساء، عند آذان صلاة المغرب، كنا نشعر بنوع من الحزن والأسى على انقضاء شهر رمضان وطقوسه ونهاية فرحة يوم العيد ..

  • موحا
    الثلاثاء 24 مارس 2026 - 12:34

    العيد فرح واكل وشرب كما قال المصطفى
    وخذوا زينتكم عند كل مسجد كما قال سبحانه وتعالى
    هذه المظاهر تغيظ الكفار والمنافقين

  • عابر سبيل
    الخميس 26 مارس 2026 - 10:12

    وهل اطلعنا على قلوب الناس .. الايام الدينية و المقدسة و العيد تذكر الناس بربهم و تنقلهم من الغفلة الى الطريق السوي و ما احوجنا الى مواسم الطاعات و العبادة هذه هي جوهر الانسان و المبتغى ولكن تكالب على الامة الاعداء من اعلام و سياسة و اقتصاد وووو ولكن الله رؤوف بعباده … اللهم اكثر من طقوسنا الربانية التي تغيض الكفار .

صوت وصورة
الملك يعين المنصوري رئيسة للحكومة
الثلاثاء 29 شتنبر 2026 - 16:55 6

الملك يعين المنصوري رئيسة للحكومة

صوت وصورة
محطة عشوائية في حديقة بسلا
الثلاثاء 29 شتنبر 2026 - 11:28 11

محطة عشوائية في حديقة بسلا

صوت وصورة
انطلاق أشغال ملعب تيسيما
الإثنين 28 شتنبر 2026 - 23:12

انطلاق أشغال ملعب تيسيما

صوت وصورة
طلبة يطالبون بإنصاف الشهادات
الإثنين 28 شتنبر 2026 - 21:19 7

طلبة يطالبون بإنصاف الشهادات

صوت وصورة
توقف أشغال يعرقل السير بطنجة
الإثنين 28 شتنبر 2026 - 15:42 3

توقف أشغال يعرقل السير بطنجة

صوت وصورة
حريق سوق المسيرة بالبيضاء
الإثنين 28 شتنبر 2026 - 13:09 7

حريق سوق المسيرة بالبيضاء