أي مستقبل للجالية؟

أي مستقبل للجالية؟
الخميس 26 مارس 2026 - 19:13

تمرّ أوروبا منذ سنوات بمرحلة دقيقة ومعقدة، تتقاطع فيها الأزمات الاقتصادية مع التحديات الجيوسياسية والتحولات الاجتماعية العميقة. وأستحضر هنا لقاءً جمعني بسياسيٍّ مغربيٍّ في مطار إحدى مدن كوستا ديل سول، حين قال لي بنبرة واثقة إن الاتحاد الأوروبي قد لا يصمد طويلًا، وأن مآله قد يشبه ما انتهت إليه الإمبراطورية العثمانية. يومها بدا لي هذا الطرح مبالغًا فيه، لكن مع توالي الأزمات، لم يعد ذلك التصور بعيدًا عن دائرة الممكن.

اليوم، تواجه أوروبا سلسلة من الاختلالات البنيوية. فالتوترات مع روسيا تفرض ضغوطًا متزايدة على منظومة الأمن والدفاع، بينما كشفت أزمات الطاقة عن هشاشة الاعتماد على الخارج، وما يترتب عنه من ارتفاع في التكاليف وتراجع في القدرة التنافسية. وفي المجال الاقتصادي، تتزايد المؤشرات على تراجع بعض القطاعات الصناعية التقليدية، مقابل انتقال الاستثمارات نحو فضاءات أكثر دينامية، فضلًا عن تباطؤ نسبي في الابتكار مقارنة بقوى عالمية صاعدة. ولا يقلّ التحدي الديمغرافي خطورة، في ظل شيخوخة السكان وما تفرضه من أعباء على أنظمة الحماية الاجتماعية وسوق الشغل.

صحيح أن هذه التحديات لا تعني انهيارًا وشيكًا، لكنها تكشف عن أزمة عميقة قد تُفضي، إن لم تُواجه بإصلاحات جذرية، إلى إضعاف المشروع الأوروبي أو إعادة تشكيله على نحو أقل تماسكًا. وفي كلتا الحالتين، لن تقتصر التداعيات على الأوروبيين وحدهم، بل ستمتد إلى ملايين المهاجرين الذين ترتبط أوضاعهم بشكل مباشر بصحة الاقتصاد الأوروبي واستقراره.

في هذا السياق، تبدو الجالية المغربية في أوروبا من بين الفئات الأكثر عرضة للتأثر. فهي حاضرة بقوة في قطاعات هشة بطبيعتها، مثل البناء والخدمات والصناعة، وهي قطاعات غالبًا ما تكون أول من يدفع ثمن الأزمات. ومع تراجع فرص العمل وارتفاع معدلات البطالة، قد يجد العديد من المغاربة أنفسهم أمام خيار العودة إلى الوطن، لا بدافع الرغبة، بل تحت ضغط الضرورة.

ولا يبتعد هذا السيناريو كثيرًا عن الذاكرة القريبة. فخلال الأزمة الاقتصادية التي ضربت إسبانيا بين سنتي 2007 و2008، خاصة بعد انهيار قطاع البناء، عرفت موجات عودة لآلاف المغاربة. وأتذكر جيدًا، وأنا في ميناء بني أنصار بالناظور، وأنا أنتظر صديقًا، فإذا بي أشهد وصول مئات المهاجرين محمّلين بحقائبهم وأدوات عملهم، من معدات البناء والسباكة وغيرها. كان ذلك المشهد تجسيدًا حيًا لواقع قاسٍ: عودة اضطرارية بحثًا عن فرصة للعيش بعد أن ضاقت بهم سبل العمل في إسبانيا.

إن تكرار مثل هذه المشاهد يظل احتمالًا قائمًا إذا استمرت الأزمات الأوروبية أو تفاقمت. وهو ما يفرض على المغرب تبنّي رؤية استباقية، تقوم على إعداد سياسات قادرة على استيعاب العائدين، عبر خلق فرص الشغل، وتحفيز الاستثمار، والاستفادة من الكفاءات والخبرات التي راكمها هؤلاء في بلدان المهجر. كما يقتضي الأمر إدماج قضايا الجالية ضمن رؤية استراتيجية شاملة، بدل التعامل معها بردود فعل ظرفية.

ورغم هذه التحديات، تظل الجالية المغربية رصيدًا استراتيجيًا حقيقيًا. فهي جسر إنساني واقتصادي وثقافي بين المغرب وبقية المعمور، ومصدر مهم للتحويلات المالية، وحاملة لرأسمال بشري متنوع. غير أن هذه القوة قد تتحول إلى عبء إذا لم تُواكب بسياسات عمومية ذكية تستبق الأزمات بدل الاكتفاء بالتفاعل معها بعد وقوعها.
إن ما تعيشه أوروبا اليوم ليس مجرد أزمة عابرة، بل هو اختبار لقدرتها على إعادة تعريف ذاتها في عالم سريع التحول. وبالنسبة للمغرب، فإن حسن قراءة هذه التحولات ليس خيارًا، بل ضرورة استراتيجية، قد تصنع الفارق بين التأثر السلبي واستثمار الفرص الممكنة.

وفي خضم هذا الواقع، أدرك جيدًا أن الحديث عن هذه القضايا قد لا يجد دائمًا آذانًا صاغية، لكن ذلك لا يبرر الصمت ولا يبرئ الذمة. فدور المثقف لا يقتصر على وصف الواقع، بل يتجلى في الإصرار على طرح الأسئلة الصعبة والدفاع عن القضايا التي يؤمن بها، حتى في ظل التجاهل أو التهميش. فالمثقف الحقيقي هو من يخلق النقاش حين يغيب، ويكسر الصمت حين يصبح القاعدة.

صحيح أن الأجندة الوطنية مثقلة بملفات كبرى، من قبيل انتخابات 2026، وملف تنظيم كأس العالم لكرة القدم لسنة 2030، والمشاريع الاستراتيجية الكبرى، فضلًا عن الأزمات الدولية المتلاحقة، خاصة في الشرق الأوسط. غير أن هذا الزخم لا ينبغي أن يكون مبررًا لتهميش قضايا مغاربة العالم أو تأجيلها إلى أجل غير مسمى.

فمغاربة المهجر ليسوا مجرد أرقام في تقارير التحويلات، بل هم فاعلون أساسيون في التنمية، بما يحملونه من خبرات وتجارب ورؤى. وإغفال قضاياهم لا يعكس فقط خللًا في ترتيب الأولويات، بل قد يفضي إلى تآكل الثقة وإضعاف الروابط التي تجمعهم بوطنهم الأم.

من هنا، تبرز الحاجة الملحة إلى إعادة الاعتبار لهذه القضايا داخل النقاش العمومي، وإلى دور المثقف في إبقائها حيّة في الوعي الجماعي. فالقضايا العادلة لا تختفي، لكنها قد تُهمّش إن لم تجد من يدافع عنها. والتاريخ يعلّمنا أن الأفكار التي يُدافع عنها بإصرار، مهما طال الزمن، تجد طريقها في النهاية إلى التحقق.

كاتب وأستاذ جامعي بإسبانيا.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

2
  • MC
    الجمعة 27 مارس 2026 - 08:36

    “A person’s country is not a certain area of land, of mountains, rivers, and woods, but it is a principle; and patriotism is loyalty to that principle”

    “إن وطن المرء ليس مساحة معينة من الأرض أو الجبال أو الأنهار والغابات، بل هو مبدأ؛ والوطنية هي الولاء لهذا المبدأ.”
    George William Curtis

    “Nadie es patria, todos lo somos”
    “لا أحد هو الوطن، بل كلنا الوطن.”
    Jorge Luis Borges

    “إنّ الوطن الذي لا يزرع الأمان في قلوب أبنائه خلف البحار، قد يحصد الارتباك حين تضيق بهم المنافي.”

    أستاذ الحسن،
    إنّ الحلّ يكمن في تحويل “قلق العودة” إلى “فرصة تنموية” عبر إطلاق “بطاقة المستثمر المهاجر” التي تمنح امتيازات ضريبية وعقارية فورية، مع ضرورة تأسيس منصة رقمية تربط كفاءات الجالية بالأوراش الكبرى كمونديال 2030 لضمان انتقال سلس للخبرات لا للأجساد فقط. أرى أن استباق الأزمات الأوروبية يتطلب “صندوقاً سيادياً للتضامن والادماج” يموله جزء من التحويلات الحالية ليُعاد استثماره في مشاريع تشغيل ذاتي للعائدين، مما يجعل من الجالية محركاً للسيادة الاقتصادية بدل أن تظل رهينة لتقلبات القارة العجوز.

    ALHOCEIMA

  • Med
    الجمعة 27 مارس 2026 - 17:44

    عالم الهجرة اصبح قطاعا يستاثر باهتمام جل دول العالم سواء المصدرة اليد العاملة او المستقبلة لا من حيث الادوار التي يلعبها على المستوى الاقتصادي والاجتماعي بل اصبح مادة دسمة التيارات السياسية من مؤيد لما تضطلع به من سد الخصاص في اليد العاملة و معارض من اجل الدعاية لبرامج حزبية تخدم بعض العقول المتطرفة.

صوت وصورة
معرض الطيران يجمع الفرجة والمعرفة
السبت 10 أكتوبر 2026 - 23:30

معرض الطيران يجمع الفرجة والمعرفة

صوت وصورة
مضادات "درون" مصنوعة مغربيا
السبت 10 أكتوبر 2026 - 21:30

مضادات "درون" مصنوعة مغربيا

صوت وصورة
الدار البيضاء تتضامن مع غزة
السبت 10 أكتوبر 2026 - 20:15

الدار البيضاء تتضامن مع غزة

صوت وصورة
سعر الدجاج بـ24 درهما
السبت 10 أكتوبر 2026 - 19:45

سعر الدجاج بـ24 درهما

صوت وصورة
لشكر .. تحالف "البام" والكتلة
السبت 10 أكتوبر 2026 - 19:15

لشكر .. تحالف "البام" والكتلة

صوت وصورة
صقور السعودية في سماء مراكش
السبت 10 أكتوبر 2026 - 16:32

صقور السعودية في سماء مراكش