"اليوم الدولي للضمير" يسائل زحف التفاهة على الفضاءات الرقمية بالمغرب

"اليوم الدولي للضمير" يسائل زحف التفاهة على الفضاءات الرقمية بالمغرب
كاريكاتير: عماد السنوني
الأحد 5 أبريل 2026 - 21:00

أمام تحول الفضاء الرقمي في هذا العصر إلى امتداد حقيقي للحياة اليومية للفرد لم تعد الأسئلة المتعلقة بالضمير الأخلاقي حبيسة الجدران أو محصورة في دائرة التفاعلات الواقعية المباشرة، بل تجاوزتها لتستقر بقوة داخل الشاشات؛ فبين “إعجاب” و”مشاركة”، وبين “ترند” صاعد وآخر هابط، تثار تساؤلات جدية حول مدى استجابة ما يستهلكه وما ينشره المغاربة على مواقع التواصل الاجتماعي للوازع الأخلاقي الذي طالما شكل جزءاً من النسيج القيمي للمجتمع المغربي.

في هذا الصدد، وبمناسبة “اليوم الدولي للضمير” الموافق 5 أبريل من كل سنة، الذي جعلت منه الأمم المتحدة مناسبة للدعوة إلى تعزيز المسؤولية الجماعية وتحفيز الناس على التأمل الأخلاقي والتصرف بوعي، يؤكد مهتمون أن المنصات الرقمية ساهمت في كسر الرقابة الاجتماعية التي كانت تضبط السلوك الإنساني في الفضاء الواقعي، مشددين على أهمية إرساء مقاربة شاملة تجمع بين التربية والتشريع والتأطير المجتمعي لإيقاظ “الضمير الرقمي” الذي أصبح ضرورة ملحة في زمن تحول أعراض الناس وآلامهم إلى سلعة، وأصبح جلب “اللايكات” غاية تبرر تجاوز كل الحدود.

ارتباك ووعي

الأستاذ الجامعي والخبير الرقمي أنس أبو الكلام قال إن “الفضاء الرقمي المغربي يعيش مفارقة لافتة، تتمثل في الاستعمال المفرط لوسائل التواصل الاجتماعي والتسارع التقني غير المسبوق، يقابله شبه ارتباك أخلاقي متزايد؛ فبين سطوة ‘الترند’ ومنطق ‘اللايكات’ لدى شريحة مهمة من المجتمع تتراجع أحياناً قيم راسخة مثل احترام الخصوصية وصون الكرامة، لصالح ثقافة تقوم على الإثارة وجذب الانتباه بأي ثمن، بل وحتى التشهير في بعض الأحيان”.

وأضاف أبو الكلام أن “اختزال هذا الوضع في ‘انفلات أخلاقي’ فقط قد يكون تبسيطاً مخلّاً، فالمشكل أعمق، ويرتبط أساساً ببنية المجتمع ذاته، وبالتفاوتات القائمة، وعلى رأسها إشكالية الأمية التي مازالت تؤثر على شريحة واسعة من المغاربة؛ فمن الصعب الحديث عن تربية رقمية فعالة في بيئة لم تُحسم فيها بعد تحديات القراءة والكتابة، ناهيك عن تنمية التفكير النقدي”.

وأوضح المصرح لهسبريس أن “الانتقال إلى مواطنة رقمية واعية يمر حتماً عبر تعزيز التوعية في الأسرة أولاً، ثم التعليم بدءاً من الأساسي، لأن من لا يمتلك أدوات الفهم الأولية يكون أكثر عرضة للتضليل والانجرار وراء المحتوى الهابط”، وزاد: “في هذا السياق يطرح سؤال القوانين الزجرية نفسه بإلحاح، فصحيح أن التشريعات ضرورية لردع السلوكات الخطيرة، مثل التشهير أو انتهاك الحياة الخاصة، لكنها تبقى غير كافية إذا لم تستند إلى دراسات سوسيولوجية عميقة تنطلق من خصوصية المجتمع المغربي، ذلك أن استنساخ قوانين من تجارب أجنبية، دون تكييفها مع السياق المحلي، قد يؤدي إلى نتائج عكسية، أو إلى فجوة بين النص القانوني والممارسة اليومية”.

وشدد الخبير نفسه على أن “الرهان الحقيقي يتجاوز القانون، ليمسّ جوهر التربية؛ وهنا يبرز دور الثلاثي: المدرسة – الأسرة – الفضاء المجتمعي/الإعلامي، مع ضرورة وضع الطفل في قلب هذه المنظومة، إذ إن أطفال اليوم وُلدوا داخل البيئة الرقمية، ولم يكتسبوها لاحقاً كما حدث مع الأجيال السابقة؛ لذلك فإن منطق المنع المطلق أو ‘الحظر’ لم يعد واقعياً ولا مجدياً، والبديل هو الاستعمال الموجَّه والمراقَب، الذي يوازن بين إتاحة الفرص وتقليل المخاطر”.

وذكر أبو الكلام أن “بناء فضاء رقمي سليم لا يمكن أن يتحقق فقط عبر الردع، ولا عبر الخطاب الأخلاقي المجرد، بل من خلال استثمار طويل الأمد في الإنسان: تعليماً، وتوعيةً، وتأطيراً؛ إذ نحن بحاجة إلى جيل لا يكتفي باستهلاك المحتوى، بل يفهمه، ويقيّمه، ويختار التفاعل معه بوعي”، خاتما: “في هذا السياق يبقى التحدي الحقيقي ليس كبح الانفلات بقدر ما هو إيقاظ الضمير، أي ضمير رقمي يدرك أن كل نقرة، وكل مشاركة، ليست فعلاً عابراً، بل مساهمة في تشكيل وعي جماعي، إما أن يرتقي بالمجتمع، أو يساهم في تآكله بصمت”.

رقابة وتربية

سجل خالد التوزاني، أستاذ جامعي ورئيس المركز المغربي للاستثمار الثقافي، أن “الضمير المغربي كان تاريخياً يستمد قوته من ‘الرقابة الاجتماعية المباشرة’، إذ كان الفرد يخشى ‘العيب’ لأن المحيط، وخاصة الأسرة والعائلة والجيران والحي، يمثل سلطة معنوية ضاغطة؛ لكن المنصات الرقمية اليوم خلقت فضاءً رقمياً جديداً قادراً على إخفاء الهوية، فيكسر الفرد هذه الرقابة الاجتماعية التقليدية، ليعبر عن قضايا وأفكار يصعب البوح بها في السياق الواقعي”.

وتابع التوزاني بأن “القيم المغربية هي قيم محافظة تقدس مفاهيم الحشمة والستر والاحترام باعتبارها جوهر الضمير الإنساني، لكن منطق الفضاء الرقمي قلب هذه المفاهيم، حيث انتقل السلوك من كونه فعلاً أخلاقياً نابعاً من الضمير إلى مجرد سلعة للترويج تبحث عن فرض الظهور والانتشار ولفت الانتباه، ولو عبر الفضيحة والتطرف وخرق المألوف أو كشف المستور، وذلك سعياً وراء الربح المادي أو تكثير المتابعين؛ وهنا نكون أمام ضمير يبحث عن المنفعة الفردية المباشرة، ولو على حساب قيم المجتمع الذي ينتمي إليه”.

وبين المصرح لهسبريس أن “هذا الانتقال بدأ في فترة كورونا، وقد جاء مفاجئاً ودون استعداد، فلم تكن هناك مرحلة انتقالية كافية لبناء أخلاق رقمية أو ترشيد استخدام منصات التواصل الاجتماعي، ما أدى إلى الانفصام القيمي في الفضاء الرقمي، حيث نجد الفرد يعيش بشخصيتين: شخصية واقعية تلتزم بالضوابط الأخلاقية في حياتها اليومية وشخصية رقمية ‘متطرفة’ تبحث عن إثبات الذات في فضاء مفتوح لا حدود له”، وزاد: “هذا ليس انفصالاً عن القيم المغربية بقدر ما هو ‘ارتباك هوياتي’ أمام بريق الشهرة السريعة”.

وواصل الأكاديمي نفسه: “أمام هذا الارتباك تتغير القدوة، فبعدما كانت هذه القدوة في المنظومة الاجتماعية التقليدية هي العلماء وكبار السن، انتقلت سلطة التأثير إلى المؤثر الرقمي الذي غالباً ما يستمد شرعيته من ‘الترند’ وليس من ‘الرصيد الأخلاقي’. هذا التحول خلق ‘معايير اجتماعية جديدة’، جعلت منظومتنا التقليدية عاجزة عن ملاحقة سرعة النموذج الرقمي الذي يغري الأفراد بالتمرد على الضمير الجمعي لتحقيق انتصارات فردية وهمية”.

وأبرز المتحدث ذاته أن “التفاعل الرقمي تحول إلى ما يشبه ‘المخدر السلوكي’ الذي يمارس نوعاً من التنويم المغناطيسي على الضمير الفردي”، وتابع: “لفهم هذا التفاعل من الناحية العصبية كل ‘لايك’ أو ‘مشاركة’ تُفرز في الدماغ هرمون الدوبامين المرتبط بالمكافأة. وعندما يصبح صانع المحتوى مدمناً على هذه الجرعات اللحظية من التأييد الاجتماعي الرقمي تضعف حساسية الضمير تجاه ‘العيب’ أو ‘الممنوع’، لأن الدماغ يعطي الأولوية لـ ‘لذة الانتشار’ على حساب ‘ألم الذنب’ أو وخز الضمير، حيث تزيد درجة تغييب المسؤولية، وتفتيت الضمير، واستباحة الذات”.

وحول أهمية الجانب الزجري في تقويم “الانحرافات الرقمية” أوضح التوزاني أن “السياسات الناجحة هي التي تزاوج بين ‘قوة القانون’ و’قوة القيم’، أي إن الفعالية تكمن في التكامل وليس في المفاضلة”، مردفا: “ومع ذلك يظل الرهان الحقيقي على ‘الإنسان’ لا على ‘النص القانوني’، إذ إن القانون يمكن أن يضبط السلوك ولكنه لا يضبط الضمير”، ومشدداً على الحاجة إلى “السيادة الرقمية الذاتية من خلال التربية الرقمية التي ليست مجرد تعلم مهارات تقنية، بل هي إعادة إحياء لمفهوم ‘الرقابة الذاتية’ في بيئة افتراضية، تقتضي الانتقال من ‘الحشمة المجتمعية’ إلى ‘الأخلاق الرقمية’، مع تعزيز ‘المحتوى القدوة’ وتهميش ‘محتوى الرداءة’، وإعادة الاعتبار لمفهوم ‘تمغربيت’ بمعانيه الأصيلة”.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

10
  • La conscience
    الأحد 5 أبريل 2026 - 21:07

    الضمير خاص يكون عند لي نهبو لميزانيات وطحنو لمغاربة غلا ماكلة ودوا

  • التعليق الاخر
    الأحد 5 أبريل 2026 - 21:21

    ألم يتساءل هذا اليوم الدولي للضمير عن انعدام الأخلاق وتفشي الخبث والغدر والمكر والمؤامرة والحقارة عند بعض الدول وشعوبها ؟؟؟؟؟ لماذا نكره بعض الدول تفوق دول اخرى عليها ؟؟؟؟لماذا لاتريد بعض الأنظمة ان ترى دولا افضل منها واحسن منها ؟؟؟؟لماذا لاتريد بعض الدول ان ترى دولا اخرى مستقرة وآمنة وتسير بثبات في طريق التنمية والتطور ؟؟؟؟؟لماذا تشعر بعض الدول بالنقص والخوف والهلع من تقدم دول اخرى عليها…..لماذا تحاول بعض الأنظمة ان تزعزع استقرار دول اخرى؟؟؟؟؟لان الضمير يجب ان يستيقظ في كل شيء وليس فقط في المواقع الرقمية

  • mjid
    الأحد 5 أبريل 2026 - 21:35

    نحن من نصنع التفاهة بمتابعتنا لمحتواهم و رفع نسبة المتابعة لهم و استفادتهم ماديا بمساعدتنا و متابعتنا لهم ، نعيب زماننا و ما لزماننا عيب سوانا، فاللهم ارفع عنا الغباء قبل الوباء و البلاء يا رب العالمين.

  • ايت
    الأحد 5 أبريل 2026 - 22:27

    الضمير يسائل كل مناحي الحياة بالمجتمع المغربي لان الضمير هو عكس عقلية الهمزة ….الضمير الحي يعني مراعاة الله في السر والعلن وفي المعاملات البيع والشراء والشارع العام ….توجد مظاهر التدين الشكلي تقصير لحى مظاهر تدين لكن فالبيع والشراء لا اثر للدين …نحن شعب منافق . نقول ما لا نفعل …..

  • Sami
    الأحد 5 أبريل 2026 - 22:52

    مادا قالو يوم الضمير و غدا يوم الغدر و بعد غد يوم الشوفة ، اين هوا الضمير مجرد كلمات علموها لنا ليخدروننا

  • م ع
    الأحد 5 أبريل 2026 - 23:12

    اليوم الضمير العالمي يسال اين هو الضمير الحكومي فيما يجري في مغربنا من سياسة التفرقيشة التي طبقت على شعبنا اما ما يروج في ضمير التواصل الاجتماعي يشبه الى حد كبير ما يروح عند الحكومة و الدكاكين السياسية بمختلف اشكالها لان هدا انتاجها التفاهة والجهل و….. و……و

  • مغربي
    الإثنين 6 أبريل 2026 - 00:47

    الضمير الذي يجب أن يصحو هو ضمير هؤلاء الساسة الكبار الذين يديرون هذا الكوكب و على رأسهم الدولة العميقة في أمريكا و أروبا و إسرائيل. أما نحن الدراويش فنكتفي بإفراغ تلك الكوابيس التي نتلقاها من الإعلام فلا نؤدي أحدا و إن كنا نصيح بانفعال لكي يصل صوتنا عبر الأنترنت و إن كان صداه وهميا. لذا لا تنزعجوا كثيرا من قلة أدبنا، فهي مبررة.

  • علي
    الإثنين 6 أبريل 2026 - 06:46

    ليس زحف هو استحواذ لأن الزحف يكون على شيء هو موجود أصلا

  • الدكالي
    الإثنين 6 أبريل 2026 - 08:39

    صراحة نحن مع الضرب من حديد لهؤلاء أصحاب التفاهة المنحطة أنا أتابع لايفات لجيران السوء يستغلون هده التفاهات ليضحكوا علينا أرجو من السلطات أن تتدخل لوقف هده المهزلة وشكرا

  • benha
    الإثنين 6 أبريل 2026 - 09:14

    ان التفاهة كغيرها من السلوكات التي نقول عنها انها لا اخلاقية ، موجودة في الحياة فهي اذن طبيعية ، و يجب الا تزعجنا ، و لكن يجب الا نقف مكثوفي الايدي امامها ، بل يجب ان نواجهها بحزم و قوة ، و يجب ان نبحث عن انجع السبل للحد من حدثها و من تاثيرها السلبي على العقول خاصة الضعيفة التي تستدعي ان نقويها و نقوي مناعتها ضد هذه السلوكات المشينة على اختلافها ، فيظهر ان مجتمعنا ، مع الاسف ، لازال يعاني من افات مجتمعية لا نعيرها اهتماما كبيرا ، لاعتقادنا انها غير هامة ، ولكنها تؤتر سلبا على الجميع، و هذه الافات تعشش بالخصوص لدى العنصر النسوي ، فهذه الشريحة من المجتمع، والتي لازلنا لم ننتبه اليها بالقدر الكافي هي السبب في كثير مما نعاني منه من نقاءص ، فلازالت الخرافة تستحود على عقولهن ، ولازلن لم يبلغن مستوى يمكنهن من المناعة ضد كل السلوكات غير ذات فاءدة ، فلازلن يصدقن بسهولة بالاشاعات المضللة ، و بالاخبار الكادبة و بالمنشورات الضحلة و ما الى ذلك ، و ما انتشار باعة الاعشاب ( العطارة ) مثلا الا دليل على ذلك ، فالمطلوب مواجهة ذلك بما يليق من العلاجات الناجعة و منها التربية و الثقافة .

صوت وصورة
154 ألف حالة طلاق بالمغرب
الجمعة 23 أكتوبر 2026 - 21:00 10

154 ألف حالة طلاق بالمغرب

صوت وصورة
عبقري يكشف رؤية جديدة للشباب
الجمعة 23 أكتوبر 2026 - 20:30 5

عبقري يكشف رؤية جديدة للشباب

صوت وصورة
الأغلبية والمعارضة تناقشان عرض لقجع
الجمعة 23 أكتوبر 2026 - 18:32 3

الأغلبية والمعارضة تناقشان عرض لقجع

صوت وصورة
إصلاح الضريبة على الدخل
الجمعة 23 أكتوبر 2026 - 17:47 3

إصلاح الضريبة على الدخل

صوت وصورة
لقجع يوجه رسائل إلى المعارضة
الجمعة 23 أكتوبر 2026 - 16:02 7

لقجع يوجه رسائل إلى المعارضة

صوت وصورة
فواكه الخريف خارج القدرة الشرائية
الجمعة 23 أكتوبر 2026 - 15:37 4

فواكه الخريف خارج القدرة الشرائية