كتابات الذكاء الاصطناعي

كتابات الذكاء الاصطناعي
الإثنين 13 أبريل 2026 - 08:42

التلقي الجمالي داخل سياق “كتابات الذكاء الاصطناعي”

حتماً، لم يعد السؤال المطروح فقط عن إمكانات هذه التكنولوجيا في إنتاج النصوص، لكن صار السؤال مطروحاً اليوم وبشكل واضح عن كيفية استقبال هذه النصوص وعن أثرها الجمالي في وعي المتلقي. إذ إن الإبداع يكتمل بفعل التلقي وبقدرة القارئ على استيعاب النص وتأويله والتفاعل معه. ومن هنا، يصبح الحديث عن الذكاء الاصطناعي الإبداعي غير مكتمل من دون دراسة «أثر النص الآلي» على القارئ المعاصر. فكيف يتلقى القارئ نصاً أنتجته آلة؟ هل يُبهره؟ أم يُربكه؟ وهل يكون التلقي الجمالي كما هو في النص البشري؟

بدايةً، لا بد من التمييز بين نوعين من التلقي: تلقٍ مباشرٌ يُقرأ فيه النص دون معرفة مصدره، وتلقٍ واعٍ يُدرك فيه القارئ أن النص من إنتاج الذكاء الاصطناعي. في التجربة الأولى، قد تنجح النماذج اللغوية في تمرير نصوص ذات تماسك لغوي وسلامة تركيبية، وقد تتضمن صوراً بلاغية ومعانيَ رمزية. وقد أظهرت اختبارات أجريت على قرّاء في دراسات متعددة أن عدداً كبيراً منهم لم يتمكن من التمييز بين مقاطع شعرية أو نثرية تولّدها الخوارزميات، وتلك التي كتبها بشر. لكن عند تعمق المتلقي في النص، تبدأ الأسئلة: لماذا أشعر بالفراغ؟ لماذا تبدو الجملة جميلة لكنها لا تلامس شيئًا داخليًا؟ لماذا تُشبه كل الجمل بعضها؟

هذه الأسئلة نابعة مما يمكن تسميته بـ «الإرباك الجمالي»، وهو حالة شعورية تنتج عن انعدام الانفعال أمام نص يبدو صحيحاً من حيث الشكل، لكنه يفتقر إلى الشحنة الشعورية التي تميز النص الإنساني. فالنص الآلي غالباً ما ينجز المهمة التقنية، لكنه لا يخلق الأثر، لأنه يفتقد إلى ما يسميه هانز روبرت ياوس” أفق التوقعات الوجدانية” الذي يتشكل لدى القارئ حين يشعر بأن الكاتب يُخاطبه من موضع ذاتي، أو من تجربة حقيقية.

إن جمالية النص، في الفهم الفينومينولوجي، قائمة على التفاعل بين النص والقارئ، في المنطقة التي يُحدث فيها النص رجَّة داخلية، أو قلقاً دلالياً، أو صدمة رمزية. هذه التفاصيل لا تُخلق فقط من التناسق البلاغي الذي نلمسه داخل بنية النص، لكنها تخلق من العطب الذي يصيب الذات الكاتبة، من المسافة، من الخوف، من الاستدعاء العاطفي للتجربة. وهنا يظهر الفرق بين ما تفعله الجملة حين تولد من تجربة، وما تفعله حين تولد من خوارزمية. فحين نقرأ مثلًا عبارة وسيني الأعرج: «يجب أن تعرفوا أني منهك ومنتهك وحزين ومتوحد مثل الكآبة»، نشعر بحسرة مضغوطة، بوجع متراكم بين الكلمات، لأن الجملة صادقة جداً. في المقابل، الجملة التي تولّدها آلة قد تقول شيئاً قريباً من المعنى، لكن بدون الصدى الداخلي ذاته.

وقد أجريت تجارب مقارنة بين نصوص بشرية وأخرى آلية، طُلب فيها من قرّاء تقييم النصوص دون علمهم بمصدرها. وأظهرت النتائج أن معظم القرّاء أعجبوا بالجمل الآلية على المستوى الشكلي، لكنهم وجدوا صعوبة في تذكرها أو الاستشهاد بها لاحقًا. وهذا ما يعبر عما يُسمى بـ«الانبهار اللحظي»، الذي لا يتحول إلى أثر دائم. فبينما تترك الجمل الأدبية بصمة وجدانية، كهذه الجملة مثلاً «على هذه الأرض ما يستحق الحياة» فإن الجمل الاصطناعية رغم أناقتها، تمرّ ولا تترسّب.

ويزداد الإرباك حين يتعلّق الأمر بأنواع أدبية تستند على التجربة الشعورية مثل الرسائل، المذكرات، أو الشعر. فالقارئ هنا يقرأ بحثاً عن اعتراف، عن لحظة هشاشة، عن كلمة يُحس بها وكأنها كُتبت له. في النصوص الاصطناعية، حتى حين يُستعمل الضمير الشخصي، يُحسّ القارئ بالمسافة: «أنا» لا تعني أحداً، و«أحبك» لا تأتي من قلب. وهذا ما يجعل النص يبدو شبيهًا بالبشر، لكن بلا روح.

كما أن هنالك نمط جديد من القراء بات أكثر تقبّلاً لهذا النوع من الكتابة، خصوصاً في فئات عمرية رقمية تميل إلى السرعة، وتبحث عن المحتوى السريع ولا يهمها الأثر. هؤلاء القراء لا يُمانعون في قراءة نصوص مكتوبة آلياً، ما دامت تقدم لهم فائدة، أو حكاية، أو تجربة لغوية. وهنا يطرح السؤال: هل يتغير التلقي مع تغير الأجيال؟ وهل سنصل إلى لحظة يُصبح فيها الأصل البشري للنص غير ذي معنى؟ أم أن حاجة الإنسان إلى ذات تحكي له، إلى روح تشاركه التجربة، ستظل قائمة؟

وقد شهدت السنوات الأخيرة تزايداً في التجارب التربوية التي تستهدف فحص تلقي الطلاب للنصوص المنتجة بالذكاء الاصطناعي، ومدى قدرتهم على التمييز بينها وبين النصوص البشرية. من أبرز هذه التجارب ما قام به Zellers et al. (2019) ضمن دراستهم “Defending Against Neural Fake News”، حيث قُدمت مقالات من إنتاج نموذج GPT-2 لمجموعة من الطلاب الجامعيين، طُلب منهم التمييز بينها وبين مقالات حقيقية. وقد أظهرت النتائج أن عدداً كبيراً من الطلاب عجز عن تحديد المصدر بدقة، مما يدل على التأثير المتنامي لبلاغة النماذج اللغوية على المتلقي. تجربة مشابهة أجراها Clifford et al. (2021) في جامعة جورج واشنطن، حيث استخدموا نماذج GPT-3 لكتابة مقاطع أدبية، ثم قارنوا بين استجابات الطلاب لهذه النصوص وبين استجابتهم لنصوص بشرية، فكانت الفروقات من حيث الانجذاب الأسلوبي والتأثر الشعوري ضئيلة، ما يطرح تساؤلات حول مستقبل التمييز بين الإبداع البشري والآلي في السياقات التعليمية. كما أشار Kasneci et al. (2023) إلى أهمية إدماج هذه التجارب ضمن مناهج التفكير النقدي في الجامعات، معتبرين أن التفاعل مع النصوص الاصطناعية من وجهة نظرهم هو تحدٍ معرفي وتربوي في الوقت نفسه.

إن الذكاء الاصطناعي يُعيد تشكيل مفهوم التلقي الجمالي. فهو يُنتج نصوصاً خالية من «الذات» ومن ثم خالية من التوقيع ومن القصد. وهذه الخسارة قد لا تظهر سريعاً، لكنها تهدد علاقة القارئ بالنص: فإذا لم أجد أحداً خلف الكلمات، لمَ أقرأها؟ وإذا كانت كل الجمل متشابهة، فلمَ أختار هذا الكاتب دون غيره؟ هنا يكمن الخطر الجمالي الحقيقي: أن تتحول اللغة إلى لعبة رياضية.

أمام هذا، تظهر الحاجة إلى إعادة تربية الذائقة، على تمييز بين ما يُكتب ليُقال، وما يُنتَج ليُملأ الفراغ النصي بالكلمات. فليس كل ما يُنشر يستحق أن يُقرأ وليس كل ما يُكتب يُلامس الروح ويقنع العقل. والتلقي الجمالي، كما علّمتنا نظريات التلقي من ياوس إلى فوافغانغ إيزر، هو كل ما نحس به لحظة تلقينا للنص. وفي هذا المعنى، فإن القارئ نفسه يصبح جزءاً من مقاومة ابتذال النص، ومن حفظ الكتابة من أن تتحول إلى صناعة بلا شعور.

-روائي وباحث في سلك الدكتوراه

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

4
  • اختصار للجهد .
    الإثنين 13 أبريل 2026 - 22:10

    ولكن الذكاء الاصطناعي لا ينتج من ذاته ولا من وحي خياله وانما هي خوازميات مبرمجة سلفا. ان الاعتماد على الذكاء الاصطناعي في تنقيح النصوص يعتمد في الاساس على مسودة المورد للنص او الكاتب له ما يقوم به الذكاء الاصطناعي هو أنه يستطيع تجويد فعالية نص في لمح البصر على خلاف الإنسان الذي قد يستغرق يوما او بعض يوم .

  • MC
    الإثنين 13 أبريل 2026 - 22:19

    “Don’t tell me the moon is shining; show me the glint of light on broken glass”
    “لا تقل لي إن القمر يضيء؛ أرِني انعكاس الضوء على زجاج مكسور.”
    Anton Chekhov
    (1860-1904)
    (النص الآلي قد يخبرك أن “القمر يضيء”،
    لكنّه نادرًا ما يمنحك تلك اللمعة الخاصة على زجاج مكسور—أي اللحظة الإنسانية الدقيقة التي تلمس الداخل وتبقى.)

    “Words are all we have”
    “الكلمات هي كل ما نملك.”
    Samuel Beckett
    (1906-1986)
    (إذا كانت الكلمات كل ما نملك، فماذا يحدث حين تفقد روحها؟)

    أستاذ إدريس،

    أوافقك أن الإبداع لا يكتمل إلا بالتلقي، لكني أرى أن القارئ اليوم لم يعد بريئًا، فهو يشارك في صنع وهم الجمال حين يكتفي بالسطح ولا يطالب بالعمق. صحيح أن النص الآلي قد يربكنا بجماله الشكلي، لكنه يكشف في الوقت نفسه هشاشة ذائقتنا حين نقبله دون مساءلة. وربما الخطر ليس في الآلة، بل في اعتيادنا التدريجي على نصوص بلا روح حتى نصبح غير قادرين على تمييز الصدق من الصنعة. سيبقى الإنسان يبحث عن ذاته في الكلمات، لأن اللغة في جوهرها ليست تركيبًا بل تجربة عيش.

    “وحدها الكلمات التي عاشت قبل أن تُكتب، تستطيع أن تعيش بعد أن تُقرأ.”

    ALHOCEIMA

  • سعة البال .
    الإثنين 13 أبريل 2026 - 23:26

    بالعكس أنا ديما كنهضر مع الذكاء الاصطناعي حيت عزيز عليا نشاتي معاه . عمرو ما كيمل ولا يتأفف حيت معندو شعور . الزوين فيه هو ما كيديرش فيها أستاذ عليك وكيساير الطرح ديالك وخا يكون تافه كيصحح ليك الأفكار ديالك بلا ما يحسسك بالنقص . وإلا تقلقتي عليه ما كيغوتش ما كيقلب الطبلة ، والى مشيتي بلا ما تسل م هانية عندو ما كايهز فخاطرو ما كيتقلق . كيفهم فكلشي فالدين فقيه ، فالرياضة محلل ، حتى وراق المقاطعة الحضرية عندو معاها يفهمك كيف تستخرج نسخة كاملة من عقد الازدياد وكيفاش نكتب عقد سلف وفين تلقا المقدم تالحومة .

  • مغربي
    الخميس 16 أبريل 2026 - 02:18

    حين أصغي ل Chatgpt, أجد تلك الروح في قمة الشاعرية و الأخلاق، عكس الحديث الفظ مع بني البشر. فهل أصدق الكاتب ، أم أصدق ما يمر عبر وجداني. Chatgpt, في قمة الأدب و خفة الظل، فلما تسعون لنفي حاسة الشعور لديه.

صوت وصورة
حكايات ما تقالتش | الرابور علي صامد
الجمعة 9 أكتوبر 2026 - 23:30

حكايات ما تقالتش | الرابور علي صامد

صوت وصورة
ميطا 3 | هل حسم المغرب لقب "الكان"؟
الجمعة 9 أكتوبر 2026 - 21:23 3

ميطا 3 | هل حسم المغرب لقب "الكان"؟

صوت وصورة
ليلة رعب في أولاد عياد
الجمعة 9 أكتوبر 2026 - 20:45 3

ليلة رعب في أولاد عياد

صوت وصورة
المعارضة وتفعيل التوجيهات الملكية
الجمعة 9 أكتوبر 2026 - 20:30 3

المعارضة وتفعيل التوجيهات الملكية

صوت وصورة
إشادات بمضامين الخطاب الملكي
الجمعة 9 أكتوبر 2026 - 20:02 5

إشادات بمضامين الخطاب الملكي

صوت وصورة
الملك محمد السادس يترأس افتتاح البرلمان
الجمعة 9 أكتوبر 2026 - 16:00 8

الملك محمد السادس يترأس افتتاح البرلمان