الحسيني: العالم في "مخاض تاريخي" بين تعددية مرتبكة وأحادية مهيمنة

الحسيني: العالم في "مخاض تاريخي" بين تعددية مرتبكة وأحادية مهيمنة
صورة: مواقع التواصل الاجتماعي
الأربعاء 15 أبريل 2026 - 21:00

في قراءة تحليلية معمقة لمسار التحولات الجيو-سياسية الراهنة، قدّم تاج الدين الحسيني، خبير في العلاقات الدولية، ضمن برنامج “أبعاد استراتيجية” الذي تبثه هسبريس، تصورا شاملا لطبيعة النظام العالمي الذي يتشكل اليوم، في ظل تحولات متسارعة تعيد رسم موازين القوة على المستوى الدولي.

استهل الحسيني مداخلته بالإشارة إلى أن السؤال الجوهري الذي يفرض نفسه بقوة هو: أي نموذج للنظام العالمي سيفرز هذا المخاض الدولي؟ مبرزا أن التوقعات السابقة كانت تميل إلى بروز نظام متعدد الأقطاب، خاصة مع الصعود المتنامي لقوى دولية جديدة، غير أن الواقع الحالي يبدو أكثر تعقيدا وتشابكا مما كان متوقعا.

وأوضح المتحدث أن فكرة تعددية الأقطاب ليست جديدة، بل تعود جذورها إلى تجارب تاريخية سابقة، خصوصا في أوروبا، منذ توقيع معاهدة ويستفاليا سنة 1648، التي أسست لمنطق توازن القوى، واستمرت هذه الدينامية إلى غاية نهاية الحرب العالمية الثانية. غير أن هذا النموذج سرعان ما تم تجاوزه بعد الحرب، حيث دخل العالم مرحلة الثنائية القطبية.

وأشار الحسيني إلى أن مرحلة الحرب الباردة، التي تميزت بصراع محتدم بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي، كانت محكومة بمنطق الردع النووي والخوف المتبادل، وهو ما حال دون اندلاع مواجهة مباشرة بين القوتين. كما أفضى هذا التوازن إلى ظهور آليات لضبط التوتر، من قبيل اتفاقيات الحد من التسلح النووي (SALT)، فضلا عن قنوات التواصل المباشر لتفادي الانزلاق نحو حرب شاملة.

غير أن الوضع الدولي الراهن، حسب الحسيني، يختلف جذريا؛ إذ إن العالم يعيش مرحلة انتقالية مضطربة، يمكن وصفها بـ”المخاض التاريخي”، حيث يتراجع النظام القديم دون أن تتضح بعد ملامح النظام الجديد. وفي هذا الصدد، استحضر الخبير في العلاقات الدولية قول أحد الفلاسفة الإيطاليين بأن العالم القديم يحتضر بينما العالم الجديد لم يولد بعد، وهو توصيف ينطبق، وفق المتحدث، على السياق الدولي الحالي، خاصة في ظل ما سماه “المرحلة الثانية من عصر ترامب”.

وبالانتقال إلى السيناريوهات المحتملة، قال الحسيني إن العالم قد يتجه نحو نظام ثنائي جديد تقوده كل من الولايات المتحدة والصين، غير أن هذا الاحتمال لا يلغي وجود سيناريوهات أخرى، من بينها بروز تعددية “مرتبكة” أو “مريبة”، تتداخل فيها مراكز القوة دون وضوح في قواعد اللعبة الدولية. كما حذر من احتمال عودة النزعة الهيمنية، حيث قد تسعى الولايات المتحدة إلى فرض نموذج أحادي قائم على منطق القوة بدل القانون الدولي.

وفي استحضار تاريخي، ذكّر الحسيني بأن البدايات الفعلية للأحادية القطبية تعود إلى فترة الرئيس الأمريكي جورج بوش الأب، عقب انهيار الاتحاد السوفييتي وتفكك حلف وارسو، وهو ما فتح المجال أمام الولايات المتحدة لتكريس هيمنتها العالمية. وقد عزز هذا التوجه خطاب بعض صناع القرار الأمريكيين، مثل بريجنسكي، الذي اعتبر واشنطن القوة الوحيدة المهيمنة عالميا.

غير أن استمرار هذا الطموح الأحادي، يضيف الحسيني، لن يؤدي إلا إلى مزيد من الاضطراب وعدم الاستقرار، بل قد يفتح الباب أمام نزاعات كبرى تهدد الأمن العالمي. ولم يستبعد في هذا السياق إمكانية اللجوء إلى أشكال جديدة من الصراعات، بما فيها الحروب النووية المحدودة، في حال تفاقمت التوترات بين القوى الكبرى.

على مستوى الممارسة، ربط المحلل السياسي بين هذه النزعة الهيمنية والسياسات الأمريكية تجاه عدد من مناطق العالم، خاصة في ما يتعلق بالتحكم في مصادر الطاقة. واعتبر أن التدخلات في العراق وليبيا، إلى جانب الضغوط على دول مثل إيران وفنزويلا، تندرج ضمن استراتيجية أوسع تهدف إلى إحكام السيطرة على الموارد الحيوية في العالم.

وفي مقابل ذلك، يرى المصدر ذاته أن ما يُعرف بـ”السلام الأمريكي” أو “باكس أمريكانا” لم يعد قادرا على الاستمرار بالزخم نفسه في ظل تراجع الثقة حتى داخل المعسكر الغربي. كما أشار إلى أن حلف شمال الأطلسي يواجه تحديات بنيوية تهدد تماسكه، بالتوازي مع تراجع الهيمنة الاقتصادية الأمريكية نتيجة صعود تكتلات جديدة مثل “البريكس”، وتراجع مكانة الدولار، فضلا عن اهتزاز النظام المالي العالمي الذي تأسس بعد اتفاقيات بريتون وودز.

وفي المحصلة، خلص الحسيني إلى أن العالم يتجه نحو مرحلة أكثر تعقيدا وغموضا، حيث تتقاطع رهانات القوة مع تحولات اقتصادية عميقة، ما يجعل مستقبل النظام الدولي مفتوحا على احتمالات عدة، تتراوح بين إعادة التوازن أو الانزلاق نحو مزيد من الصراع وعدم الاستقرار.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

6
  • ريفي في البرازيل
    الأربعاء 15 أبريل 2026 - 21:22

    كلام في الصميم!!
    كلام واقعي و يكشف حقيقة الواقع!!
    نحن على أبواب النظام العالمي الجديد،
    نظام تتزعمه الصين، و يسود فيه العدل ، و تنتهي فيه همجية الغرب ،
    لأول مرة يتجاوز فيها الذهب الدولار في احتياطات البنوك المركزية ،
    في الصيف القادم سيتجاوز الدين العمومي الأمريكي عتبة ٤٠ تريليون دولار،
    الاقتصاد الأمريكي ميت إيكلينيكيا يعيش بالاستدانة و طباعة الدولار ،
    و هذان الحبلان سينقطعان قريبا.و يرتاح العالم،

    (و تلك الأيام نداولها بين الناس)
    (و الله غالب على أمره و لكن أكثر الناس لا يعلمون)

  • متتبع
    الأربعاء 15 أبريل 2026 - 22:02

    نحن في عالم انتشر فيه الظلم بشكل مهول، و ماحدث من قتل للأطفال و الرضع بغزة شيء لا تتقبله الأعراف و الانسانية ، و لا يستوعبه اصحاب الضمائر الحية…..

  • الدق تم
    الأربعاء 15 أبريل 2026 - 22:15

    البارسا و الريال اول ضحايا التعددية ههههه
    اسبانيا عاكست الهجوم الاحادي الصهيوبريطانوامريكي و هاهم دفعوا الثمن بطريقة غير مباشرة
    الرابح المغرب لانه ساد فمو هههه
    باذن الله نسمع خبر تنظيم نهائي المونديال بالدار البيضاء

  • True story
    الأربعاء 15 أبريل 2026 - 22:45

    اليوم أرقام أقتصاد الدول المرتبطة بمستوى معيشة السكان وقدرتهم الشرائية في كل بلد تتحدث عن نفسها.
    رغم أن أورو يساوي 10 دراهم، لكن 10 دراهم في المغرب تشتري سلعا أكثر بكثير من 1 أورو في أوروبا.
    تحقق البرازيل والمكسيك أرقاما أفضل من كندا.
    وتحقق روسيا أرقاما أفضل من كل الدول الأوروبية.
    وتحقق الصين أرقاما أفضل من أمريكا.

  • ابوسلامة:
    الأربعاء 15 أبريل 2026 - 23:42

    هذه الحرب التي تدور بين أمريكا وإيران، تنبأ بها المفكر الفلسطيني طلال ، منذ عشرات السنين، صاحب الخبرة بالذكاء الاصطناعي، حيث قال أن العالم دخل في حرب عالمية كونية، لكنها مختلفة عن الحرب العالمية الأولى والثانية. وأضاف أن إيران ستخرج من الحرب منتصرة، لأنها تجر خلفها حضارة ضاربة في أعماق التاريخ، وأن العالم سيتمخض عنه عالم متعدد الأقطاب.

  • benha
    الخميس 16 أبريل 2026 - 07:21

    اننا نربد عالما موحد القطب ، يعني عالم موحد ، له مدبر و مسير واحد ، اننا نريد ان يتوحد العالم و تتوحد جهوده من اجل القضاء على كل المعوقات و الصعوبات و المعانات التي يعرفا العالم خاصة المستضعفين ، نحن كلنا بشر و علينا ان نتحد و نتضامن و نتعاون ، و ننبد كل الخلافات التي تفرقنا مهما كانت و كيفما كان نوعها ، لا نكره ان تكون لنا حكومة واحدة ، و ان كان اسم حكومة لا يناسب و يثير حساسية ، لانه ليس هناك لا حكم و لا تحكم ، و لا حاكم و لا محكوم ، فالجميع سواسية ، و من اجل ذلك يجب ان يكون هناك تناوب و تداول على التسبير و التدبير او ما نصطلح عليه بالحكم ، و بجب ان نناضل و نبدل قصارى جهودنا من اجل تحقيف هذه الغاية السامية و النبيلة .

صوت وصورة
مؤتمر "التوحيد والإصلاح" الثامن
السبت 24 أكتوبر 2026 - 00:35

مؤتمر "التوحيد والإصلاح" الثامن

صوت وصورة
154 ألف حالة طلاق بالمغرب
الجمعة 23 أكتوبر 2026 - 21:00 12

154 ألف حالة طلاق بالمغرب

صوت وصورة
عبقري يكشف رؤية جديدة للشباب
الجمعة 23 أكتوبر 2026 - 20:30 6

عبقري يكشف رؤية جديدة للشباب

صوت وصورة
الأغلبية والمعارضة تناقشان عرض لقجع
الجمعة 23 أكتوبر 2026 - 18:32 4

الأغلبية والمعارضة تناقشان عرض لقجع

صوت وصورة
إصلاح الضريبة على الدخل
الجمعة 23 أكتوبر 2026 - 17:47 3

إصلاح الضريبة على الدخل

صوت وصورة
لقجع يوجه رسائل إلى المعارضة
الجمعة 23 أكتوبر 2026 - 16:02 7

لقجع يوجه رسائل إلى المعارضة