سوق عام

سوق عام
الأربعاء 22 أبريل 2026 - 19:55

بين سوق الموسم وسوق الانتخابات

ها هو”سوق عام “قد حان موعده، وحان معه موعد “سوق الانتخابات”.

وقد يتساءل عموم الناس عن أهمية انتخابات هذه السنة، وعن الجديد الذي قد تفاجئنا به. وهل ستكون بالفعل نسخة جديدة في ممارسة الديمقراطية شكلًا ومضمونًا، أم أنها ستظل كسابقاتها، لا تختلف عنها إلا من حيث الخطاب والأسلوب السياسيين، دون أن يتغير شيء في مسار المسلسل الديمقراطي ببلادنا؟

وهل أصبحت الدولة اليوم مستعدة لتغيير نهجها، بوضع حد للتلاعبات في الشأن الانتخابي، واستعمال الصرامة والجدية للتصدي لكل ما من شأنه أن يسيء إلى العملية الانتخابية؟ وهل الدولة عازمة حقًّا أن تفتح بابًا جديدًا أمام إقبال جمهور عريض على المشاركة في العمل السياسي، ومحاربة العزوف عن التصويت في الانتخابات؟

فبالنظر إلى الإشارات التي ما فتئ جلالة الملك، نصره الله، يبعث بها مباشرة أو بصورة غير مباشرة إلى شعبه، فإن الأمل يحدو جميع المغاربة إلى التطلع نحو التغيير الإيجابي الذي سيعرفه المغرب قريبًا.

فهل المناخ العام يوحي بذلك، أم أنها مجرد نية في الإصلاح دون التوفر على الأدوات اللازمة لتحقيقه؟

سوق عام في الذاكرة الشعبية

في الذاكرة الشعبية، لم يكن “سوق عام” مجرد فضاء للبيع والشراء، بل كان موسمًا جامعًا تنبض فيه حياة الناس، وتلتقي فيه المصالح بالعلاقات، والتجارة بالثقافة، والربح بالفرجة. فمن موسم إملشيل إلى سوق عكاظ، ظل “سوق عام” مناسبة سنوية تستقطب القبائل والوافدين والتجار والشعراء، حيث تُعرض السلع كما تُعرض المواهب، وتُعقد الصفقات كما تُعقد الروابط الاجتماعية، وتُسمع أصوات المنادين كما تُسمع قصائد الشعراء والخطباء.

وقد كانت هذه الأسواق، في الأزمنة الماضية، تقوم على البساطة والعفوية وروح الجماعة، رغم ما كان يشوبها أحيانًا من تنافس ومشاحنات.

أما اليوم، فقد تغيرت صورتها بفعل الحداثة وتبدل القيم، فأصبحت أكثر تنظيمًا من جهة، وأكثر عرضة، من جهة أخرى، للسمسرة والانتهازية والغش والنصب والسرقات وتضليل الزبائن، حتى غدا بعض ما فيها لا يختلف كثيرًا عن صخب المصالح المتزاحمة.

وجه الشبه بين السوقين

ومن هنا يبرز وجه الشبه المجازي مع “سوق الانتخابات” في المغرب.

فإذا كان “سوق عام” ينعقد مرة كل سنة، فإن سوق الانتخابات يُفتح مرة كل خمس أو ست سنوات، لكنه بدوره يستقطب “البائعين والمشترين” بلغة السياسة، ويشهد حركة نشيطة من الوعود، والمساومات، والتنقل بين المواقع، واستمالة الزبائن أي الناخبين، وتزيين البضائع أي البرامج، وارتفاع أصوات “السماسرة والوسطاء”. وفيه أيضًا تختلط الجدية بالمسرح، والخدمة العامة بالمصلحة الخاصة، والاختيار الحر بالتأثير الموجَّه.

وهكذا، فإن الحديث عن “سوق عام” ليس وصفًا لموسم تجاري فحسب، بل مدخل رمزي لقراءة مشهد انتخابي يتكرر دوريًّا، تتبدل فيه الوجوه أحيانًا، لكن كثيرًا من الأساليب تظل ثابتة، وكأننا أمام سوق كبير تغير زمانه، ولم تتغير كل قواعده.

تحولات السوق الكبير

وبالحديث عن السوق الكبير الذي يقام مرة في السنة، والمعروف شعبيًّا بـ”سوق عام”، كما تمت الإشارة إليه من قبل، وخاصة كما أصبح حاله في السنوات الأخيرة، فقد يُلاحظ أنه لم يعد ملتزمًا بنفس الطقوس ولا بنفس الأجواء التي كانت تميزه في السابق. إذ صار يطغى عليه هاجس البحث عن أساليب مبتكرة للاسترزاق بجميع الوسائل المتاحة، وهو ما يتجلى في عدد من الظواهر السلبية والممارسات المشينة التي تستغل الكثافة البشرية وطبيعة الحدث لتنفيذ أعمال مشبوهة. ويتم ذلك عبر استغلال فضاء السوق في السرقة والنشل بطرق احترافية، وفي النصب والاحتيال التجاري، من خلال ظهور وسطاء أو نصابين يستغلون سذاجة بعض الزوار، فيبيعون لهم سلعًا مغشوشة، أو أشياء غير صالحة للغرض المعروضة من أجله، أو يعرضونها بأثمان خيالية لا تعكس قيمتها الحقيقية.

حكاية” حبة الفهامة”

ويُحكى، على سبيل الطرفة ذات الدلالة، أن أحد الناس سمع بأن التجارة أثناء “سوق عام” مربحة إلى حد بعيد، فقرر أن يجرب حظه في البيع والشراء، رغم أنه لا يملك سلعة يبيعها، ولا رأس مال يتاجر به. فلما دخل السوق، لاحظ أن جل البائعين يعرضون سلعًا بسيطة مما تجود به الطبيعة، فقال في نفسه: ولم لا أصبح أنا أيضًا تاجرًا؟ فخطرت بباله فكرة رآها عبقرية، أوحت له بأن يقصد الجناح المخصص لبيع الأغنام، فجمع منه كمية من البعرات، ثم عرضها للبيع في شكل حفنات صغيرة، سماها “حبة الفهامة”، وأخذ ينادي بأعلى صوته بأنها دواء نافع لمرض سماه “قلة الفهم”، أو “قلة الفهامة” بالعامية الشعبية، وهو يعلم أن هذا “المرض” منتشر بين عدد غير قليل من الناس.

وما إن شرع في الترويج لدوائه المزعوم، حتى التف حوله طابور من السذج والمغفلين، فأقبلوا على الشراء، واقتنوا منه كميات معتبرة في وقت وجيز. وبينما كان منهمكًا في شرح كيفية استعمال هذا الدواء لزبنائه، إذا بأحد الحاضرين يأخذ حبة واحدة، فيسحقها بين أصبعيه، ثم يشمها متعجبًا ويقول: أليست هذه بعرة أغنام؟ فرد عليه “تاجرنا” بسرعة بديهة: أنت لست بحاجة إلى دواء “قلة الفهم”، فأنت فاهم أصلًا.

حين تتحول الانتخابات إلى سوق

وهكذا يقع الأمر نفسه في “سوق عام الانتخابات”. فكل مرشح ينزل إلى السوق، حيث إن أغلب المرشحين لا يأتون بسلعهم الشخصية، أي ببرنامج انتخابي حقيقي وجاد، وإنما يأتون برأسمالهم الخاص، أي المال والأوهام والوعود الجوفاء، فيشترون به القدر الكافي من البضائع التي يحتاجون إليها، أي أصوات الناخبين.

وهذه هي بالذات الصورة المجازية المطابقة لـ”سوق عام”، حيث تختلط المصالح بالمساومات، وتتداخل الحسابات بالمناورات. فترى مجموعات متفرقة هنا وهناك في الفضاء الواسع للسوق، مجتمعة في شكل دوائر حول منظم “حلقة” يؤدي مرة دور مروض الأفاعي، ومرة دور الحكواتي، ومرة دور البهلوان، ومرة دور “الطبيب” المختص في التداوي بالأعشاب، أو دور طبيب الأسنان “المعجزة” الذي يقتلع الضرس بلا ألم.

وفي الجهة نفسها، وداخل الحلقة ذاتها، يوجد ضمن المتفرجين من يؤدون أدوارًا أخرى خفية ومتخصصة؛ بعضهم مكلف بالتصفيق المصطنع وصناعة الانبهار، وبعضهم يتولى الإشادة والتزكية، وبعضهم الآخر منشغل بـ”ضرب الجيوب”، مستغلًا انشغال الناس بالفرجة، وغفلتهم عما يجري من حولهم. وهكذا يبقى المشهد واحدًا، وإن اختلفت الوجوه وتبدلت الأزمنة.

الطقوس الخفية للمواسم الانتخابية

كانت تلك مقاربة سطحية للموضوع؛ إذ كلما تعمق البحث في تفاصيله، انكشفت جوانب أكثر عمقًا وجديرة بالاهتمام، تتجلى في عدد من المظاهر والطقوس التي تمر بها الانتخابات في المغرب. فالمشهد الانتخابي لا يقتصر على ما يظهر للعيان من شعارات ولافتات وخطب موسمية، بل تحيط به سلوكيات وممارسات تكشف كثيرًا من خفاياه.

فبمجرد الإعلان عن موعد الانتخابات، يتحرك الجسم الحزبي في مختلف أنحاء المملكة، وتشرع “الدكاكين الانتخابية” في الاستيقاظ من سباتها الطويل، لتفتح أبوابها أمام زبنائها والمتعاطفين معها، بل وحتى أمام المحترفين المسترزقين من مواسم الانتخابات، ممن لا تربطهم بالعمل السياسي قناعة ولا مبدأ، وإنما تحركهم حسابات الربح والمصلحة.

ويأتي في صدارة المحرّكين المحترفين للعملية الانتخابية أصحابُ المال، أو ما يُصطلح عليهم شعبيًّا بـ”أصحاب الشكارة”. وكثيرٌ من هؤلاء يُسهمون، بدرجات متفاوتة، في تغذية الفساد الانتخابي وترسيخ آلياته. وتتحمّل الأحزاب السياسية جانبًا من المسؤولية في ذلك، حين تمنح تزكياتها لهذا الصنف من المرشحين. ولا يُعزى هذا السلوك، في الغالب، إلا إلى حسابات ضيقة ترى فيها تلك الأحزاب منفعتين واضحتين: أولاهما إعفاء نفسها من أعباء الدعم المالي لحملاتهم الانتخابية، وثانيتهما ضمان مقعد إضافي تحت قبة البرلمان “الدجاجة بكامونها” كما يقول المثل الشعبي.

فكيف يُمكن محاربة الفساد الانتخابي من دون مساهمة الأحزاب السياسية نفسها في صناعته أو التستّر عليه؟ أم إنّ المثل الشعبي المغربي يصدق هنا تمامًا: “الفقيه اللي كنتسناو بركتو، كيدخل للجامع ببلغتو”..

المقاهي … برلمان غير معلن

وتبدأ الحركة الدؤوبة من كل حدب وصوب، فتزدحم المقاهي، خاصة في المساء بعد انتهاء الناس من أعمالهم، حيث يتفرغ كثيرون للتواصل وتبادل الأخبار والآراء مع مختلف الشرائح الناخبة، قصد معرفة أسماء المترشحين وانتماءاتهم السياسية، واستطلاع التوجهات العامة للناخبين، تمهيدًا لاختيار الاتجاه الذي قد يخدم مصالحهم أو يحقق لهم منفعة ما.

كما أن فضاء المقاهي يقصده، على وجه الخصوص، عدد من السماسرة المحترفين، بلباسهم الأنيق وهيئتهم الواثقة، أولئك الذين طالما انتظروا هذه المناسبة بشغف، لما تتيحه لهم من فرص لعقد الصفقات وجلب الأصوات من هنا وهناك، لفائدة المرشح الأكثر سخاءً في الدفع، أو الأقدر على شراء الولاءات المؤقتة.

ولا تقتصر هذه المقاهي على استقبال السماسرة وحدهم، بل يؤمها كذلك بعض الأعيان بلباسهم التقليدي المتمثل في الجلباب والعمامة المغربية “الرزة”. وهؤلاء لا يعنيهم الاتجار المباشر بالأصوات بقدر ما يعنيهم الحفاظ على الجاه الاجتماعي والمكانة المرموقة، وإبراز وزنهم ونفوذهم داخل محيطهم، وإظهار قدرتهم على التأثير في توجهات الناس وحسم اختياراتهم.

المناسبات الاجتماعية في خدمة السياسة

وبجانب المكاتب الحزبية والمقاهي، يجتمع المهتمون بالشأن الانتخابي في بعض المنازل، سواء أثناء الحملات الانتخابية أو قبل أوانها، مستغلين بعض المناسبات الحقيقية أو المفتعلة، كالأعراس والعقائق وغيرها من التجمعات الاجتماعية، التي غالبًا ما تُغطى مصاريفها من طرف أحد المرشحين، في إطار سعي مبكر لاستمالة الأنصار، وكسب التعاطف، ونسج شبكات الدعم قبل انطلاق المنافسة الرسمية.

تُعد هذه المحطة مناسبة ثمينة لتنشيط الحركة التجارية وإحداث رواج اقتصادي ملحوظ، إذ تمتلئ المقاهي عن آخرها، ويزداد الإقبال على الدجاج واللحوم، وعلى مختلف المواد الغذائية والسلع الاستهلاكية. كما تشكل هذه الفترة فرصة سانحة للتجار الصغار وأصحاب الأنشطة البسيطة لتنمية تجارتهم وتحسين مداخيلهم، ولو بصفة مؤقتة، مستفيدين مما يصاحبها من حركية وإقبال متزايد.

المنتخب المحلي كوسيط انتخابي

إن أول آلية يعتمد عليها جل المرشحين في الانتخابات البرلمانية تتمثل في توظيف المنتخبين المحليين لاستقطاب أصوات الناخبين، بالنظر إلى قربهم اليومي من المواطنين، وارتباطهم المباشر بقضاياهم ومشاكلهم، وما ينسجونه معهم من علاقات شخصية واجتماعية متشعبة. فالمنتخب المحلي، بحكم حضوره المستمر داخل الجماعة أو الدائرة التي ينتمي إليها، يكون أكثر معرفة بأحوال السكان، وأكثر قدرة على الوصول إليهم والتأثير في اختياراتهم.

ومن هذا الموقع، قد يُؤهَّل للقيام بدور الوسيط في استمالة الأصوات لفائدة مرشح معين، سواء عبر التوصية به، أو تقديمه في صورة القادر على قضاء المصالح، أو الإيحاء بأن دعمه يمثل امتدادًا لمصالح الساكنة نفسها. غير أن هذه الوساطة، في كثير من الأحيان، لا تكون عملًا مجانيًّا ولا نابعًا من اقتناع سياسي خالص، بل تتم في الغالب مقابل حسابات ومنافع متبادلة، قد تكون مادية مباشرة، أو وعودًا بمكاسب مستقبلية، أو ترتيبات مرتبطة بتقاسم النفوذ والمواقع.

ويعتمد بعض المرشحين على هذا الأسلوب لاعتقادهم أن المنتخب المحلي يملك مفاتيح التأثير، وأن قربه من الناس يجعله الأقدر على توجيه أصواتهم، خاصة في الأوساط التي ما تزال العلاقات الشخصية والعائلية والقبلية تلعب فيها دورًا معتبرًا في تحديد المواقف الانتخابية. كما أن بعض الناخبين قد يجدون أنفسهم تحت ضغط المجاملة، أو تحت تأثير خدمات سابقة، أو بدافع الحفاظ على علاقة قائمة مع من يرونه صاحب نفوذ محلي.

غير أن عموم الناخبين ليسوا، كما قد يتوهم البعض، بتلك السذاجة التي تجعلهم يمتثلون بسهولة، ودون قناعة، لرغبة منتخبيهم المحليين. فالناخب، مهما بدا صامتًا أو متحفظًا، يحتفظ في نهاية المطاف بحقه في الاختيار داخل المعزل، وقد يُظهر الموافقة في الظاهر ثم يصوت في اتجاه مغاير تمامًا. وكثيرًا ما يحدث أن تتحطم الحسابات المبنية على الوعود والوساطات أمام إرادة فردية حرة لا يعلمها إلا صاحبها.

بل إن بعض الناخبين، إذا فطنوا إلى أنهم تعرضوا للاستغلال، أو استُخدموا مجرد أرقام في صفقات انتخابية، أو جرى توظيف حاجاتهم الاجتماعية والمادية لخدمة مصالح غيرهم، فإنهم قد يتجهون عمدًا إلى التصويت ضد الجهة التي حاولت التأثير عليهم، تعبيرًا عن رفضهم لهذا الأسلوب، أو احتجاجًا على منطق الوصاية على إرادتهم.

ومن ثم، فإن الرهان المفرط على المنتخبين المحليين، رغم ما قد يوفره أحيانًا من دعم مرحلي، لا يظل مضمون النتائج على الدوام، لأن وعي الناخبين يتزايد، ولأن صناديق الاقتراع كثيرًا ما تكشف الفارق بين النفوذ الظاهر والتأييد الحقيقي.

الولائم السياسية وطرائف السماسرة

وبالعودة إلى ظاهرة الولائم السياسية التي ترافق المواسم الانتخابية، فغالبًا ما تُحاط بهالة من القصص التي يمتزج فيها النقد الساخر بالفكاهة.
لقد تعودت شريحة واسعة من الناخبين، الذين يئسوا من نجاعة الانتخابات، أن يستفيدوا، على الأقل، من ملء بطونهم طوال الحملة الانتخابية، وذلك بالحضور في جل الولائم التي يقيمها كل مرشح على حدة، وقد لا يصوتون لأي أحد منهم ولو تلقوا مقابلًا ماديًّا.

يحكي أحد المرشحين في انتخابات تشريعية سابقة أن سمسارًا لا يعرفه جاءه ذات يوم، وأخبره بأن جماعة تضم ثمانين ناخبًا، مسجلين بإحدى الجماعات الكبيرة النائية، يرغبون في الاتصال به وعقد لقاء معه قصد إعلان مساندتهم له. غير أن هذا اللقاء، بحسب زعم السمسار، يقتضي توفير مبلغ مالي لتغطية مصاريف تنقلهم، حدده في أربعة آلاف درهم.

فما كان من المرشح، وقد استبشر خيرًا بهذا العدد من الأصوات المحتملة، إلا أن سلّمه المبلغ عن طيب خاطر، على أساس أن يستقبل تلك المجموعة في مأدبة عشاء فاخرة في مساء اليوم نفسه، تمهيدًا لكسب ودهم وضمان أصواتهم.

وجاء الليل، فتهيأ الرجل وانتظر ضيوفه ساعات طويلة، وظل يترقب وصولهم إلى وقت متأخر، غير أن أحدًا لم يظهر، ولم يبدُ لهم أي أثر. وعندئذ أدرك، بعد فوات الأوان، أنه كان ضحية عملية نصب محكمة، استغل فيها المحتال لهفته الانتخابية وطمعه في أصوات لم تكن موجودة إلا في خيال السمسار.

وتكشف هذه الواقعة، على طرافتها، جانبًا من الأجواء التي ترافق بعض المواسم الانتخابية، حيث لا يقتصر التنافس على استمالة الناخبين، بل يظهر أيضًا من يتخذ من الانتخابات فرصة للاحتيال والارتزاق، مستغلًا استعجال بعض المرشحين، وضعف تقديرهم، وسهولة انخداعهم ببريق الأرقام والوعود.

بين المسؤولية والإصلاح

ومن هنا يتضح أن الوعي الجماعي لا يزال، في جانب واسع منه، بعيد المنال داخل مجتمعنا، وأن المسؤولية في ذلك لا تقع على طرف واحد دون غيره، بل تتقاسمها أطراف متعددة: المواطن، والمنتخب، والأحزاب السياسية، وهيئات المجتمع المدني، كلٌّ من موقعه، وكلٌّ بقدر ما له من تأثير وما عليه من واجب. فلم يعد من المسلَّم به أن يُلقى اللوم كله، ببساطة وسهولة، على الدولة وحدها فيما آلت إليه الممارسة الديمقراطية، والحال أن شريحة غير يسيرة من المجتمع ما تزال في حاجة إلى مزيد من النضج المدني والسياسي، وإلى مراجعة بعض السلوكات والعقليات التي تعيق كل تحول حقيقي. وفي ذلك مصداق لقوله تعالى: “إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم”.

ومع ذلك، تبقى الدولة هي المسؤول الأول، لأنها تظل الإطار الجامع، وصاحبة السلطة الأوسع، والوسائل الأقدر، والإمكانات الأوفر لتصحيح الأوضاع وتقويم الاختلالات. فهي، في هذا الباب، بمثابة القاطرة التي تجر وراءها سائر مكونات المجتمع، فإذا استقامت وجهتها استقام المسار، وإذا ترددت أو توانت تعثر الجميع. ومن ثم، فإذا لم تُجدِ المرونة، ولم تنفع أساليب التوعية والتحفيز، ولم يُثمر حسن التعامل مع المواطن، فمن حق الدولة، بل من واجبها، أن تنتقل إلى إعمال القانون بروح جادة وحازمة، حتى يستقيم السلوك العام، وتُصان هيبة المؤسسات، ويُقطع الطريق على العابثين. وفي المأثور الشعبي المغربي ما يختزل هذا المعنى حين يقال: “الخوف يورث الحياء”.

لقد حان الوقت للقطع مع كل أشكال الممارسة الديمقراطية المشينة، التي تُفرغ الانتخابات من معناها، وتحولها من وسيلة للاختيار الحر إلى مجرد طقوس موسمية فاقدة للروح والجدوى. فالعالم من حولنا يشهد تحولات متسارعة وعميقة، تفرض علينا مواكبتها بوعي ومسؤولية، حتى لا يفوتنا الركب، وحتى لا نجد أنفسنا في مؤخرة الأمم نبحث، بعد فوات الأوان، عن قوة مفقودة للحاق بمن سبقنا.

ولا شك أن الدولة نفسها أصبحت أكثر وعيًا بحجم هذه الأزمة، وفي مقدمتها ملك البلاد، أيده الله، الذي ما فتئ يدعو إلى تخليق الحياة العامة، وتقويم الشأن السياسي، ومحاربة مختلف أشكال الفساد التي تعرقل المسار الديمقراطي، وتحول دون تحقيق التنمية الحقيقية المنشودة. ومن هذا المنطلق، أُسند إلى وزارة الداخلية الإشراف المباشر على تنظيم الانتخابات، وفق مقاربة جديدة تقوم على الجدية والانضباط والصرامة في تطبيق القانون.

وتملك وزارة الداخلية، بما راكمته من تجربة طويلة، وبما تتوفر عليه من وسائل بشرية وتنظيمية ولوجستية، من المقومات ما يجعلها قادرة على الإسهام في تصويب الاعوجاجات، والحد من التجاوزات، وإعادة الثقة إلى العملية الانتخابية، إذا توفرت الإرادة الحقيقية لذلك، أو بالأحرى، إذا أُريد لها أن تريد.

فإما أن تكون الانتخابات محطة وطنية لصناعة المستقبل، وإما أن تبقى سوقًا موسمية تتكرر فيها الوجوه نفسها، والأساليب نفسها، والخيبات نفسها. والاختيار اليوم، أكثر من أي وقت مضى، لم يعد يحتمل التأجيل.

-كاتب وسياسي

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

17
  • ابراهيم
    الأربعاء 22 أبريل 2026 - 20:24

    أعجبني في هذا المقال أنه يبتعد عن التهريج السياسي، ويتحدث بلغة يفهمها الناس جميعًا. الكاتب لم يرمِ المسؤولية على جهة واحدة فقط، بل وزعها بإنصاف بين الدولة والأحزاب وبعض المنتخبين وبعض الناخبين أيضًا، وهذه نقطة تحسب له.

  • ملاحظ
    الأربعاء 22 أبريل 2026 - 20:25

    من أجمل ما في هذا النص أنه جمع بين الذاكرة الشعبية والتحليل السياسي. الحديث عن “سوق عام” لم يكن مجرد حنين إلى الماضي، بل مدخل موفق لكشف كيف تتحول بعض الاستحقاقات إلى فضاء للمساومة بدل أن تكون لحظة للاختيار الحر والمسؤول.

  • محمد
    الأربعاء 22 أبريل 2026 - 20:30

    كمتتبع للشأن المحلي، أستطيع القول إن جانبًا مهمًّا مما ورد هنا صحيح جدًّا، خاصة ما يتعلق بدور المنتخب المحلي كوسيط انتخابي، وباستعمال العلاقات الاجتماعية والعائلية في التأثير على الناخبين. هذا واقع لا يمكن إنكاره، حتى لو اختلفت حدته من منطقة إلى أخرى.

  • عبد الله
    الأربعاء 22 أبريل 2026 - 20:37

    أحسن الكاتب حين نبّه إلى أن الناخب ليس دائما ساذج كما يتصور البعض.. بالفعل، كثير من الحسابات المبنية على النفوذ والوساطة تنهار يوم التصويت، لأن المعزل يبقى في النهاية مساحة شخصية لا يعلم ما يجري فيها إلا صاحبها

  • اسماعيل
    الأربعاء 22 أبريل 2026 - 20:39

    لغة النص جميلة، والصور الموظفة فيه قريبة من الثقافة المغربية. حكاية حبة الفهامة مثلًا لم تكن فقط طريفة، بل كانت موفقة جدا في تعرية منطق التضليل الذي يقوم على معرفة مسبقة بوجود من يصدق الوهم ويشتريه.

  • ادريس
    الأربعاء 22 أبريل 2026 - 21:56

    تحليل بليغ يلخص مشهداً يتكرر في الوجدان الشعبي، حيث يختلط “الموسم” السنوي بصخبه وتجارته مع “موسم الانتخابات” بوعوده وضجيجه.
    ​هذا الربط بين “السوق العام” وسوق الانتخابات” يحمل دلالات عميقة.
    هل ترى أن “المنافسة” في اقليمنا هذا العام سوف تعطي وجوها جديدة، وناخبين يحملون شعار الوعي السياسي أم أن “البضاعة” السياسية سوف تبقى على حالها؟

    تحياتي ايها الرجل العظيم

  • عزيز
    الأربعاء 22 أبريل 2026 - 22:47

    أظن أن المقال أصاب في نقطة أساسية: الإصلاح الانتخابي ليس فقط تعديل قوانين ونصوص، بل هو أيضًا معركة وعي وسلوك وثقافة سياسية. وهذه معركة طويلة، لكنها ضرورية إذا أردنا أن يكون للتصويت معنى حقيقي.

  • سعيد
    الأربعاء 22 أبريل 2026 - 23:16

    الحديث عن المقاهي باعتبارها “برلمانا غير معلن” توصيف بليغ جدّا. من يعرف المجتمع المغربي يعرف أن جزءا مهمّا من الرأي العام يتشكل فعلا في هذه الفضاءات، حيث تختلط الأخبار بالإشاعات، والمواقف بالقناعات، والمصلحة بالتأثير

  • سعيد المسناوي
    الخميس 23 أبريل 2026 - 10:19

    مقال عميق يلامس واقعا نعيشه بكل تفاصيله، خاصة هذا التشبيه بين سوق عام وسوق الانتخابات الذي جاء معبرا جدا، وقد أعجبني الربط بين الذاكرة الشعبية والممارسة السياسية اليوم، لأنه يكشف كيف تتكرر نفس الأنماط بأشكال مختلفة، إنه طرح يفتح باب التفكير أكثر مما يقدم أجوبة جاهزة

  • نوفل أسعد
    الخميس 23 أبريل 2026 - 10:20

    لغة جميلة وسلسة، وفيها نفس سردي يجعل القارئ لا يشعر بطول المقال، قصة حبة الفهامة كانت ذكية جدًا وأضفت بعدًا ساخرًا عميق الدلالة

  • كريم الإبراهيمي
    الخميس 23 أبريل 2026 - 10:26

    ما شدني في المقال هو التوازن في تحميل المسؤولية دون الوقوع في التبسيط أو التبرير. هذا الطرح نادر لمحاولته فهم الظاهرة بدل الاكتفاء بانتقادها. قراءة تستحق التوقف عندها ..

  • عايدة عبد السلام
    الخميس 23 أبريل 2026 - 10:32

    النص غني بالأمثلة الحية التي تجعل القارئ يرى المشهد وكأنه أمامه، خصوصا الحديث عن الانتهازية والجشع المتجلية في السمسرة، فهو يعكس واقعًا يعرفه الجميع لكن قلما يكتب عنه بهذه الصراحة. أسلوب جريء ومع ذلك يبقى محترما.

  • خولة السالك
    الخميس 23 أبريل 2026 - 10:38

    تكمن قوة هذا المقال، في نظري، في قدرته على المزج بين النقد والبعد الثقافي، فاستحضار “سوق عام” لم يكن مجرد زخرفة بل كان مفتاحًا لفهم المشهد الانتخابي بشكل أعمق، ولأجل ذلك أظن أن المقال يقدم طرحا ذكيا ومتماسكا

  • Nadia Allam
    الخميس 23 أبريل 2026 - 10:46

    مقالٌ محكم البناء، يتخلله استعارة مركزية بالغة الدقة، فالتشابه بين السوق التقليدي و”السوق الانتخابي” دقيقٌ وملفت للنظر في آن واحد. وهذا ما يجعل قراءة المقال سلسةً ومثيرةً للتفكير

  • علي
    الخميس 23 أبريل 2026 - 11:26

    مستوى راق في التحليل جمع بين ما يدخل في اختصاص تحليل الخطاب السياسي والاقتباس من الذاكرة الشعبية، مقال يتضمن رسائل سياسية قوية فلم تعد الانتخابات في بلادنا محطة للتنافس على البرامج، بل تحولت إلى “موسم تجاري” بامتياز. حيث أصبحت الكفاءة والمبادئ مجرد “ديكور”، بينما السيادة المطلقة لـ “أصحاب الشكارة” الذين حولوا المقاعد الانتخابية إلى صفقات استثمارية بربح مضمون

  • mohamed loulaji
    الخميس 23 أبريل 2026 - 12:55

    نص عميق يضع الإصبع على واحدة من الإشكالات التي ما زالت ترافق الممارسة السياسية، حيث تتحول بعض المحطات الانتخابية إلى فضاءات يغلب عليها العرض أكثر من الجوهر. التشبيه بين “سوق عام” و”سوق الانتخابات” يعكس واقعًا يشعر به كثير من المواطنين، دون أن يعني ذلك التعميم على الجميع.
    اليوم، الحاجة أصبحت ملحّة لتجديد أساليب التأطير السياسي، والانتقال من منطق الوعود إلى منطق المصداقية، لأن وعي الناخب تطوّر بشكل واضح. مثل هذه القراءات تساهم في فتح نقاش هادئ ومسؤول حول سبل الارتقاء بالفعل السياسي

  • يوسف ل
    الأحد 26 أبريل 2026 - 03:45

    سيظل السوق على حاله ما دام البائع هو نفسه، والمشتري هو نفسه، والسماسرة أنفسهم يتنقلون بين الوجوه والأسماء. تتغيّر الواجهة، لكن الثمن يُدفع دائماً من جيب البسطاء. وحين يصبح المال والسلطة ميزان السوق، تتحول السلع إلى مناصب، وتُباع الأوهام بدل الإصلاح

صوت وصورة
جنرال أمريكي: المغرب مصدر للأمن
الأحد 11 أكتوبر 2026 - 16:47 2

جنرال أمريكي: المغرب مصدر للأمن

صوت وصورة
مبادرة ساكنة لفك العزلة
الأحد 11 أكتوبر 2026 - 15:06 7

مبادرة ساكنة لفك العزلة

صوت وصورة
تشييع المغربية ضحية الهجوم الحوثي
الأحد 11 أكتوبر 2026 - 10:57 2

تشييع المغربية ضحية الهجوم الحوثي

صوت وصورة
معرض الطيران يجمع الفرجة والمعرفة
السبت 10 أكتوبر 2026 - 23:30

معرض الطيران يجمع الفرجة والمعرفة

صوت وصورة
مضادات "درون" مصنوعة مغربيا
السبت 10 أكتوبر 2026 - 21:30 3

مضادات "درون" مصنوعة مغربيا

صوت وصورة
الدار البيضاء تتضامن مع غزة
السبت 10 أكتوبر 2026 - 20:15 7

الدار البيضاء تتضامن مع غزة