إنفاذ القوانين يستلزم وجود حكامة أمنية

إنفاذ القوانين يستلزم وجود حكامة أمنية
الجمعة 30 ماي 2014 - 14:47

الحكامة الأمنية في المغرب لا يمكن التعامل معها كما لو أنها ورش مفتوح للاستهلاك الإعلامي. بل ينبغي تكريسها على أرض الواقع كأولوية مجتمعية ضاغطة، للحد من مظاهر الانحراف، والشطط في استعمال السلطة، والتعسف في استعمال الحق، والإفراط في استعمال القوة ضد المواطنين دون مراعاة شرطي التناسب واللزوم، والتصرف دون ربط المسؤولية بالمحاسبة بخصوص تدخلات الموظفين المكلفين بإنفاذ القوانين

الحكامة الأمنية معيار من المعايير الأساسية للتحول الديمقراطي في أي بلاد. التحول الذي سيجعل الأجهزة الأمنية المكلفة بحماية الأمن والنظام العام تشتغل تحت سلطة الحكومة الدستورية وتخضع في تصرفاتها لرقابة القضاء ولمسائلة البرلمان ولتحريات لجان تقصيه النيابية التي تستمد مشروعيتها من الدستور والقانون

لقد وقعت في السنوات الأخيرة تدخلات أمنية عنيفة في حق نشطاء حركة 20 فبراير أو في مواجهة طلبة الجامعات والأحياء الجامعية أو ضد وقفات احتجاجية سلمية لفعاليات حقوقية ومدنية أو في مواجهة حراك اجتماعي ببعض المدن… ومع ذلك لم نرى أن الحكومة التي جعلت من التنزيل الديمقراطي للدستور أهم شعاراتها قامت بنشر أي تقرير عن العمليات الأمنية وعما خلفته من خسارة وعن أسباب ذلك والإجراءات التصويبية المتخذة في إطار تفعيلها لتوصيات هيئة الإنصاف والمصالحة في الشق المتعلق بموضوع الحكامة الأمنية.

مادام أن دواعي الاحتكاك بين رجال الأمن والمواطنين في بلادنا موجودة فإن وضع مدونة سلوك أو خطة وطنية متكاملة لضبط سلوك الموظفين المكلفين بإنفاذ القوانين يعدان من المقومات الأساسية الكفيلة بإصلاح الأعطاب الموجودة في العلاقة بين المواطن وأجهزة الأمن. كما أن مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة أمر بات يستجوب من الناحية الأمنية ضرورة توقيع العقاب الإداري والجنائي الصارم على كل من يثبت عليه إخفاء ما ترتب من الخسائر البشرية أو المادية بسبب الاستعمال المفرط للقوة العمومية أو قام بتزوير أو تدمير أو التستر عن ما حصل من تجاوزات أو وثائق متصلة بها كما أوصت بذلك هيئة الإنصاف والمصالحة…

المؤسسات الأمنية بخلاف باقي المؤسسات الأخرى تقوم بموجب القانون أو من دونه بأعمال قسرية تنطوي على القسوة والشدة. كما أنها تستعمل القوة بشكل مفرط وغير متناسب في بعض الأحيان ويمكن لها أن تقوم أحيانا أخرى ببعض الإجراءات الماسة بالحرية الشخصية مثل القبض والتفتيش والاستجواب وانتزاع الاعترافات

ولأن هذه الأجهزة تكون في مواجهة مباشرة مع الأفراد بشكل جماعي أو بشكل فردى فإن هذه المواجهة تفرض على الدولة وعلى أجهزتها الأمنية احترام حقوق الأفراد وحرياتهم الأساسية كما ذهب إلى ذلك القاضي الأردني محمد الطراونة في أحد دراساته التي تناولت علاقة الأمن بحقوق الإنسان.

أجهزة الأمن تعد من أهم الآليات الوطنية التي يتوجب عليها احترام حقوق الإنسان خصوصا في هذه المرحلة التي تشهد تنامي ظاهرة التظاهرات والاعتصامات والوقفات الاحتجاجية من أجل المطالبة بالتغيير والإصلاح للقضاء على الفساد والاستبداد

وفي هذا السياق يقول الدكتور محمد الطراونة في دراسته السالفة الذكر لقد تنبه المجتمع الدولي إلى أهمية دور الشرطة في حماية حقوق الإنسان. كما أن قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 34/169 الصادر في 17 ديسمبر1979 يعد المصدر والأساس لذلك، من خلال إقراره مدونة قواعد وسلوك الموظفين المكلفين بإنفاذ القوانين تتضمن مجموعة من المبادئ التي تحكم عمل الشرطة في مجال حقوق الإنسان والتي يمكن إيجازها فيما يلي:
أولا: على الموظفين المكلفين بإنفاذ القوانين في جميع الأوقات تأدية الواجب الذي يلقيه القانون على عاتقهم وذلك بخدمة المجتمع وبحماية جميع الأشخاص من الأعمال غير القانونية على نحو يتفق مع علو درجة المسؤولية التي تتطلبها مهنتهم بحيث لا يجوز اعتقال شخص بدون سند قانوني وبناء على أمر قضائي مسبب ولا يجوز اعتقال أي شخص من قبل الموظفين المكلفين بإنفاذ القوانين دون إتاحة الفرصة له للاتصال بمحاميه على أن يكون مخالفة ذلك تحت طائلة البطلان والملاحقة في حال إذا خالفت الأجهزة الشرطية هذا المبدأ.

ثانيا: على الموظفون المكلفون بإنفاذ القوانين، أثناء قيامهم بواجباتهم،احترام الكرامة الإنسانية وصونها، والمحافظة على حقوق الإنسان المحمية بموجب القانون الوطني والدولي

ثالثا: لا يجوز للموظفين المكلفين بإنفاذ القوانين استعمال القوة إلا في حالة الضرورة القصوى وفى الحدود اللازمة لأداء واجبهم بل ينبغي أن يكون استعمال القوة من قبل الموظفين المكلفين بإنفاذ القوانين أمرا استثنائيا لتفادى وقوع أي انتهاك

رابعا: لا يجوز لأي موظف من الموظفين المكلفين بإنفاذ القوانين أن يقوم بأي عمل من أعمال التعذيب أو غيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة أو أن يحرض عليه أو أن يتغاضى عنه. كما لا يجوز لأي منهم أن يتذرع بأوامر عليا أو بظروف استثنائية كحالة الحرب أو التهديد بالحرب أو إحاقة الخطر بالأمن القومي أو تقلقل الاستقرار السياسي الداخلي أو أية حالة أخري من حالات الطوارئ العامة لتبرير التعذيب أو غيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة..

خامسا: على الموظفين المكلفين بإنفاذ القوانين احترام القانون ومدونة السلوك وعليهم أيضا، قدر المستطاع، منع وقوع أي انتهاكات لهما ومواجهة هذه الانتهاكات بكل صرامة. ويتعين على الذين يتوفر لديهم ما يحملهم على الاعتقاد بوقوع أو شك في وقوع انتهاك لهذه المدونة، إبلاغ الأمر إلى سلطاتهم العليا أو إلى غيرها من السلطات والأجهزة المختصة التي تتمتع بصلاحية المراجعة أو رفع المظالم عند اللزوم..

وارتباطا بموضوع الحكامة الأمنية في الجانب المتعلق بالقتل التعسفي أو بالاستعمال غير المناسب للسلاح من قبل الموظفين المكلفين بإنفاذ القوانين، لا بد من الإشارة إلى تعليق جد مهم للّجنة المعنية بحقوق الإنسان على المادة السادسة من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية جاء فيه:

“ينبغي للدول الأعضاء اتخاذ تدابير ليس فقط لمنع الحرمان من الحياة عن طريق الأعمال الإجرامية. بل أيضا لمنع القتل التعسفي الذي ترتكبه قوات الأمن التابعة لها.والحرمان من الحياة على يد سلطات الدولة هو أمر بالغ الخطورة ولذلك يجب أن يتحكم القانون في الظروف التي قد يحرم فيها شخص من حياته على يد هذه السلطات، وأن يحدد هذه الظروف”

مما لاشك فيه، أن أعمال القتل المرتكبة وفقا لاستخدام مشروع للقوة بتفويض للقانون لا تعتبر من حالات إعدام تعسفي لحق الإنسان في الحياة. لهذا على الموظفين المكلفين بإنفاذ القوانين في أدائهم لواجبهم أن يطبقوا قدر الإمكان الوسائل التي لا تتسم بالعنف قبل اللجوء إلى القوة واستعمال الأسلحة النارية. كما لا يجوز لهم استعمال الأسلحة النارية إلا إذا ثبت عجز غيرها من الوسائل عن أداء المهمة أو عدم وجود أمل في تحقيقها للنتيجة المنشودة..

ومتى كان الاستعمال المشروع للقوة والأسلحة النارية أمرا لا مناص منه ينبغي على الموظفون المكلفون بإنفاذ القوانين أن يقللون الضرر والإصابة إلى الحد الأدنى ويحترمون الحياة الإنسانية ويحافظون عليها.

وتقرر المادة الثالثة من مدونة الأمم المتحدة لقواعد سلوك الموظفين المكلفين بإنفاذ القوانين ” أنه لا يجوز للموظفين المكلفين بإنفاذ القوانين استعمال القوة إلا في حالة الضرورة القصوى وفي الحدود اللازمة لأداء واجبهم ” كما ينص تعليق اللجنة الدولية لحقوق الإنسان على المادة الثالثة على مايلي:

1 يشدد هذا الحكم على أن استعمال القوة من قبل الموظفين المكلفين بإنفاذ القوانين ينبغي أن يكون أمرا استثنائيا ومع أنه يوحي بأنه قد يكون من المأذون به للموظفين المكلفين بإنفاذ القوانين أن يستخدموا من القوة ما تجعله الظروف معقول الضرورة من أجل تفادي وقوع الجرائم أو في تنفيذ الاعتقال القانوني للمجرمين أو المشتبه بأنهم مجرمون، أو المساعدة على ذلك. فهو لا يجيز استعمال القوة بشكل يتعدى هذا الحد.

2 يقيد القانون الوطني في العادة استعمال القوة من قبل المكلفين بإنفاذ القوانين وفقا لمبدأ التناسبية

3 يعتبر استعمال الأسلحة النارية تدبير أقصى لا ينبغي اللجوء إليه إلا عندما يبدي الشخص المشتبه في ارتكابه جرما مقاومة مسلحة أو يعرض حياة الآخرين للخطر بطريقة أخرى وتكون التدابير الأقل تطرفا غير كافية لكبحه أو لإلقاء القبض عليه، وفي كل حالة يطلق فيها السلاح الناري ينبغي تقديم تقرير إلى السلطات الخاصة دون إبطاء.

أما مبادئ الأمم المتحدة الأساسية بشأن استعمال القوة والأسلحة النارية من جانب الموظفين المكلفين بإنفاذ القوانين فقد نصت على عدة خطوط توجيهية ترتبط بالمبادئ العامة لاستعمال الأسلحة وبالجانب المتعلق بالمسائلة عن استعمال الأسلحة وبالظروف المسموح فيها باستعمال الأسلحة وبإجراءات استعمال الأسلحة وما بعد استعمالها يمكن أن نفصل فيها في مقال آخر.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

3
  • شاهد
    الجمعة 30 ماي 2014 - 18:52

    هناك فعلا من يحارب ظاهرة التشرميل وهناك من يستغل هذة الظاهرة من اجل ابتزاز الناس)أخد الرشوة) هذا مايقع على شاطئ تمارة حيت يقوم عنصرين من القوات المساعدة مكلفين بحراسة الشاطئ بترصد شباب مراهقين رفقة شابات(ليكوبل)وابتزازهم ماديا لإخلاء سبيلهم حيث يزعمون المخازنية ان ضبطو متلبسين لممارسة الفاحشة .يقول احد الشباب انه خرج مع صديقته الى البحر لتغيير روتين الحي فإذا بعنصرين من القوات المساعدة على متن خيولهم يختبوون وراء أسوار الفيلات وينادون عن الشاب والشابة فطلبو منهم بطاقة التعريف تم بدأ مخزني بتحرير مخالفة وتم اخر باستنطاق الشاب والشابة كل على حدى حيت قالت الشابة الى المخزني أنا من طلبت من صديقي الخروج معي الى البحر فقال لها المخزني(دبا خلصي عليه) وبعد أخد ورد ونظرا لسمعة الشابين(مبغاوش الشوهة)تسلم منهم المخزني 100درهم لسماح لهم ويقول الشاب بقات في الشمتة حتى خادو 100درهم عاد انتبهت لطريقة الابتزاز هاد المخازنية كيتخباو مع الخيول ديال هم بين الفيلات بعيدا عن الأنظار وكيخرج مخزني كيعيط على لكوبل او ثنائي كيخد بطاقات التعريف كيبداو عليهم بالكدوب راحنا زوميناكم وشفناكم آش كديرو حتى لابريگاد

  • البرطوشي المهيطل
    الجمعة 30 ماي 2014 - 18:54

    شكرنا للاخ على هذا المقال المفيد والجميل الذي يتحدث فيه عن الحكامة الامنية والانقاد القوانين الشطط في استعمال القوة وغير ذانك من التصرفات التعسفية للقوات العمومية اتجاه المواطنين فعلى ما يبدو ان الاخ لم يسبق له ان خرج في وقفةاحتجاجية او مظاهرة ليرى مايتعرض له رجال الامن من سب وشتم ورشق بالحجارة وماء اليود يقول لنا الاخ كيف يمكن لرجل الامن يواجه شخص بيده سيف كيف له ان يواجه جحافل المتظاهرين احتلوا مكان عمومي تقضى فيه اغراض الناس ربما بعبارة الله يرحم الولدين ربما لاتعلم ما يعانيه هؤلاء اتجاه من بعض تصرفات الغير المعقلنة لبعض المحتجين ولا تنسى ان افراد القوات العمومية حتى هم مواطنين اما فيما يخص الاسلحة النارية لم يستعملها هؤلاء قط في التدخلات فلا تضخم الامور حكامتك الامنية التي تطالب بها ربما تجوز ان تطبق في فرنسا

  • marrueccos
    الجمعة 30 ماي 2014 - 22:32

    حق المواطن في التظاهر السلمي يكفله له القانون ! لكن على الجهة الراغبة في التظاهر أن تعلن تاريخه ومساره ومدته ! هكذا سرى عرف التظاهر في كل الدول الديمقراطية ! لكن أن يندفع الناس هكذا ويرهنوا حركة الشارع دون التقيد بشروط الحق في التظاهر ! فهذه فوضى لن تقبل بها أي دولة تحترم مواطنيها !
    في كل الدول الديمقراطية حين تخرق تظاهرة ما ! ما إلتزم به المتظاهرون ! فالقوة العمومية تعتمد إخبار المتظاهرين بضرورة إنهاء إحتاججهم ! إن لم لم يمتثلوا تتقدم لتفريقهم سلميا ! إن قاوموا تستعمل القوة الناعمة لتحقيق ذلك قبل أ تستكمل تدخلها بشكل عنيف !
    عرف " ماكس فيبر " الدولة أنها المحتكر الوحيد بإستخدام العنف وربطه بالمسؤولية ! ولا أضن أن المسؤولية تعني المحاسبة ! إنما تقديم أسباب إستخدام العنف ! إن حاسبنا من يفرق التظاهرات التي تجاوزت ما يؤطره قانون التظاهر فأحسن أن نسلم الشارع للشارع !!!!

صوت وصورة
لوكهيد مارتن بمعرض مراكش
الأحد 11 أكتوبر 2026 - 20:51

لوكهيد مارتن بمعرض مراكش

صوت وصورة
السيول تجتاح طرق أسني بالحوز
الأحد 11 أكتوبر 2026 - 19:49 4

السيول تجتاح طرق أسني بالحوز

صوت وصورة
جنرال أمريكي: المغرب مصدر للأمن
الأحد 11 أكتوبر 2026 - 16:47 2

جنرال أمريكي: المغرب مصدر للأمن

صوت وصورة
مبادرة ساكنة لفك العزلة
الأحد 11 أكتوبر 2026 - 15:06 9

مبادرة ساكنة لفك العزلة

صوت وصورة
تشييع المغربية ضحية الهجوم الحوثي
الأحد 11 أكتوبر 2026 - 10:57 2

تشييع المغربية ضحية الهجوم الحوثي

صوت وصورة
معرض الطيران يجمع الفرجة والمعرفة
السبت 10 أكتوبر 2026 - 23:30

معرض الطيران يجمع الفرجة والمعرفة