صراعات منطقة الشرق الأوسط تخلف دمارا اقتصاديا.. والسلام ضرورة حتمية

صراعات منطقة الشرق الأوسط تخلف دمارا اقتصاديا.. والسلام ضرورة حتمية
صورة: مواقع التواصل الاجتماعي
الأحد 3 ماي 2026 - 02:00

تتجرع منطقة الشرق الأوسط مرارة صراعات دموية ممتدة منذ أكثر من عقدين، خلّفت دماراً واسعاً في البنى التحتية وأزمات إنسانية واقتصادية عابرة للحدود؛ إذ لم تعد آثار الحروب محصورة داخل الدول المنخرطة فيها، بل امتدت إلى محيطها الإقليمي وإلى الاقتصاد العالمي، حيث تشير تقديرات أممية إلى أن كلفة هذه الصراعات تقترب من مليار دولار يومياً، وهو رقم يعكس حجم الخلل الذي أصاب منظومة الاستقرار، ويضع المنطقة في قلب معادلة دولية معقدة تتداخل فيها التجارة والطاقة والأمن.

في هذا السياق، أكد نبيل فهمي، وزير الخارجية المصري الأسبق، في مقال نشره مركز المستقبل للأبحاث والدراسات المستقبلية، أن إنقاذ الشرق الأوسط يتوقف على إطلاق خطة إعادة إعمار واسعة النطاق، تتطلب استثمارات بمئات المليارات وتمتد لعقود، مع ضرورة توفير دعم إقليمي ودولي منسق؛ لأن استمرار النزاعات يعني استنزافاً متواصلاً للموارد، وتآكلاً تدريجياً لقدرات الدول على التعافي، وهو ما يجعل السلام ضرورة عملية وليس مجرد خيار سياسي.

الأرقام الميدانية تكشف حجم الخسائر بشكل أكثر وضوحاً: ففي قطاع غزة، قُتل أكثر من 55 ألف فلسطيني منذ أكتوبر 2023، وأُصيب ما يزيد على 100 ألف، فيما تضرر أو دُمر ما بين 80 و90 في المئة من المباني، وهو ما أدى إلى انكماش الاقتصاد بنسبة تراكمية تراوح بين 83 و87 في المئة خلال عامي 2023 و2024، مع تراجع نصيب الفرد من الناتج المحلي إلى نحو 161 دولاراً، وهي مستويات تعكس انهياراً شبه كامل للنشاط الاقتصادي.

في السودان، حيث اندلعت الحرب في أبريل 2023، تشير التقديرات إلى مقتل نحو 150 ألف شخص، مع نزوح يتراوح بين 12 و14 مليوناً، وتأثر أكثر من 30 مليون شخص بأزمة غذاء حادة، بينما تتوقع التقديرات الاقتصادية أن ينخفض الناتج المحلي بنسبة تتراوح بين 32 و42 في المئة مقارنة بمستويات عام 2022، مع خسائر تجاوزت 26 مليار دولار في وقت مبكر من عام 2025، وانكماش قطاعات إنتاجية رئيسية بأكثر من 50 في المئة.

أما في سوريا، فقد انخفض الناتج المحلي من نحو 67.5 مليار دولار في عام 2011 إلى حوالي 21.4 مليار دولار في عام 2024، مع تراجع فعلي بنسبة 53 في المئة خلال الفترة بين 2010 و2022، فيما يشهد اليمن تراجعاً حاداً في نصيب الفرد من الناتج المحلي بنسبة 58 في المئة منذ عام 2015، مع توقعات بانخفاض إضافي بنسبة 1.5 في المئة بحلول عام 2025، في ظل استمرار القيود على صادرات النفط.

في ليبيا، تجاوزت الخسائر التراكمية للنزاع منذ عام 2011 نحو 576 مليار دولار، مع توقعات بارتفاعها بنحو 462 مليار دولار إضافية إذا استمر الوضع الحالي حتى عام 2025، وهي أرقام تعكس كلفة الفراغ السياسي وتعطل مؤسسات الدولة، وتوضح حجم الفرص الاقتصادية الضائعة نتيجة استمرار عدم الاستقرار.

تأثير هذه الصراعات امتد إلى دول الجوار؛ حيث تستضيف مصر نحو 9 ملايين لاجئ ومهاجر، بينهم أكثر من 1.5 مليون سوداني منذ عام 2023، إضافة إلى ما بين 140 ألفاً و147 ألف سوري، مع كلفة سنوية تقدر بنحو 10 مليارات دولار تتحملها الدولة لتوفير الخدمات الأساسية، وهو ما يشكل ضغطاً إضافياً على اقتصاد يواجه تحديات هيكلية.

في الوقت نفسه، تراجعت إيرادات قناة السويس من مستوى قياسي بلغ 10.3 مليار دولار في عام 2023 إلى نحو 4 مليارات دولار في عام 2024، أي بخسارة سنوية تراوح بين 6 و7 مليارات دولار، مع خسائر تراكمية تجاوزت 9 مليارات دولار خلال عامين، وانخفاض في حركة الملاحة بنسبة تراوحت بين 50 و64 في المئة في فترات الذروة، نتيجة اضطرابات البحر الأحمر؛ مما أجبر شركات الشحن على اتخاذ مسارات بديلة أطول عبر رأس الرجاء الصالح.

هذه التحولات في حركة التجارة العالمية أدت إلى زيادة تكاليف النقل، وارتفاع أسعار السلع، وتفاقم الضغوط التضخمية، خاصة في الاقتصادات التي تعتمد على الواردات، كما انعكست على أسواق الطاقة؛ حيث تجاوز سعر خام برنت مستويات تراوحت بين 80 و83 دولاراً للبرميل خلال فترات التصعيد، مما زاد من كلفة الإنتاج والنقل على مستوى العالم.

الجانب الإنساني يظل الأكثر تعقيداً؛ إذ يحتاج أكثر من 58 مليون شخص في المنطقة إلى مساعدات إنسانية، في وقت تعاني فيه خطط الإغاثة من نقص التمويل، حيث لم يتم تمويل خطة اليمن لعام 2025 إلا بنسبة 19 في المئة، وهو ما يفاقم الأوضاع المعيشية، ويزيد من معدلات الفقر والهشاشة الاجتماعية.

إلى جانب ذلك، تبرز تداعيات بيئية واجتماعية طويلة الأمد، مثل تدهور الأراضي الزراعية في السودان واليمن، وتسربات النفط في ليبيا، إضافة إلى تفكك النسيج الاجتماعي وارتفاع معدلات البطالة؛ وهي عوامل تعقّد أي محاولة لإعادة الاستقرار، لأن إعادة الإعمار لا تقتصر على إعادة بناء ما دمرته الحرب، بل تتطلب إعادة بناء الإنسان والمؤسسات في آن واحد.

يرى فهمي أن نجاح أي خطة لإعادة الإعمار يتطلب مقاربة شاملة، تقوم على ربط التمويل بالإصلاحات، وتعزيز الشفافية، وإعادة بناء القطاعات الإنتاجية، مع التركيز على التعليم والصحة، باعتبارهما أساس التنمية طويلة الأمد؛ لأن الاقتصادات التي فقدت رأس مالها البشري تحتاج إلى وقت أطول للتعافي.

وتشير المعادلة الحالية وفق وزير الخارجية المصري الأسبق إلى أن كلفة الصراعات مستمرة في الارتفاع، بينما تظل فرص الحل رهينة التوافقات السياسية؛ ومع غياب تسويات شاملة، تستمر المنطقة في استنزاف مواردها، وتزداد الضغوط على الاقتصاد العالمي، وهو ما يجعل من إعادة الإعمار مشروعاً ضرورياً، لكنه مشروط بوقف النزاعات وبناء بيئة مستقرة قادرة على جذب الاستثمارات.

ويختم فهمي أن الشرق الأوسط يقف أمام مرحلة مفصلية، حيث تتقاطع الأزمات الإنسانية مع الحسابات الاقتصادية، وتتداخل المصالح المحلية مع التوازنات الدولية، مما يفرض واقعاً جديداً لا يمكن التعامل معه بالحلول التقليدية؛ فإما مسار طويل نحو التعافي قائم على التعاون والاستثمار، أو استمرار دائرة الخسائر التي تتسع يوماً بعد آخر.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

7
  • رحمة .
    الأحد 3 ماي 2026 - 02:54

    المقال.يذكر أن الناتج المحلي السنوي لسوريا انخفض من.67,5 مليار دولار سنة 2011 الى 21 مليار دولار سنة 2024 .
    في سنة 2011 تم استباحة امن وازدهار سوريا من طرف موجات.عارمة من مجموعات مسلحة ارهابية اسلامية تنوعت واختلفت.أسماؤها وتوحدت أهدافها.بتدمير وتخريب سوريا بمساندة دول معروفة .

  • يااااااااااارب
    الأحد 3 ماي 2026 - 03:06

    يااااااااااارب
    ياااااااااااارب
    ياااااااارب يعم السلام العالم أجمع. ياااااااارب هي فتنتك تبتلي بها عبادك فارحمنا من ويلات هذه الدنيا الفانية. اللهم توفنا و أنت راض عنا غير غضبان

  • الزروالي
    الأحد 3 ماي 2026 - 05:49

    إنه عقاب من الله الرجوع الى الله هو الحل الوحيد ينور الله الطريق يهدينا الى صراطه المستقبل ويرفع عنها الاداره

  • مان
    الأحد 3 ماي 2026 - 06:29

    وجود السرطان الغريب في الشرق الأوسط هو السبب الرئيسي في كل الحروب و الدمار … هؤلاء في عقيدتهم و إيمانهم الذي لا يتزعزع انهم لابد من السيطرة على العالم

  • ابوسلامة:
    الأحد 3 ماي 2026 - 06:50

    إذا عمّ السلام، وتوقفت الحروب، فإن بعض الدول ستتضرر، ويدخل اقتصادها في سوق الافلاس.
    البلد الذي يبني اقتصاده على مختلف أنواع الأسلحة الفتاكة والممنوعة دوليا، يبحث عن أسواق لتصدير هذه الأسلحة، وهذا الأمر لا يحدث إلا باختلاق فتن وبؤر التوتر بين البلدان، حتى تستفيد من صادرات أسلحتها لهذه المناطق.

  • محمد حماقي
    الأحد 3 ماي 2026 - 13:24

    هل تتذكرون الطلاب الشباب في إحدى أكبر الجامعات البريطانية، الذين كانوا يدرسون الفيزياء؟ كانوا علماء، لا سياسيين. انطلقوا من مبدأ بسيط: أن القوة في العالم يجب أن تكون متوازنة. ومن هناك، شرعوا في مغامرة فريدة في تاريخ البشرية. لقد سربوا سر القنبلة الذرية إلى الاتحاد السوفيتي. يكمن سر الحروب اليوم في أن العالم لا يعيش في توازن قوى، بل في وحشية مفرطة. والدليل على ذلك هو أن البنية التحتية الاقتصادية لإيران نفسها تُشلّ بفعل النيران الإسرائيلية الأمريكية. إنها حرب عبثية من حروب الإمبريالية الحديثة. ولم يذكر أي مؤتمر عربي مفاعل ديمونا قط .

  • Krima
    الأحد 3 ماي 2026 - 14:35

    ما قال السيد نبيل فهمى صحيح .لكن هناك أشياء اخري اكثر واعمق.كان على نبيل فهمى الوزير السابق للخارجية المصرية ان يخبرنا من كان السبب فى كل ذالك وما هو الحل؟.

صوت وصورة
أسعار اللحوم تواصل الارتفاع
الجمعة 25 شتنبر 2026 - 10:48

أسعار اللحوم تواصل الارتفاع

صوت وصورة
خصاص الكتب يرهق الأسر
الخميس 24 شتنبر 2026 - 23:48

خصاص الكتب يرهق الأسر

صوت وصورة
احتفالية في بيت المنصوري
الخميس 24 شتنبر 2026 - 23:42 22

احتفالية في بيت المنصوري

صوت وصورة
شوكي: تراجع النتائج رسالة للتصحيح
الخميس 24 شتنبر 2026 - 18:46 7

شوكي: تراجع النتائج رسالة للتصحيح

صوت وصورة
المنصوري: العلاقة مع إسبانيا ضرورية
الخميس 24 شتنبر 2026 - 15:48 12

المنصوري: العلاقة مع إسبانيا ضرورية

صوت وصورة
بوعياش: ضعف المشاركة إنذار
الخميس 24 شتنبر 2026 - 14:37 8

بوعياش: ضعف المشاركة إنذار