صدر كتاب “الجمهورية التكنولوجية” عام 2025 لمؤسِّس شركة “بالانتير” ‘ألكس كارب’ ومدير المحتوى ‘نيكولاس زاميسكا’، في لحظة أمريكية فارقة تتقاطع فيها ثلاثة اتجاهات: صعود اليمين التكنولوجي إلى مراكز صنع القرار، والتنافس الجيوسياسي مع الصين وروسيا، وأزمة ثقة متصاعدة بين وادي السيليكون والمؤسسة الأمنية الأمريكية. والكتاب في جوهره ليس بحثاً أكاديمياً ولا دراسة سياسية رصينة، بل هو نص تأسيسي ذو طابع أيديولوجي صريح؛ مانيفستو بالمعنى الحرفي للكلمة.
يقترح المؤلفان “ميثاقاً أخلاقياً” يلزم النخبة التقنية بالانخراط في الدفاع الوطني، ويدعوان إلى تجاوز ما يسمّيانه “طغيان التطبيقات” — أي الهيمنة الاستهلاكية على عقول المهندسين — نحو تكنولوجيا ذات “مغزى وجودي” يُعبِّر عنه الذكاء الاصطناعي العسكري وأنظمة الردع الرقمي. وتأتي هذه الدعوة ملتبسةً بلغة شبه ميتافيزيقية تمنح الاستثمار الدفاعي صبغة التضحية والواجب المقدس.
في غمرة الاندفاع المغربي نحو ’الرقمنة الشاملة‘ في أفق 2030، يبرز وعيٌ ضروري بالانزلاقات الحقوقية والسيادية الكامنة؛ فالتكنولوجيا في جوهرها ليست مجرد أدوات تقنية محايدة، بل هي تجسيدٌ صريح لموازين القوة وممارسةٌ عميقة للسلطة.
وهم السيادة: هل نصنع القوة أم نؤجرها؟
تتبنى مبادئ أليكس كارب نزعة “قومية برمجية” صريحة، معتبرة أن القوة هي “السيادة على الكود”. لكن في الواقع المغربي، تُبنى المنصات الرقمية الكبرى غالباً عبر شراكات مع عمالقة التقنية (Big Tech) .
المثال التوضيحي: لننظر إلى مشروع “السحابة السيادية” (Sovereign Cloud)، وهو ركن أساسي في رؤية “المغرب الرقمي 2030″، المراد منه ضمان تخزين بيانات المواطنين الحساسة. قد تفتخر الدولة بامتلاك “مراكز بيانات” ضخمة فوق ترابها الوطني، لكن إذا كانت أنظمة التشغيل (Operating Systems ) وقواعد البيانات التي تُدير هذا الصرح من ابتكار وتحكم شركات أجنبية، فنحن في الواقع “نستأجر سيادتنا” ولا نمتلكها.
إن السيادة الرقمية لا تتحقق بمجرد بناء “المستودع” (الأجهزة)، بل أـيضا في امتلاك “المفتاح البرمجي” الذي يُديره. فبدون القدرة على تطوير هذه الأنظمة محلياً، نجد أنفسنا أمام سيادة منقوصة؛ حيث تظل البيانات مكشوفة لخوارزميات أجنبية يمكن تحديثها أو تعطيلها أو “التنصت” عليها بقرار خارجي، مما يحول الدولة من “مالك للقرار” إلى “مستأجر للخدمة” يسهل عزله تكنولوجياً في أي لحظة.
طغيان الخوارزمية: عندما يحل “الكود” محل التداول الديمقراطي
يدعو البيان إلى تقديم “النجاعة التقنية” على النقاشات السياسية. نقدياً، هذا يمثل “نزعاً للسياسة” من الشأن العام وتفويض المصير للخوارزميات الصماء.
المثال التوضيحي: يتجسد هذا الخطر مثلا في “السجل الاجتماعي الموحد” (RSU). هنا، يتحول النظام التقني إلى “قاضٍ رقمي” يمنح أو يمنع الدعم عن أسرة ما بناءً على تنقيط خوارزمي (Score) معقد يعالج استهلاك الكهرباء والهاتف ومؤشرات أخرى.
ورغم أن النظام يتيح نظرياً إمكانية “تقديم شكاية”، إلا أن التحدي النقدي يكمن في “طبيعة المراجعة”؛ فالمواطن الذي يشتكي من قرار الخوارزمية غالباً ما يجد نفسه في مواجهة “مسؤول إداري” لا يملك سلطة التقدير الإنساني، بل تنحصر مهمته في التأكد من صحة “البيانات المدخلة” في النظام. فإذا كان الحاسوب يرى أن “الاستهلاك مرتفع”، تظل الخوارزمية هي المرجع النهائي، ويصبح حق الشكاية مجرد إجراء للتأكد من “دقة الأرقام” وليس مراجعة لـ “عدالة القرار”.
هنا يختفي “المسؤول البشري” ذو الصلاحية التقديرية خلف شاشة الكمبيوتر؛ فبدلاً من أن نناقش سياسياً “من هو الفقير؟”، نترك الخوارزمية تضع تعريفاً رياضياً للفقر. وفي هذه الحالة، تظل “ديكتاتورية المعطيات” قائمة، لأن النظام لا يملك “روحاً” لفهم لماذا ارتفع استهلاك الكهرباء فجأة (ربما بسبب مرض أو ظرف طارئ)، بل يرى أرقاماً جافة لا تقبل الجدل، مما يحول “الشكاية” من محاولة لتحقيق العدالة إلى معركة تقنية لإثبات خطأ في إدخال المعطيات.
عسكرة الكفاءات: الولاء بين الوطن والسوق
يركز البيان على “الدين الأخلاقي” للمهندسين تجاه الدولة. لكن محاولة “عسكرة” الولاء التقني في بيئة تعاني من “هجرة الأدمغة” تبدو محاولة لبناء قصر فوق الرمال.
المثال التوضيحي: لنتأمل حال المهندس المغربي الشاب الذي يبرمج خوارزميات لشركات توصيل أو منصات خدمات دولية عابرة للقارات؛ إنه يجد نفسه في موقع “البروليتاريا الرقمية” هو يخدم اقتصاداً عالمياً ببيانات مغربية صرفة (يعرفون من خلالها أدق تفاصيل حياتنا: أين نسكن، ماذا نأكل، وكيف نتحرك)، بينما تظل القيمة المضافة والأرباح السيادية خارج الحدود.
فبأي منطقٍ نطالب هذا المهندس بتبني عقيدة “سيادية” وطنية، في حين أن بيئته الاقتصادية والاجتماعية تدفعه دفعاً نحو “الولاء لمن يدفع”؟ إن تكوين الدولة للمهندس ومنحه الشهادة الجامعية هو “استثمار” لا يكتمل إلا بضمان “الكرامة المادية والمهنية”. فلا يمكن بناء سيادة رقمية بنخبةٍ “تغترب” في وطنها وتنتظر أول فرصة للرحيل. إن الوفاء الأخلاقي “للجمهورية التكنولوجية” لا يُفرَض ببيانات “المانيفستو”، بل يُستحق عندما يشعر المبتكر أن ذكاءه هو حجر الزاوية في مشروع وطني يحفظ كرامته أولاً، قبل أن يطالبه بحماية أمنه الرقمي.
الاستلاب الثقافي: هل تفهم الآلة “تمغربيت”؟
النقطة الأكثر إثارة للجدل في البيان هي نزعته “الداروينية” التي تزدري الثقافات “غير المنتجة”. هذا يهدد الخصوصية الثقافية للمجتمعات الصاعدة كالمغرب.
المثال التوضيحي: يتجلى هذا الخطر بوضوح عند الاعتماد الكلي على نماذج الذكاء الاصطناعي الغربية (مثل ChatGPT أو Gemini). نكتشف سريعاً أن هذه النماذج، رغم عبقريتها بالإنجليزية، “تتعثر” وتغترب عند محاولتها فهم الدارجة المغربية أو استيعاب السياقات الشعبية والرموز الثقافية المحلية.
إن هذا ليس مجرد “عجز تقني” عابر، بل هو آلية لفرض الهيمنة؛ فالاعتماد المطلق على أدوات “لا تتحدث لغتنا الوجدانية” سيجبرنا، بمرور الوقت، على تكييف أساليبنا في التفكير والتعبير لتلائم “قوالب البرمجيات المستوردة”. والنتيجة هي “ذوبان تدريجي” للهوية الوطنية في نمط برمجى موحد، حيث نكف عن كونه ذواتاً منتجة للثقافة، لنصبح مجرد “مستخدمين” يُعيدون صياغة أنفسهم داخل إطار لغوي وفكري غريب عنهم. إن السيادة الحقيقية هنا لا تكمن في “سرعة المعالجة”، بل في امتلاك ذكاء اصطناعي “يفهمنا” قبل أن يعلمنا كيف نتكلم.
تغييب الأخلاق تحت ستار النجاعة
يسخر البيان من “النقاشات المسرحية” حول أخلاقيات التقنية. بالنسبة لدولة في طور البناء الحقوقي كالمغرب، هذا المنطق يمثل شيكاً على بياض لانتهاك الخصوصية.
المثال التوضيحي: يكمن الخطر في أن “الحصانة المطلقة” التي يطالب بها البيان للنخب التقنية والمسؤولين عن الأنظمة المعلوماتية —بدعوى حماية الكفاءات من الإزعاج الإداري— قد تتحول إلى “ستار تقني” (Technical Veil) يُخفي وراءه ممارسات التجسس أو سوء استخدام البيانات الضخمة للمواطنين.
إن التكنولوجيا هنا تعمل كـ “صندوق أسود”؛ ففي غياب الرقابة الحقوقية المستقلة، يمكن لأي خرق للخصوصية أن يُبرر بكونه “ضرورة خوارزمية” لا يفهمها إلا المختصون. لكن الحقيقة الأكاديمية والسياسية تؤكد أن النجاعة لا يمكن أن تكون نقيضاً للأخلاق؛ فالدولة القوية في العصر الرقمي ليست هي التي تملك القدرة المطلقة على استباحة بيانات مواطنيها، بل هي التي تبرهن على قوتها عبر حماية هذه البيانات وصونها من أي انزراف سلطوي. إن إلغاء الرقابة باسم السرعة هو، في جوهره، تفويض للسلطة من المؤسسات الديمقراطية إلى التقنيين غير المنتخبين.
خاتمة نقدية
إن المغرب لا يحتاج إلى “جمهورية تكنولوجية” بملامح عسكرية باردة، حيث السيادة هي مجرد تفوق استخباراتي. نحن بحاجة إلى “سيادة رقمية مواطنة”؛ تضع التقنية في خدمة الإنسان لا في خدمة الخوارزمية، وتؤمن بأن قوة الأمة لا تكمن في صرامة “الأكواد”، بل في قدرة هذه الأكواد على تحقيق العدالة والكرامة. إن بيان ‘كارب’ يدعونا لنكون “أقوياء”، والنقد يدعونا لنكون “أحراراً وأقوياء” في آن واحد.
سؤال للمستقبل: هل يمتلك المغرب الشجاعة لرفض “التبعية التقنية” الجاهزة، والمخاطرة ببناء “برمجيات سيادية” بصبغة وطنية، أم سيظل يكتفي بدور “المستعمل المتطور” لابتكارات الآخرين؟
“There are only two industries that call their customers ‘users’: illegal drugs and software”
“لا يوجد سوى قطاعين فقط يُطلقان على عملائهما مصطلح ‘المستخدمين’: المخدرات غير القانونية والبرمجيات”
Edward Tufte
(Statistician)
“Data is the new oil. It’s valuable, but if unrefined it cannot really be used”
“البيانات هي النفط الجديد. إنها قيمة، لكن إذا لم يتم تكريرها فلا يمكن استخدامها حقاً ”
(Clive Humby)
(Mathematician)
“Those who own the data own the future”
“أولئك الذين يمتلكون البيانات، يمتلكون المستقبل”
Yuval Harari
(Intellectual)
أستاذي،
إن تشخيصك الدقيق لواقع الرقمنة بالمغرب يضع اليد على الجرح، فالنجاعة التقنية دون هوية أو رقابة حقوقية هي مجرد تبيعية مُقنّعة. أرى أن الأفضل للمغرب في أفق 2030 ليس الاندفاع الأعمى نحو الاستهلاك الرقمي، بل الاستثمار الجريء في بناء “كود سيادي” نابع من خصوصيتنا الثقافية “تمغربيت” لضمان كرامة مهندسينا وحماية بيانات مواطنينا. إن الرهان الحقيقي للمملكة يكمن في التحول من “مُستأجر للخدمة” إلى “صانع للقرار الرقمي” يملك مفاتيح برمجياته بنفسه.
ALHOCEIMA
مقال عميق ومكتوب بوعي فكري كبير، نجح في طرح إشكاليات الذكاء الاصطناعي بعيداً عن الانبهار السطحي بالتكنولوجيا، خصوصاً الإشارة إلى خطر فقدان الخصوصية الثقافية والوجدانية أمام هيمنة النماذج الرقمية المستوردة. ميزة هذا النوع من المقالات هي فتح نقاش ضروري حول مستقبل الإنسان، و ليس فقط مستقبل التقنية. تحية للكاتب الدكتور يونس موستف على هذا الطرح النقدي الرصين.