اكديرة يرصد نواقص إصلاح التعليم

اكديرة يرصد نواقص إصلاح التعليم
صور: هسبريس
الأحد 17 ماي 2026 - 00:19

من بين الفعاليات البارزة التي تضمنتها أشغال ندوة وطنية نُظمت في إطار “مسار المستقبل”، السبت بفاس، عرضٌ أسهب من خلاله محمد اكديرة، أستاذ جامعي وخبير في الحكامة والسياسات التربوية والعمومية وتدبير الموارد البشرية وهندسة الكفاءات، في تشريح إصلاح المنظومة التربوية المغربية كأولوية استراتيجية تتأرجح بين طموحات المستقبل وإكراهات الواقع البنيوي والسلوكي، واضعاً ورقة طريق متكاملة تحدد معالم “مدرسة المستقبل” وتكشف مكامن الخلل التي تشلّ قاطرة الإصلاح.

وفي مستهل عرض مطول، بدأ محمد اكديرة بمنجزات الحكومة الحالية في قطاع التعليم، مؤكداً أنه “رغم وجود نقاط اختلاف معها في بعض التدابير، إلا أن الواقع يفرض الاعتراف بإنجازات ملموسة”، معتبراً أن “الرفع من الميزانية ورصدَ حكومة أخنوش غلافاً مالياً استثمارياً كبيراً جداً وغير مسبوق لقطاع التعليم”، من أبرزها.

ودافع الخبير التربوي عينه عن تجربة “مدارس الريادة”، مشيراً إلى أن “فكرتها الأساسية لم تنل حظها الكافي من التعريف والتسويق في البداية عبر وسائل الإعلام (التلفزيون والإذاعة)، لكنها تشكل ركيزة هامة في بُنيان الإصلاح المنشود منذ عقود”.

وعن تسوية الملفات الفئوية العالقة، أكد اكديرة بقوله: “تُحسب لهذه الحكومة شجاعتُها في تسوية ملفات إدارية معقدة كانت عالقة لسنوات لعدة فئات من الأساتذة”، مستدلاً بـ”الزيادات الأجرية التاريخية”، حيث “تم إقرار زيادة عامة بلغت في أدناها 30%، وهي أعلى زيادة يشهدها قطاع التعليم تاريخياً، وهو إنجاز يجب أن يُذكر ويُحسب للحكومة الحالية”. وأردف بطرح السؤال: “هل يستحق الأستاذ أكثر؟”، لتكون الإجابة حتماً: “نعم، يستحق”، لكن ينبغي دائماً استحضار إكراهات الميزانية العامة”، بتعبيره.

مفهوم “التربية المشتركة”

أثار الأستاذ بجامعة محمد الخامس بالرباط انتباهَ المشاركين من أطر تربوية وأكاديميين جامعيين إلى مفهوم “التربية المشتركة” (Co-éducation) ومفهوم “مدينة التربية” (Cité de l’éducation)، مستشهداً بحكمة إفريقية قديمة: «يلزم قرية بأكملها لتربية طفل واحد». وزاد معلقاً: “هذه الحكمة تؤكد أنه لا يمكن إلقاء اللوم أو المسؤولية على المدرسة أو الحكومة بمفردهما. الفاعلون في المنظومة متعددون؛ وهناك مسؤولية سياسية تقع على عاتق الحكومة، ومسؤولية تربوية تقع على الأسرة، ومسؤوليات أخرى مشتركة تتقاسمها فعاليات المجتمع المدني ووسائل الإعلام”.

وفي هذا السياق، نفى الأستاذ اكديرة بشكل قاطع أن تكون المنظومة التربوية المغربية تعيش “أزمة” بالمعنى العلمي الدقيق. وتابع متفاعلاً من على المنصة: “جوابي الشخصي هو: لا، ليست هناك أزمة. لأن الأزمة في التعاريف العلمية تعني الانقطاع المفاجئ لخط التوازن. ونحن لدينا منظومة تشتغل بتوازن؛ هناك مدخلات (أعداد المسجلين سنوياً)، وهناك مخرجات (خريجون، أطباء، محامون، قضاة، وأساتذة..). المنظومة لا تعاني من شلل تام، بل تعاني من «نواقص وعيوب بنيوية وسلوكية» يجب تشخيصها ومعالجتها بعيداً عن تكرار كلمة أزمة”.

نواقص وعيوب

عرّج المتدخل على مظاهر وسلوكيات مجتمعية سلبية تؤثر مباشرة على جودة التعليم، وهي “سلوكات بنيوية لا علاقة للحكومة أو الوزير بها، بل تقع ضمن المسؤولية المشتركة”، بتقديره. وضرب مثالاً بـ”ثقافة الغش”: تحوّل الغش لدى بعض التلاميذ إلى مهارة متميزة وسلوك يُنظر إليه، برعونة، على أنه نوع من “الذكاء”، و”غياب المسؤولية والمحاسبة”، مثلاً “لجوء بعض الأساتذة” للسفر إلى الحج، ثم اتخاذهم قراراً أحادياً بعدم الاشتغال طوال الموسم الدراسي دون الاكتراث بالمتعلم ودون وجود محاسبة رادعة.

وتعاني الجامعة، بحسب الخبير التربوي المختص في هندسة الكفاءات، من “تضخم وسوء توزيع الأساتذة (بنية من الجنرالات حيث الكل يبحث عن مصالحه الخاصة وإرضاء الخواطر)، لدرجة تصل إلى الشجار بين الأساتذة من أجل الظفر بساعتين إضافيتين في الجدول الزمني”، مثيراً “غياب الطلبة في سلك الماستر: يسجلون في مسالك الماستر ولا يحضرون الدروس إطلاقاً، وفي نهاية المطاف يحصلون على الشواهد دون رقيب أو حسيب”.

معيقات إصلاح المدرسة المغربية

في نقاط فصّلها أمام الحاضرين، أجمل الخبير معيقات الإصلاح التربوي في “مقاومة التغيير”: صعوبة إحداث قطيعة حقيقية مع الممارسات السابقة من طرف بعض الفاعلين في الحقل التربوي، وتصلب البنيات المؤسساتية أمام التغيير المعاصر.

كما أثار “إشكالات اللغات والمناهج”: تفاوت وتذبذب التنزيل البيداغوجي للمناهج واللغات، لاسيما في التعليم العالي، منتقداً “المقاربة الكمية المقيتة”: انتقاد مقاربة التعليم بلغة الأرقام الجافة (مثل الحديث عن توفير 4332 مسلكاً أو مؤسسة)، فالتعليم يُقاس بـ”الكيف والجودة”، وبمدى تأثيره الفعلي على التنمية والاقتصاد والعطاء لخدمة الوطن.

وعن ضعف تدبير الموارد البشرية، أشار إلى استمرار تراكمات تاريخية سلبية أدت إلى ضعف التكوين الأساسي والمستمر، “حتى أصبحنا نجد أساتذة عاجزين عن التحدث بالعربية الفصحى، أو الفرنسية، أو الإنجليزية، ويكتفون بالدارجة في إلقاء الدروس”.

كما نبّه إلى “عدم استيعاب مفهوم الحكامة”، بخلطِ المسؤولين بين الحكامة والتدبير الإداري التقليدي. وأكد أن الحكامة تقتضي إقرار مفهوم “الحكاماتية” (Gouvernementalité)، وهو المفهوم الذي اشتغل عليه الفيلسوف غاستون باشلار لسنوات لضبطه. كما شدد على أن “التعريب الحقيقي يجب أن يشمل المدخلات، والعمليات، والمخرجات معاً ليكون حكامة حقيقية”.

رهانات “مدرسة المستقبل”

اختتم محمد اكديرة عرضه برسم ملامح وتحديات مدرسة المستقبل المغربية، التي يجب أن ترتقي لتستجيب لرهانات العصر المعرفي والرقمي عبر أربعة محاور أساسية:

إحداث تحول في عملية التعلم من خلال “دمج الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا الرقمية بذكاء، مع وضع الإنسان، والبيئة، والاندماج في صميم المشروع التربوي”.

تنمية المهارات الشاملة والأفقية (Soft Skills): إعطاء الأولوية للتعاون، والإبداع، والتفكير النقدي، والتعايش الإنساني، بدلاً من التلقين الببغائي ومجرد الحفظ والشحن للحصول على النقط والدرجات.

ضمان التماسك الاجتماعي: توفير تعليم شامل ومنصف للأطفال ذوي الإعاقة، ومكافحة التفاوتات الاجتماعية المرتبطة بالنوع الاجتماعي والهجرة والمجال الجغرافي.

كما شدد على “إعادة صياغة دور الأستاذ ومبتكرات المدرسة”، منادياً بـ”جعل المدرسة مكاناً إنسانياً، مرحاً، وواقعياً يتجاوز الطباشير والممارسات الكلاسيكية عبر اعتماد أساليب تربوية مبتكرة، وتأهيل الأستاذ ليكون موجهاً ومواكباً للتحول المواطناتي والتماسك الاجتماعي” في مغرب المستقبل.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

5
  • نجلاء
    الأحد 17 ماي 2026 - 00:41

    نواقص التعليم معروفة مند زمان .التعليم مسيس وصدق بورديو حينما ربط التعليم بالطبقية كما صدق الوزير وهبي في قولته ” ولدي عندو وفلوس وقرا فكندا ” انتهى الكلام.

  • مغربي 2018
    الأحد 17 ماي 2026 - 01:21

    وأنا أقرأ هذا المقال ، أثار انتباهي دفاع السيد “اكديرة” بكل شراسة عن السيد “برادة” ومدرسته الرائدة و”إنجازاته” في قطاع التعليم . وحتى عندما تطرق إلى نواقص إصلاح هذا القطاع ، قال بأن سببها “سلوكات بنيوية لا علاقة للحكومة أو الوزير بها، بل تقع ضمن المسؤولية المشتركة” !!! مستدلا بانتشار ماسماه “ثقافة الغش” لدى التلميذ و الأستاذ !!!! … ولفهم هذا الموقف المساند بشدة ، قمت بتكبير الصورة المرافقة للمقال لمعرفة مناسبة هذا التدخل ، فبرزت لي يسار الصورة عبارة “الهيئة الوطنية لأطر التربية والتكوين التجمعيين” … !!!

  • محمد
    الأحد 17 ماي 2026 - 01:27

    هناك امل في الدولة الاجتماعية التي تعمل بجد لانجاح المشروع التربوي . فقط عدم ايديولوجية التربية و فتحها في جميع الفئات الاجتماعية بدون إقصاء ولا تمييز لكي تنتج لنا اجيال منتجة و فاعلة

  • hassan
    الأحد 17 ماي 2026 - 01:55

    نواقص التعليم معروفة و مقصودة. والاستاذ يطبل للحكومة وكأنها حققت انجاز لرجال التعليم. انظر القطاعات الأخرى والزيادات الحاتمية. لماذا اتفاق 26ابريل 2011 لم يطبق فقط في قطاع التعليم ؟

  • يوسف اسبانيا
    الأحد 17 ماي 2026 - 07:39

    التعليم في المغرب هي مسرحية لنهب الأموال ليس هناك اي تقديم في هدا المجال انها خدعة من المسؤولين في هدا الميدان كلشي تيحلب فيها إلى من رحم ربي ليس هناك ضمير مهني

صوت وصورة
ليلة رعب في أولاد عياد
الجمعة 9 أكتوبر 2026 - 20:45

ليلة رعب في أولاد عياد

صوت وصورة
المعارضة وتفعيل التوجيهات الملكية
الجمعة 9 أكتوبر 2026 - 20:30 2

المعارضة وتفعيل التوجيهات الملكية

صوت وصورة
إشادات بمضامين الخطاب الملكي
الجمعة 9 أكتوبر 2026 - 20:02 2

إشادات بمضامين الخطاب الملكي

صوت وصورة
الملك محمد السادس يترأس افتتاح البرلمان
الجمعة 9 أكتوبر 2026 - 16:00 8

الملك محمد السادس يترأس افتتاح البرلمان

صوت وصورة
مغاربة ينتظرون الأفضل من الحكومة
الجمعة 9 أكتوبر 2026 - 15:34 7

مغاربة ينتظرون الأفضل من الحكومة

صوت وصورة
براعة فرسان الإمارات في سماء مراكش
الجمعة 9 أكتوبر 2026 - 12:14 4

براعة فرسان الإمارات في سماء مراكش