منذ اندلاع نزاع الصحراء المغربية في سبعينات القرن الماضي، ظل هذا الملف أحد أعقد القضايا الجيوسياسية في المنطقة المغاربية، بالنظر إلى تشابك أبعاده التاريخية والسياسية والأمنية. ففي سنة 1973 ظهرت جبهة البوليساريو في ظروف إقليمية ودولية خاصة، بعدما تم استقطاب عدد من الشباب المغاربة المنحدرين أساسا من مدينة طانطان المغربية، قبل أن تجد الجزائر في هذا التنظيم أداة استراتيجية لإضعاف المغرب والسعي نحو منفذ على المحيط الأطلسي، بدعم سياسي وعسكري ولوجستي من النظام الليبي آنذاك، لتبدأ مرحلة طويلة من المواجهة المسلحة وعدم الاستقرار في المنطقة.
ومع حلول سنة 1975، جاءت المسيرة الخضراء باعتبارها لحظة تاريخية فارقة أبدع فيها المغفور له الملك الحسن الثاني أسلوبا سلميا وحضاريا لإسترجاع الأقاليم الجنوبية، حيث نجح المغرب في فرض معادلة جديدة قلبت موازين الملف دوليا. وقد تُوج هذا التحول بتوقيع اتفاقية مدريد وانسحاب إسبانيا من الصحراء المغربية، لينتقل النزاع من مرحلة تصفية الاستعمار إلى مرحلة الصراع الإقليمي المفتوح الذي غذته الحسابات الجزائرية ورهانات الحرب الباردة، في وقت بدأت فيه معالم الدبلوماسية الملكية المغربية تتشكل كخيار استراتيجي لحلحلة النزاع بعيدا عن منطق الحرب والاستنزاف.
وخلال أواخر سبعينات القرن الماضي، أعلنت موريتانيا انسحابها من منطقة وادي الذهب، متبنية موقف الحياد، وهو ما مكن المملكة المغربية من استكمال وحدتها الترابية بالجنوب. غير أن الجزائر واصلت دعم البوليساريو ماليا وعسكريا ودبلوماسيا وإعلاميا، في محاولة لإطالة أمد النزاع واستنزاف المغرب، بينما كانت المملكة تركز على تثبيت الاستقرار وبناء المؤسسات وتعزيز ارتباط الساكنة الصحراوية بالدولة المغربية، في إطار رؤية ملكية بعيدة المدى جعلت من التنمية والاستقرار مدخلا أساسيا لتحصين الوحدة الوطنية.
وفي سنة 1981، طرحت المملكة المغربية لأول مرة مقترح تنظيم الاستفتاء تحت إشراف الأمم المتحدة، في خطوة عكست حسن نية المملكة ورغبتها في إيجاد حل سياسي نهائي. غير أن هذا المسار اصطدم بعراقيل معقدة، بعدما عمدت البوليساريو، بدفع مباشر من الجزائر، إلى إغراق لوائح تحديد الهوية بأشخاص لا تربطهم بالصحراء المغربية أي روابط تاريخية أو قبلية، بينهم موريتانيون وماليون وجزائريون، الأمر الذي جعل الأمم المتحدة عاجزة عن تحديد الهيئة الناخبة الحقيقية، لينتهي مشروع الاستفتاء إلى الفشل بسبب المناورات السياسية التي عطلت تنزيله على أرض الواقع.
وعندما اعتلى جلالة الملك محمد السادس العرش سنة 1999، وجد أمامه ملفا ثقيلا ورهانات إقليمية معقدة، غير أن الدبلوماسية الملكية المغربية اختارت منذ البداية الانتقال من منطق تدبير الأزمة إلى منطق صناعة الحل. ومنذ مطلع الألفية الجديدة، انطلقت مراجعة شاملة للمقاربة المغربية، اعتمدت على الواقعية السياسية والانفتاح الدبلوماسي والتنمية الميدانية، وهو ما مهد سنة 2007 لتقديم مبادرة الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية كحل جدي وواقعي وذي مصداقية، حظي بإشادة واسعة داخل المنتظم الدولي باعتباره أرضية عملية لإنهاء النزاع بشكل نهائي.
وفي المقابل، بقي قرار البوليساريو مرتهنا بالقيادة العسكرية الجزائرية، حيث استمرت الجبهة في ترديد خطاب جامد ولغة خشبية منفصلة عن التحولات الدولية، بينما ظلت معاناة المحتجزين في مخيمات تندوف تتفاقم وسط الفقر والحرمان وانعدام أبسط شروط العيش الكريم. وبات واضحا أن النظام الجزائري يوظف هذا الملف لخدمة أجنداته الإقليمية، دون اكتراث بمصير آلاف الأسر التي تعيش منذ عقود في ظروف قاسية شرق الجدار، في مقابل نجاح الدبلوماسية الملكية المغربية في كسب دعم دولي متزايد لمبادرة الحكم الذاتي.
وبالتوازي مع التحرك السياسي، أطلق المغرب واحدة من أكبر الأوراش التنموية في تاريخه بالأقاليم الجنوبية، حيث ضُخت استثمارات ضخمة في البنيات التحتية والموانئ والطرق والمناطق الصناعية والطاقات المتجددة. وتحولت مدن مثل العيون والداخلة إلى أقطاب حضرية حديثة ومدن ذكية تستقطب الاستثمارات والسياحة، في وقت أصبحت فيه الصحراء المغربية نموذجا للتنمية المستدامة والاستقرار الأمني على الواجهة الأطلسية الإفريقية، وهو ما عزز مصداقية الطرح المغربي وأعطى للدبلوماسية الملكية المغربية قوة إضافية في المحافل الدولية.
كما عززت الدبلوماسية الملكية المغربية حضور المغرب قاريا ودوليا، خاصة بعد العودة القوية إلى الاتحاد الإفريقي، حيث استطاعت المملكة خلال سنوات قليلة قلب موازين القوى داخل القارة الإفريقية، عبر شراكات اقتصادية واستراتيجية واسعة. وتُوج هذا المسار باعترافات متتالية من دول إفريقية وأوروبية وأمريكية لاتينية بمغربية الصحراء، إلى جانب افتتاح عشرات القنصليات العامة بمدينتي العيون والداخلة، في تحول دبلوماسي غير مسبوق عكس تراجع الأطروحة الانفصالية على المستوى الدولي.
ومع صدور قرارات متتالية عن مجلس الأمن الدولي تدعو إلى حل سياسي واقعي وعملي ودائم قائم على التوافق، بات مشروع الحكم الذاتي يتقدم باعتباره الخيار الوحيد القابل للتطبيق. واليوم، تبدو المملكة المغربية في موقع قوة سياسيا ودبلوماسيا وتنمويا، بينما تتآكل أطروحة الانفصال تحت وقع التحولات الدولية والإقليمية، في انتظار لحظة تاريخية تُطوى فيها صفحة هذا النزاع المفتعل بشكل نهائي.
إن مشروع الحكم الذاتي ليس فقط حلا سياسيا، بل بوابة لمستقبل جديد يضمن للصحراويين العودة إلى وطنهم معززين مكرمين في ظل السيادة المغربية، والاستفادة من التنمية والعيش الكريم والاستقرار.
كما أن تنزيل هذا المشروع سيفتح آفاقا واسعة للتكامل الاقتصادي بين المغرب وموريتانيا وإفريقيا الأطلسية، وسيعيد الروابط العائلية والنفسية والاجتماعية التي مزقتها سنوات النزاع. وبين مدن الصحراء المغربية المزدهرة بموانئها وطرقاتها الحديثة وفرصها الاقتصادية الواعدة، وبين واقع البؤس والحرمان شرق الجدار، تتضح الفوارق الصارخة بين مشروع دولة تستثمر في الإنسان والتنمية، وقيادة انفصالية راكمت الامتيازات والثروات في أوروبا على حساب معاناة المحتجزين بمخيمات تندوف.
أضف تعليقك
من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.