إيران التي يحكمها الجنرالات

إيران التي يحكمها الجنرالات
الجمعة 22 ماي 2026 - 23:40

لم يكن اغتيال علي خامنئي مجرد حدث أمني عابر في تاريخ الجمهورية الإسلامية، بل لحظة كاشفة لتحول عميق ظل يتشكل داخل بنية النظام الإيراني طوال عقود، ذلك أن السؤال الذي طغى مباشرة بعد مقتله لم يكن متعلقًا فقط بمن سيخلفه، وإنما بمن يحكم إيران فعليًا، وهل ما تزال المؤسسة الدينية هي مركز القرار الحقيقي، أم أن السلطة انتقلت تدريجيًا إلى شبكة أمنية‑عسكرية تدير الدولة من خلف الواجهة السياسية والدينية.

في تقارير غربية، بدا واضحًا أن طهران دخلت مرحلة جديدة تختلف عن الصورة التقليدية التي لازمت الجمهورية الإسلامية منذ 1979، إذ تتحدث هذه التقارير عن دائرة ضيقة من القادة المرتبطين بالحرس الثوري، معظمهم مسؤولون حاليون أو سابقون في أجهزة الأمن والاستخبارات، يشكلون ما يشبه “حلقة ضيقة” تمسك بمفاصل الدولة، وتدير عملية اتخاذ القرار بعيدًا عن المؤسسات التي ظلت تُقدَّم بوصفها الواجهة الرسمية للحكم.

هذه المجموعة لم تولد فجأة، بل تشكلت خلال الحرب العراقية‑الإيرانية في ثمانينيات القرن الماضي، وهي الحرب التي صنعت الوعي السياسي والعسكري لجيل كامل من قادة الحرس الثوري، حيث تشكلت هناك فكرة “الدولة المحاصرة”، وترسخت عقيدة تقوم على الارتياب الدائم من الخارج والاقتناع بأن بقاء النظام لا يتحقق إلا عبر القبضة الأمنية والتعبئة العقائدية المستمرة، ولذلك لم يكن غريبًا أن يتحول قادة الحرب لاحقًا إلى قادة دولة ينتقلون من الجبهات العسكرية إلى أجهزة الأمن والبرلمان والقضاء والاقتصاد والإعلام.

ما يكشفه المشهد الإيراني اليوم هو أن الجمهورية الإسلامية لم تعد تُدار وفق مركزية “المرشد الفرد”، حتى وإن بقيت هذه الصورة قائمة دستوريًا ورمزيًا، فاغتيال خامنئي لم يؤد إلى انهيار النظام أو دخوله في فراغ سياسي لأن السلطة الحقيقية أصبحت موزعة داخل شبكة متماسكة من المؤسسات الأمنية والعسكرية، شبكة قادرة على إعادة إنتاج نفسها حتى في ظل الحروب والاغتيالات والعقوبات، وهو ما يفسر استمرار الدولة رغم الضربات القاسية التي تلقتها خلال الأشهر الأخيرة.

ضمن هذه البنية يبرز اسم محمد باقر قاليباف، رئيس البرلمان الحالي، بوصفه أحد أبرز الوجوه التي تجمع بين النفوذ العسكري والخبرة السياسية، فالرجل الذي قاد سابقًا سلاح الجو في الحرس الثوري ثم الشرطة وبلدية طهران يقدم نفسه باعتباره صوتًا “براغماتيًا” داخل المعسكر المحافظ، غير أن تاريخه يكشف في الوقت نفسه عن شخصية أمنية تشكلت داخل عقلية الحرس الثوري، فقد سبق أن تفاخر علنًا بمشاركته في قمع احتجاجات الطلبة عام 1999 حين نزل مع قوات التعبئة إلى الشارع لضرب المتظاهرين.

إلى جانب قاليباف يقف أحمد وحيدي، أحد أكثر الجنرالات الإيرانيين تشددًا، والذي تولى قيادة الحرس الثوري بعد مقتل سلفه خلال الحرب الأخيرة، وحيدي ليس مجرد قائد عسكري بل أحد مهندسي النفوذ الإقليمي الإيراني منذ سنوات طويلة، إذ قاد “فيلق القدس” في مرحلة مبكرة وأسهم في بناء الشبكات المسلحة المرتبطة بطهران في المنطقة، كما ارتبط اسمه باتهامات غربية تتعلق بعمليات استهدفت مصالح أمريكية ويهودية خارج إيران، وهي اتهامات تنفيها طهران باستمرار.

أما في الداخل، فتبرز شخصيات مثل غلام حسين محسني إيجئي، رئيس السلطة القضائية، وحسين طائب، رجل الاستخبارات القوي، باعتبارهما نموذجين لطبيعة الدولة الجديدة التي تتشكل في إيران، دولة لا تفصل بين الأمن والقضاء والسياسة بل تجعلها أدوات متداخلة داخل مشروع واحد هدفه الأساسي حماية النظام، ولذلك لم تعد السلطة القضائية مجرد مؤسسة قانونية بل تحولت إلى جزء من منظومة الضبط السياسي والاجتماعي، فيما أصبحت أجهزة الاستخبارات لاعبًا مباشرًا في إدارة المجال العام ومراقبة المجتمع والمعارضة وحتى النخب السياسية نفسها.

هذا التحول يعكس انتقالًا تدريجيًا من “الجمهورية العقائدية” إلى “الدولة الأمنية العقائدية”، وهي صيغة مختلفة في طبيعتها ووظيفتها، ففي المرحلة الأولى كان النظام يعتمد على الشرعية الثورية والدينية والتعبئة الجماهيرية، أما اليوم فإنه يعتمد أكثر فأكثر على الأجهزة الأمنية والحرس الثوري وإدارة الخوف، وهنا يكمن التحول الأخطر لأن الأنظمة التي تتوسع فيها سلطة الجنرالات على حساب السياسيين تصبح أقل قدرة على إنتاج حلول طويلة المدى، حتى وإن بدت أكثر تماسكًا على المستوى الأمني.

ورغم أن النظام الإيراني ما يزال يحتفظ بخطابه الأيديولوجي التقليدي، فإن مركز الثقل الفعلي يتحرك تدريجيًا نحو جنرالات الحرب، وهؤلاء لا ينظرون إلى السياسة بوصفها مجالًا للتفاوض أو التعدد بل باعتبارها امتدادًا لمعركة مفتوحة، ولذلك فإن المجتمع نفسه يتحول داخل هذه الرؤية إلى ملف أمني دائم تُقرأ احتجاجاته بوصفها تهديدًا وتُفهم مطالبه باعتبارها اختراقًا محتملًا، ويُنظر إلى الإعلام والثقافة والجامعات باعتبارها ساحات يجب ضبطها لا فضاءات مستقلة للنقاش.

لكن قوة هذه البنية الأمنية لا تعني غياب التناقضات داخلها، فالمعسكر المحافظ نفسه لم يعد كتلة واحدة وهناك خلافات متزايدة حول مستقبل البلاد، إذ تدفع بعض الأطراف نحو مقاربة أكثر براغماتية خوفًا من الانهيار الاقتصادي والعزلة الدولية، فيما يتمسك آخرون بمنطق “الحصار الدائم” ويرون أن أي انفتاح سياسي أو تفاوض خارجي يمثل تهديدًا وجوديًا للنظام.

وربما تكمن المفارقة الكبرى في أن الجمهورية الإسلامية التي قامت أصلًا بوصفها ثورة ضد الاستبداد تجد نفسها اليوم أقرب إلى نموذج الدولة المغلقة التي تُدار عبر الأجهزة الأمنية أكثر مما تُدار عبر السياسة، فكلما توسعت سلطة الحرس والأمن تراجعت قدرة المجتمع على التأثير وتقلصت مساحة النقاش العام وتحولت الدولة إلى منظومة دفاع مستمرة عن نفسها.

ما يجري في إيران اليوم ليس مجرد ترتيب لمرحلة ما بعد خامنئي بل انتقال بطيء من “جمهورية الثورة” إلى “دولة العسكر”، فكلما اتسعت سلطة الحرس والأجهزة تراجع الدور السياسي للمؤسسات التقليدية وتحول النظام أكثر فأكثر إلى بنية مغلقة تديرها حسابات القوة لا منطق السياسة.

ورغم أن طهران تعلن أنها ما تزال قادرة على الصمود أمام الضغوط الخارجية، فإن التحدي الحقيقي لم يعد عسكريًا فقط بل يتعلق بقدرة هذا النظام على إنتاج شرعية جديدة تتجاوز الحرب والخوف والعزلة.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

7
  • التنغيري
    الجمعة 22 ماي 2026 - 23:41

    النظام العسكري لم ولن يحكم ايران ،
    لكن البعض يعتبره حكم عسكري وهذا ليس وارد.
    نظام الحكم في ايران ليس له مثيل في العالم لأن هذا النظام معقد في تشكلته وحكمه ولذلك ظل صامدا امام الهجمات الأمريكية .
    ولم يستطيعوا تغيير هذا النظام ولو باحدث الوسائل

  • criticool
    السبت 23 ماي 2026 - 00:26

    النظام الإيراني لا يمكن اعتباره” نظام الجنرالات” لأنه أصلا تأسس على العقيدة والايديولوجيا فالثورة الاسلامية التي قامت سنة 1979 وغيرت نظام البلاد التي كان يحكمها لعقود عائلة ملكية معروفة بتبعيتها وولائها للتيار الرأسمالي الامبريالي الليبرالي بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية إلى نظام يرأسه في أعلى الهرم ماسمي بالمرشد الأعلى ولكن مع وجود برلمان تشريعي وحكومة تنفيذية تنتخب بشكل ديمقراطي هذا من الناحية السياسية أما عسكريا فهناك مجلس “خاتم الأنبياء” الذي يصدر قراراته وينسق مع الحرس الثوري الذي يقوم بمهمة الدفاع عن حدود البلاد وتأمينها من أي تدخل خارجي وأظن أن إيران لازالت تسير على هذا النهج رغم اغتيال علي خامنئي لأن ابنه هو من خلفه ولكن ليس بالوراثة.لهذا أقول أن النظام الإيراني لم يتزعزع ولازال محافظا على سيادته ولا علاقة له بشكل النظام الجزائري الذي ننعثه ب”نظام الجنرالات” لأن هذا الأخير بالفعل الطغمة العسكرية هي من تتحكم في اقتصاد البلاد وهي من تقرر في السياسة الداخلية والخارجية للبلاد وتعين من يمشي على نهجها.

  • وجدي
    السبت 23 ماي 2026 - 00:46

    اللهم دعم إيران أحسن من الاصطفاف مع الكيان الصهيوني الامبريالي التوسعي.على الأقل إيران دولة مسلمة ثأرية ترفض الانبطاح والتبعية.

  • Md bihi
    السبت 23 ماي 2026 - 00:53

    هو نظام ديني تحت عباءة تحت عسكرية و العكس صحيح، الدين و العسكرة متداخلان بينهما كلاهما يسندان بعضهما، في الخطابات الجماهيرية تكون لغة الدين سائدة لدرجة أن الشعب الإيراني أو بالأحرى أنصار النظام يتماها معها كأنها أفيون يبجّلون رجالاتها إلّا فئة خصوصا المثقفين ترى فيها دغدغةً للمشاعر الجياشة ليس إلّا، و عند اشتداد الوضع، كالحرب الدائرة حاليا، تخرج جحافيل الإيرانيين لنصرة الملّات و الجيش معاً كأنهما منصهرين في بعضهما.

  • مغربي
    السبت 23 ماي 2026 - 07:54

    للدفاع عن الوطن لم يبقى لا مرشد ولا جنرال وهدا ما نشاهده في إيران الكل متحد للدفاع عن البلد لان العدو واحد

  • محمد
    السبت 23 ماي 2026 - 08:27

    ياريت نكونو بحال اران الجنرالات ديال اران كيخدمو علئ بلادهم اموقفينها علئ الصح اجي تشوف غير رءيس الجماعة ديالنا والقايد اشنو عندهم بركاو مالهدرة الخاوية شوفو دياولنا شنو عندهم وشنو كيديو اكاين لي معندو تا شي دور

  • ايران رقم صعب
    السبت 23 ماي 2026 - 11:17

    ايران مثل المغرب حضارة ضاربة في القدم لها منطقها التاريخي الخاص قد لا ينفع في فهمه المنطق التقليدي. فهي تتلاعب بالدين واللغة والاقتصاد والحرب والسياسة بمنطقها الخاص. يحكمها القائد “الغائب” ساهمت الحرب الراهنة في تكريس الجانب الاسطوري منه، على اساس عصبية قومية متينة ومعتدة بذاتها. المشكل في انها تبعثر اوراق الجميع وتحاول فرض وجودها في محيط معادي معادلاته صفرية، والخاسر الاكبر جيرانها المباشرين. اما الجزائر فتتماهى معها، ولكن لا مقارنة مع فارق الكم والكيف.

صوت وصورة
تصوير الخيول في معرض الفرس
الثلاثاء 13 أكتوبر 2026 - 23:24

تصوير الخيول في معرض الفرس

صوت وصورة
هلال: مجلس الأمن قبَر الاستفتاء
الثلاثاء 13 أكتوبر 2026 - 19:31 1

هلال: مجلس الأمن قبَر الاستفتاء

صوت وصورة
أبعاد استراتيجية | استراتيجية جديدة للهجرة
الثلاثاء 13 أكتوبر 2026 - 19:00 1

أبعاد استراتيجية | استراتيجية جديدة للهجرة

صوت وصورة
التويزي رئيسا جديدا لمجلس النواب
الثلاثاء 13 أكتوبر 2026 - 18:22 8

التويزي رئيسا جديدا لمجلس النواب

صوت وصورة
النواب يشرعون في انتخاب الرئيس
الثلاثاء 13 أكتوبر 2026 - 15:51 1

النواب يشرعون في انتخاب الرئيس

صوت وصورة
الرقمنة في خدمة مربي الخيول
الثلاثاء 13 أكتوبر 2026 - 13:42

الرقمنة في خدمة مربي الخيول