ضريبة الخدمات الرقمية

ضريبة الخدمات الرقمية
الجمعة 22 ماي 2026 - 23:52

ضريبة الخدمات الرقمية بالمغرب — بين المشروعية السيادية والتناقض الاستراتيجي

اعتبارا من 11 يونيو 2026، يشرع المغرب في تفعيل آلية جبائية جديدة، يراد منها إلزام المنصات الرقمية العالمية (مثل: OpenAI وAWS وNetflix) بتحصيل وأداء الضريبة على القيمة المضافة بنسبة 20% لفائدة ميزانية الدولة.

التدبير مشروع في جوهره وسيادته؛ يستند الإطار القانوني الجديد إلى إعادة صياغة جوهرية لمعيار إقليمية الضريبة على القيمة المضافة. فقد تجاوزت المادة 88 من المدونة العامة للضرائب، بموجب التعديل المدخل عليها بموجب قانون المالية لسنة 2024، المعيار التقليدي القائم على ‘المكان المادي لاستغلال او استهلاك الخدمة’ داخل التراب الوطني. وأقرت بدلا عنه معيارا مستحدثا يقضي بخضوع الخدمة الرقمية المنجزة عن بعد للضريبة على القيمة المضافة، متى ما قدمت من طرف شخص غير مقيم ولا يتوفر على مؤسسة قارة بالمغرب، لفائدة زبون يوجد مقره، أو موطنه الضريبي، أو محل إقامته المؤقتة داخل المملكة.

هذا التحول ليس مجرد تعديل تقني: إنه يحول مبدأ الخضوع للضريبة من “أين تنجز الخدمة؟” إلى “أين يوجد المستهلك؟”، مما يتوافق مع مبدأ “الوجهة” الذي توصي به منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OCDE) في تحديد ولاية الخضوع للضريبة على الاستهلاك.

لكن، من زاوية حكامة السياسات العامة، تستوقفنا ثلاثة عيوب هيكلية جوهرية قد تحُد من نجاعة هذا الاجراء:

عيب في التصميم (انعدام التماثل الضريبي):

إن اعتماد معدل موحد (20%) يضع الاستهلاك الترفيهي مثلا والإنتاج الاقتصادي المهني في كفة واحدة. ولنتأمل المثالين لنفهم عمق الاشكال عبر مستويين من المقارنة:

المستوى الأول: الترفيه مقابل الإنتاج والمعرفة:

مستهلك يبحث عن الترفيه: عندما يشترك مواطن في منصة مثل (Netflix) بـ 100 درهم مثلا، سيؤدي، وفق التعديل المتحدث عنه، 120 درهما.
فالزيادة هنا (20درهما) تقع على استهلاك ترفيهي اختياري.

طالب أو مقاول ذاتي: في المقابل، عندما يدفع اشتراكا بنفس القيمة (100درهم) في أدوات الذكاء الاصطناعي أو الحوسبة السحابية لتطوير برمجية أو انجاز بحث، فإنه أيضا يؤدي 120 درهما. لكن الـ 20 درهما هنا ليست تكلفة رفاهية، بل هي ضريبة على “أداة الإنتاج أو العمل الأساسية” التي لا غنى له عنها.

المستوى الثاني: آلية التحصيل (الفاعل الأضعف مقابل الأقوى):

المقاول الذاتي والمقاولة الناشئة (Startup): يتحملان عبء الـ 20 درهما بصفة نهائية لغياب حق الخصم: فالمقاول الذاتي يخضع لنظام ضريبي مبسط لا يتيح له حق استرجاع الضريبة على القيمة المضافة، والشركات الناشئة في طور التأسيس لا تمتلك مبيعات أو فواتير لتخصم منها الضريبة المحصلة.

النتيجة هي تحول هذه النسبة إلى اقتطاع نهائي ومباشر من هامش ربحها وميزانيتها المحدودة وزيادة تكلفة الإنتاج التي قد تقصر من “فترة بقاء” المقاول الذاتي والمقاولة الناشئة في السوق.

المقاولات والشركات الخاضعة للنظام الجبائي بصفة فعلية: في المقابل، إذا اشتركت في نفس الخدمة بـ 100 درهم ستؤدي 120 درهما أيضا، لكنها ستسترد الـ 20 درهم كاملة من الدولة في إقرارها الضريبي مستفيدة من “حق خصم الضريبة”(Droit à déduction) .

هذا “الانعدام في التماثل الضريبي” يحول الإجراء عمليا إلى ضريبة انعكاسية (Impôt régressive) حيث يعفى الفاعل الاقتصادي الأقوى من العبء الحقيقي للضريبة في حين تتحمله بالكامل الوحدات الإنتاجية الناشئة والمقاول الذاتي، أي الطرف الأضعف.

عيب في الإنفاذ (معضلة السيادة عابرة الحدود):

يقوم النظام بالأساس على “التسجيل الطوعي” للمنصات الأجنبية عبر منصة إلكترونية تابعة للمديرية العامة للضرائب (SIMPL). وفي غياب مؤسسة مادية داخل التراب الوطني، تظل أدوات الإكراه القانوني والقسري عاجزة عن ملاحقة الكيانات غير الراغبة في الامتثال، مما يطرح علامات استفهام حول آليات الامتثال الزجري ومبدأ المساواة أمام الضريبة.

عيب في الاتساق السياسي:

وهنا يبرز التناقض الصارخ في حكامة السياسات العمومية: كيف نعلن عن رؤية استراتيجية مثل “المغرب الرقمي 2030” لتقليص الهوة الرقمية وتسريع الإدماج وتشجيع الابتكار، ونرفع في آن واحد تكلفة الوصول إلى أدوات الذكاء الاصطناعي، الحوسبة السحابية، والتكوين الإلكتروني؟ إنه تعارض صريح بين الفوائد الجبائية الفورية والاستراتيجية التنموية المستقبلية.

نحو حكامة جبائية رقمية عادلة:

إن السؤال الجوهري في السياق الحالي ليس: “هل للدولة حق فرض الضريبة؟” فالإجابة هي نعم بلا شك، تفعيلا للسيادة الاقتصادية. بل السؤال هو من يتحملها فعليا؟ وبمعنى آخر على من يقع عبؤها الضريبي النهائي؟ وماذا سيجني المجتمع الرقمي الناشئ في المقابل؟

حين تغيب الإعفاءات عن قطاعات التعليم الرقمي والبحث العلمي؛ وحين تفرض الضريبة دون مراعاة لخصوصية المقاولات الناشئة والمقاول الذاتي، وبدلا من أن تسهم السياسة الجبائية في رعاية ‘تكلفة الابتكار’ تتحول إلى عائق يرفع عتبة الولوج إلى الأدوات الأساسية للإنتاج الرقمي؛ وحين لا يرصد عائد الضريبة لصالح دعم البنية التحتية التكنولوجية وتدوير العائد تنمويا، تنزاح الضريبة عن فلسفتها كأداة للعدالة التوزيعية، وتتحول إلى مكابح هيكلية تعمق الإقصاء الرقمي وتبطئ التحول التكنولوجي بالمملكة.

-باحث في السياسات العامة وحكامة الذكاء الاصطناعي

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

3
  • saad
    السبت 23 ماي 2026 - 11:46

    أعجبني جدا في المقال المقارنة الذكية بين الاستهلاك الترفيهي وأدوات الذكاء الاصطناعي والإنتاج الرقمي. فعلاً، ليس من المنطقي أن تعامل أداة عمل وبحث وابتكار بنفس منطق منصة ترفيهية. السيادة الضريبية مهمة، لكن الأهم هو تصميم ضريبة عادلة لا ترفع تكلفة الابتكار على الفاعلين الصغار والـ startups.

  • Saad
    السبت 23 ماي 2026 - 11:48

    أعجبني جدا في المقال المقارنة الذكية بين الاستهلاك الترفيهي وأدوات الذكاء الاصطناعي والإنتاج الرقمي. فعلاً، ليس من المنطقي أن تعامل أداة عمل وبحث وابتكار بنفس منطق منصة ترفيهية. السيادة الضريبية مهمة، لكن الأهم هو تصميم ضريبة عادلة لا ترفع تكلفة الابتكار على الفاعلين الصغار والـ startups.

  • متابع
    السبت 23 ماي 2026 - 13:54

    مقال في غاية الأهمية – كما عودنا الدكتور يونس موستف في مقالاته – فهو يطرح نقطة غالباً ما يتم تجاهلها عند الحديث عن الضرائب الرقمية. فالخدمات الرقمية ليست مجرد وسائل ترفيه فقط، بل قد تكون أيضا أدوات إنتاج حقيقية يعتمد عليها الطلبة والباحثون والمبرمجون والمصممون والمقاولون الذاتيون وحتى الشركات الصغيرة من أجل العمل والتعلم والتطوير. لذلك فإن التعامل مع جميع الخدمات الرقمية بنفس المنطق الضريبي قد تكون له آثار سلبية على الابتكار والتنافسية الرقمية في المغرب.

    يجب على الأمم التي تريد بناء اقتصاد حديث أن لا تكتفي فقط بفرض ضرائب موحدة على الجميع، بل أن تحاول أولاً خلق بيئة تشجع على استعمال التكنولوجيا وتسهّل الولوج إلى المعرفة والأدوات الحديثة. لأن الذكاء الاصطناعي والخدمات السحابية والمنصات الرقمية أصبحت اليوم مثل الكهرباء والإنترنت: بنية أساسية للإنتاج وليست مجرد كماليات.

صوت وصورة
محطة عشوائية في حديقة بسلا
الثلاثاء 29 شتنبر 2026 - 11:28

محطة عشوائية في حديقة بسلا

صوت وصورة
انطلاق أشغال ملعب تيسيما
الإثنين 28 شتنبر 2026 - 23:12

انطلاق أشغال ملعب تيسيما

صوت وصورة
طلبة يطالبون بإنصاف الشهادات
الإثنين 28 شتنبر 2026 - 21:19

طلبة يطالبون بإنصاف الشهادات

صوت وصورة
ملعب هسبريس | عصام الشرعي
الإثنين 28 شتنبر 2026 - 21:00

ملعب هسبريس | عصام الشرعي

صوت وصورة
توقف أشغال يعرقل السير بطنجة
الإثنين 28 شتنبر 2026 - 15:42

توقف أشغال يعرقل السير بطنجة

صوت وصورة
حريق سوق المسيرة بالبيضاء
الإثنين 28 شتنبر 2026 - 13:09

حريق سوق المسيرة بالبيضاء