نشر الفقيه أحمد الريسوني مقالا على صفحته الفيسبوكية بعنوان: “الغباء الاصطناعي أيضا”، اعتبر فيه أن الملاحدة واللادينيين والمثقفين التنويريين والحداثيين جميعهم “أغبياء” لأنهم يشككون في الأجوبة الجاهزة التي يطمئن إليها الفقيه ومريدوه، ويقومون بتعطيل العقل البشري الذي بطبيعته ـ حسب الفقيه ـ يؤدي نظره إلى إثبات الحقائق الدينية كما يتصورها أهل التقليد ويعتبرونها حقائق مطلقة لا يأتيها الباطل، ويعتبر الإيمان بها “ذكاء” وفطنة. ولهذا نعت الفقيه نفسه على صفحته بنعت “العلامة” الذي معناه في اللغة العربية صيغة مبالغة لكلمة “عالم”، ويقصد به الشخص واسع المعرفة إلى درجة استثنائية، فلنقم بفحص ذكاء الفقيه و”علمه الاستثنائي” من خلال تفكيك خطابه ونقد مضامينه:
يبدأ الفقيه “العلامة” مقاله بالحديث عن الذكاء الاصطناعي في عصرنا، ويتخيل القارئ أن ما أورده الفقيه مقدمة لكي يخوض بعدها نقاشا معاصرا بوسائل علمية ومرجعيات حديثة، لكن ما سيكتشفه القارئ بعد ذلك أن الفقيه لا يعرف من الذكاء الاصطناعي إلا الإسم، لأن كل ما أورده يعود إلى أفكار ومعطيات متقادمة مضى عليها قرون طويلة، وإليكم مصادر “العلم” عند الشيخ مرتبة كما اعتمدها في مقاله:
ـ القاضي أبو بكر بن العربي (القرن الخامس الهجري) / بيت شعري لأبي العتاهية (من القرن الثالث الهجري) / “تلبيس إبليس” لابن الجوزي (القرن السادس الهجري) / “منهاج السنة” لابن تيمية (القرن السابع الهجري) / “فوات الوفيات” لابن شاكر (القرن الثامن الهجري) / بيت شعري لشاعر يُدعى أبو خراش الهذلي (من القرن الأول الهجري) / بيت شعري للمتنبي (من القرن الرابع الهجري). هذه هي مصادر الشيخ في “المعرفة العلمية” التي اعتمدها في مقاله المذكور.
ويبدو منذ البداية أن “العلامة” ينطلق من مفهوم غريب للذكاء البشري، حيث اعتبر أن الذكاء هو ما يؤدي إلى القناعات الدينية باعتبار العقل بـ”طبيعته” حسب الفقيه قد وهبه الله للإنسان ليدرك به الحقائق الدينية، التي لا يخالفها إلا “الأغبياء”، وقد أوقع الشيخ نفسه في ورطة كبيرة لأن الذكاء البشري لم يقف أبدا عند هذا الحد كما يدلّ على ذلك تاريخ الأفكار، حيث نجد أن عقلاء النوع البشري ومنذ القديم إلى اليوم، وعباقرة البشرية في مختلف الفنون والعلوم الذين صنعوا مجد الحضارة الإنسانية، لا تتوافق أفكارهم بالضرورة مع قناعات الشيخ “العلامة” ، فإذا أخذنا واحدا من أعظم عبقريات العلوم في عصرنا وهو ستيفن هاوكينغ، فسنجد حسب تعريف الريسوني للذكاء بأنه شخص “غبي”، لأن هذا العالم الكبير قال إن كل الاكتشافات العلمية التي وصلت إليها البشرية حتى الآن لا تسمح لنا بالقول بصحة المضامين الدينية التي يعتقد بها البشر. وقد ذكرني نعت “الغباء” عند الريسوني بشخص أخر ينتمي إلى نفس التيار الديني السياسي المتشدّد، والذي نعت هاوكينغ بعد وفاته بأنه “أبلد من حمار”، والمصيبة أنه فعل ذلك في مدرج جامعة وأمام الطلبة، في الوقت الذي كانت فيه جامعات العالم أجمع تحتفل بفقيد الفيزياء وبمؤلفاته العلمية العظيمة (أنظر مقالي “أذكى من هاوكينغ وأبلد من حمار”).
ولتصحيح فكرة الشيخ نؤكد بأن “الذكاء” يعني مجموع المهارات والعمليات والملكات الذهنية التي تبرز من خلالها قدرة الإنسان على الفهم والملاحظة والمقارنة والتحليل والتفكيك والنقد والتركيب والتنظيم، ومواجهة مشكلات الواقع وإيجاد حلول لها وتناول المشكلات النظرية، وتدبير شؤون محيطه والتكيف مع المواقف المتجددة باعتماد الخبرات المتراكمة والتطور النوعي لها، وهذا المعنى لا علاقة له مطلقا بالإيمان أو عدمه، لأن البشر يستعملون ذكاءهم سواء من أجل الإيمان أو في الاتجاه المعاكس، إذ نجد نفس الأسئلة تلقى أجوبة ذكية مختلفة، يبنيها كل طرف بذكائه الخاص ويضفي عليها منطقه الخاص، وهذا ما جعل الحضارة الإنسانية مجالا خصبا للتبادل والحوار بين البشر من مختلف التيارات والمدارس والمذاهب.
فالقول بأن الإيمان “ذكاء” طبيعي والإلحاد “غباء” هو ضرب من المراهقة الفكرية لا موجب له ولا أساس له في العلم.
قال الشيخ متحدثا على الملحدين: “يزعمون حتى إنكار خالقهم ورازقهم ونفيَ وجوده بالمرة، مع أن هذا الإنكار غير ممكن أصلا”. وكيف يحكم الشيخ بأن هذا الإنكار غير ممكن أصلا وهو يورده عند غيره مجسدا في موقف يقيني لا يقل يقينا عن طمأنينة المؤمن نفسه ؟
لا يعرف الشيخ بأن عدد الأجوبة الجاهزة التي سيقدمها على وجود الله تساوي عدد الأدلة على عدم وجوده، لأنه بصدد موضوع ميتافيزيقي لا يوجد حوله جواب نهائي بأدلة قطعية إلى يومنا هذا، وإنما هو موضوع خلاف أبدي بين البشر، والدليل على ذلك أن البلدان الراقية اليوم والتي تحتل الصفوف الأولى في جودة التعليم والحكامة والنظافة والنزاهة والحريات والديمقراطية، والتي تعكس مستوى عاليا من “الذكاء” في تدبير شؤونها، لا تتدخل في إيمان الأفراد بل تترك الاختيار الحرّ لهم في ذلك، نظرا لإيمانها بأن الموضوع خلافي بامتياز. والملفت للانتباه أن هذه البلدان تصل فيها نسبة الإلحاد أحيانا إلى ما يتجاوز نصف السكان، كالنرويج والدانمارك والسويد والفنلند وسويسرا وكندا وغيرها، لكنها هي التي يوجد فيها درجة إيمان عليا بحقوق وواجبات المواطنة وبالثقة في الدولة والمؤسسات وضرورة احترام القانون. بينما في بلدان العالم الذي ينتمي إليه الريسوني نجد نسبة عليا من الإيمان بالدين في مقابل تردّ فاضح في الإيمان بباقي مقومات الحياة الكريمة المشار إليها في البلدان الأخرى، وعلى رأسها احترام القانون والنزاهة والأمانة. ولو كان الشيخ ذكيا لانصرف إلى دراسة أسباب السقوط الأخلاقي لمعظم المسلمين وسط تزايد الهوس الديني لديهم.
لقد كتبتُ مرة أن “الخلاف الأبدي بين المؤمنين والملحدين يُضحكني، كما تُشعرني بالشفقة حرب “البراهين” بين الطرفين، فالمشكل ليس في وجود الله من عدمه، بل فيما نُسنده إليه من أعمال لا نريد تحمل مسؤوليتها”. فالغباء هو الاستمرار في محاولة محو الاختلاف بين البشر، والذي شهد القرآن نفسه بأنه حكمة إلهية.
كتب الشيخ “العلامة” يقول: “بل إن الأبحاث والحقائق العلمية الكونية اليوم، تكشف أن في كل شيء آيات لا تحصى، تدل على البارئ المصور، الواحد الأحد”. وهذا قول باطل من عدة وجوه، حيث لم يسبق للمجتمع العلمي العالمي أن أجمع على فكرة دينية أو عاطفية كهذه، لأن ذلك لا يدخل ضمن اختصاص العلماء، ولأن العلوم لا توجد لها غائية دينية تسعى لإثباتها، كما أن الهاجس الديني أمر شخصي لا يحضر في مختبرات البحث، وإنما الهدف الرئيسي من البحث العلمي هو تحقيق المزيد من الاكتشافات لحقائق الوجود والظواهر الطبيعية والكونية بمنطق العلم لا بانحياز ديني أو وجداني. كما أن الشيخ “العلامة” وقع في خطأ فادح آخر بسبب اختزاله للبشرية جمعاء في نفسه ومَن على مذهبه، فالقول إن الحقائق العلمية تكشف عن حقيقة دينية هو رأي بعض المؤمنين، بينما ينقسم نادي البشرية المكون من 8 ملايير نسمة إلى الفئات التالية في النظر إلى الموجودات:
ـ المؤمنون بالأديان المختلفة وما تفرع عنها من مذاهب وشيع وطوائف، والذين يزعمون أن لديهم أجوبة نهائية وقطعية، ولكنهم حاربوا بعضهم بعضا بسبب عدم اتفاقهم حتى على مفهوم الألوهية نفسه. بل إنهم حاربوا بعضهم بعضا حتى وهم مجمعون على نفس الإله ونفس الكتاب ونفس النبي كما هو شأن المسلمين.
ـ المتصوفة والروحانيون وأصحاب المواجد والأحوال في مختلف الثقافات والذين يتجاوزون الأديان إلى فكرة “الاتحاد” المباشر مع المطلق أو “الحلول” أو غيرها من الأفكار التي أنكرها فقهاء الأديان واضطهدوا أهلها.
ـ الملحدون: الذين يزعمون أن لهم جواب قاطع ونهائي على عدم وجود قوة خفية وراء الظواهر.
ـ اللادينيون: الذي لديهم يقين بأن الأديان صناعة بشرية بسبب ما فيها من تناقضات وأخطاء. ولكنهم لا جواب نهائي لديهم في نفي أو إثبات فكرة الألوهية.
ـ الربوبيون: الذين يؤمنون بوجود قوة وراء ظواهر الكون لكنهم لا يؤمنون بتدخلها في شؤون البشر وبعث الرسل والأنبياء، ومعاقبة الناس بالنار وجزائهم بالجنة.
ـ اللاأدريون: الذين يعتبرون أن معرفة الله والحقائق الماورائية أمر غير ممكن على الإطلاق، وأن كل الأجوبة الجاهزة التي يتداولها البشر ليست مقنعة وغير صحيحة.
فإذا تحلى الشيخ العلامة ببعض التواضع و”الذكاء” فسيفهم بأن الأمر أكثر تعقيدا من الأفكار السطحية التي تورط فيها بهذا الصدد.
وسوف نغض الطرف عن الأخطاء التي ارتكبها الشيخ في حق “السوفسطائيين” و”فلسفة العبث” والسياقات التاريخية للأفكار، وغيرها من المذاهب التي لم يعط نفسه الوقت الكافي لمعرفتها والإحاطة بها.
وقد ربط الشيخ ظواهر التشكك والحيرة والأسئلة القلقة بـ”اضطرابات نفسية أو اجتماعية”، ونحن نسأل الشيخ العلاّمة هل يوجد ملحد أو لا ديني أو ربوبي أو صوفي واحد في بلداننا وضع حزاما ناسفا وانفجر داخل مؤسسات أو ظل يصرخ بصوت عال محرضا على غيره أو قام بتشكيل جماعة أو خلية مسلحة، أو وضع لوائح اغتيال الآخرين بسبب اختلافهم معه في الدين أو حتى في تفسيره، أو دعا إلى “الفتنة” و”الحرب الأهلية” بسبب مناقشة مدونة الأسرة، مَن الأجدر أن يكون في مصحة نفسية ؟
والمضحك ما أورده الشيخ “العلامة” حول “فئة عُبّاد الحكام”، معتبرا إياهم من الفرق الضالة التي انتقدها، والحقيقة أنه بذلك قد كفانا تعب الرد عليه، لأنه عندما ترأس منظمة “اتحاد علماء المسلمين” التابعة لقطر، لم يذخر وسعا في تنفيذ الخطط التي كانت تُملى على فقهاء “الإخوان المسلمين” من طرف حكام الدويلة التي كانت تخطط لإسقاط أنظمة المنطقة كلها لولا يقظة الشعوب سنة 2011، والتي أدت إلى خراب سوريا التي نادوا فيها بـ”النفير” استجابة للطلب القطري، ولم يعتذروا أبدا عن عواقب أفعالهم الذميمة. ولقد كان الشيخ معارضا صلبا وشرسا للنظام السياسي في بلده المغرب، لكنه كان خنوعا ذلولا منقادا لقطر، لهذا السبب بالذات لا يكتسي كلامه عن “عُبّاد الحكام” أية قيمة لا معرفية ولا أخلاقية.
كتب الفقيه “العلامة” يقول: “وطائفة منهم يرون أنفسهم فلاسفة مفكرين، وحكماء متنورين، فليسوا بحاجة إلى من يعلمهم، بل منهم يتعلم الناس”. وقد أخطأ الشيخ وتجنّى على الفلاسفة والتنويريين لأنهم لا يتوقفون عن البحث والسؤال، بينما يتحدث الشيخ من خلال “فن الأجوبة الجاهزة” باعتباره يمثل العارف المطمئن إلى حقائق نهائية، ولهذا ليس لديه ما يضيفه إلى الحصيلة المعرفية في عصرنا، مما يفسر إصراراه على تذكيرنا بمعارف متقادمة تعود إلى العصور الوسطى.
ومن النكات الواردة في مقال الريسوني هذه العبارات: “وقد قيل لأحد الملحدين: لماذا لا تقرأ القرآن وتتدبره، للتعرف مباشر على حقيقته ؟ فقال: حاولت ذلك مرة، فبدا لي أنه سيقلب حياتي رأسا على عقب، فتركته، ولا أريد العودة إليه”. من هو هذا الشخص الملحد ؟ وما المرجع الذي استند إليه الكاتب ليتحدث عنه ؟ أ لهذا الحد يستخفّ العلامة بعقول الناس ويستغفلهم ويعاملهم كأطفال ؟
والآن لنفحص عن قرب “ذكاء” الشيخ وفطنته وقدرته على استعمال ملكات عقله الطبيعي الذي وهبه الله إياه كما قال، من خلال مواقفه السابقة المدونة في مقالات كتبها، أو التي عبّر عنها في حوارات صحفية: من الغبي حقا؟ هل الذي يعتبر العنف ضدّ المرأة جريمة ويطالب بإنهائه ؟ أم الذي كتب يبرّر العنف ضد النساء ويقول عنه إنه “ليس عنفا أصلا” بل هو “تأديب” ؟ ومن الغبي هل الذي دعا إلى حرية المعتقد وإقرارها في الدستور المغربي سنة 2011 باعتبار الدين الإسلامي دين حرية وليس إكراه، أم الذي اعتبر ذلك أمرا خطيرا وقال: إذا تقررت حرية المعتقد في الدستور “فلن يبقى لأمير المؤمنين مؤمنون يحكم عليهم”؟ من الغبي هل الذي يدعو إلى تمدرس الطفلات وعدم اغتصاب طفولتهن باسم الزواج إلى حين أن يتحقق لهن النضج النفسي والعقلي الضروري حتى يكنّ في مستوى المسؤولية العائلية الجسيمة، أم الذي يعتبر تزويج القاصرات “عِشرة حلالا” لا ينبغي منعها، دون أن تشمل بناته بالطبع كما يفعل “الأذكياء” جميعا، حيث يدعون إلى أمور مهينة لكرامة بنات الغير، بينما يختارون لبناتهم اختيارات أخرى، وهذه غاية “الذكاء”.
من الغبي فعلا هل الذي طالب بمراجعة مدونة الأسرة طبقا لتحولات المجتمع المغربي واستجابة للفصل 19 من الدستور، أم الذي هاجم المؤسسات واعتبر أن الاجتهاد الفقهي الذي قام به المجلس العلمي تم تحت الإكراه، وهو كلام لا هدف من ورائه سوى إشعال نار الفتنة داخل بلده وإشاعة كراهية النساء عوض احترامهن.
إن “ذكاء” الريسوني لا يتعدّى حفظ المتون والحواشي واجترار مواقف وآراء من سبقه بقرون، والدروس التي كان يلقيها في الجامعة حول “الفكر المقاصدي” ظلت أفكارا مجردة لا يستحضرها عند الحاجة إليها في لحظات المراجعات الكبرى، وهو “ذكاء” محدود لا يبدع جديدا ولا يثمر ثمرا طيبا، بل هو مدعاة للصدام والصراع والتباغض، لأن الدولة الحديثة بحاجة إلى عقول يقظة، مجتهدة، وقادرة على مواجهة التحديات المتلاحقة.
لقد أورد الشيخ “العلامة” في مبتدأ كلامه جملا حول “الذكاء الاصطناعي” لكنه لم يستعمله،
لماذا لم يدخل “العلامة” في حوار مع الذكاء الاصطناعي حول بعض أفكاره وقناعاته على ضوء الاكتشافات العلمية الكبرى والتحولات الصادمة لعصرنا، لا شك أن ذلك لن يعطيه أجوبة نهائية، لكنه سيساعده على إدراك معنى “النسبية”، ومعنى البحث والسؤال، ومعنى احترام الآخر المختلف، فيعلم أن الذكاء هو الإيمان بالعقل الذي لا حدود لطموحه في المعرفة والاكتشاف، وأن الغباء هو الاطمئنان التام إلى مضامين الكتب الصفراء القديمة واجترارها.
مشكلتي مع الشيخ و مع غيره هو محاولة فرض قيم يؤمن بها على جميع المغاربة قسرا و لا أعرف من أعطاه و أعطى غيره هذا الحق أو حتى الصفة للحديث باسم المغاربة.
سبعون في المائة من سكان السويد ملحدين…أغبياء
ربع سكان العالم في الصين والهند ملاحدة وعلمانيين ووثنيين.. أغبياء
نيتشه والرازي والمعري وإنشتين وماركس وابن الراوندي و ديدرو ملحدين…أغبياء
شعوب بأكملها لم تسمع بالآيات..أغبياء
أفلاطون وسقراط وأرسطو وأسخيلوس وسينيكا عاشوا قبل ظهور المسيحية و الإسلام…أغبياء
بناة الأهرامات
حضارة بريكليس
حضارة قيصر
حضارة كسرى
الكل أغبياء…
عاش الذكي العلامة المؤمن الذي صنع البنسلين و الأنسولين و السمارتفون…
كمؤمن صوفي متمسك بديني, أرى أن الدولة الوطنية الحديثة ليست غريبة عن جوهر الإسلام, بل هي من صميم مقاصده. الإسلام في أصله جاء ليحرر العقل و يقر بالتعددية و التنوع كقانون إلااهي في الكون, و القرآن حاسم في هذا الباب “لا إكراه في الدين” ” و من شاء فليؤمن و من شاء فليكفر” ” فذكر إنما أنت مذكر لست عليهم بمصيطر” هذه الآيات تؤصل بوضوح لمفهوم الحرية و المسؤولية الفردية التي تقوم عليها الدولة الحديثة.
الغباء الفقهي يكمن في تقديس فتاوى و اجتهادات بشرية وليدة العصور الوسطى و إسقاطها على واقعنا المعاصر و فرضها على الجميع.
اليوم تقتضي المصلحة و الضرورة تحديث الدولة بمساهمة جميع أبناء الوطن و الاجتهاد المستمر لمسايرة مستجدات العصر و منظومة حقوق الإنسان.
الدين جاء لخدمة الإنسان و إسعاده, و إعمال العقل لإيجاد حلول واقعية لمشاكل العصر هو أسمى درجات التعبد.
البراهين ثلاثة وبالتالي المحاورين
1-براهين وجودية صاحبها قصده الحقيقة لا غير لصفاء سريرته وحكمة بصيرته.
2-براهين جدالية قصد صاحبها ابطال حجة الاخر وان سطعت حقيقتها وذلك لنارية انانيته وفساد وهمه.
3-براهين سفسطاءية دخل وخبل من الكلام لا يستنجى منه.وتشظي في الرؤيا
اعتقد كلا المتحاورين تجانبا الصنف الاول وانغمسا في الصنفين الجدالي والسفسطاءي.
والحق احق ان يتبع ولو على نفسك لاطفاء لهيب انانيتها “تبت يدا ابي لهب وتب”
الواقع يؤكد أن التيارات التي يمثلها أحمد الريسوني و أشباهه هي دخيلة على المجتمع المغربي و لا تمثل إلا نفسها, لقد وصل الجمود الفكري بهذا التيار إلى حد انتقاد أمير المؤمنين حين اسقبل بابا الفاتيكان و وقع معه ’نداء القدس’ التاريخي بل لم يستسغ هؤلاء الأغنية الروحية الثلاثية, التي جمعت بين الآذان و ترانيم مسيحية و تراتيل يهودية, التي تعبر عن التعايش, و اعتبروها شركا.
هذا الهجوم على الفن و الجمال و الروحانية, يتبث أننا أمام فكر جاف, أمير المؤنين كرمز للدولة يمثل نمودجا حيا للاجتهاد الفعلي و التعددية و الديبلوماسية الروحية الراقية, بينما تمثل تلك الفتاوى المنغلقة ارتدادا عن قيم الحضارة.
الذكاء الاصطناعي ، له أياد بيضاء على السنة المحمدية نفسها ، والإسلام قاطبة ، لو تمعن الأستاذ/الفقيه الريسوني في خاصيات هذا “الذكاء” على المنظومات الفقهية لركبه الخبل جراء النتائج التي سيمده بها ، أولا ، في مجالات الأحكام ، سيعد له لوائح مفصلة وبترتيب منقطع النظير عن الأحكام وصورها وحالاتها وأقوال العلماء فيها ، ثانيا ، على مستوى تصنيف آيات القرآن بين المدني والمكي ، وأسباب نزول كل آية وما اشتملت عليه من الأحرف أو الكلمات ، ما كان يتطلب سابقا إفناء الأعمار للتوصل إليها ولو في شكل غير دقيق ، دقة هذا العقل ، وباختصار شديد ، الريسوني كفقيه ، بإمكانه اليوم وبدعم من هذا المارد “الذكاء الاصطناعي” أن يقوم بجرد للسنة النبوية المطهرة على أكثر من صعيد وفي وقت خرافي من حيث القصر ، سلمات
المفارقة الساخرة في واقعنا الفكري اليوم هي أن الاتهام بالغباء أصبح عملة متبدلة و جاهزة, فالتيارات الفقهية المتزمتة تصف كل دعوة للتحديث و العقلانية بالغباء و التبعية للغرب, و في المقابل, تقع بعض التيارات العلمانية و الإلحادية المتطرفة في نفس الغباء المعريفي, حين تختزل الإيمان في الجهل و ترى في كل مؤمن شخصا رجعيا, ولكن الإيمان من عدمه هو خيار فردي و قناعة شخصية و لا يمكن لمقياس الذكاء و الغباء أن يبنى على ضمائر الناس و سراءرهم. الحل الحقيقي يكمن في احترام قناعة كل طرف. السويد و الدول الاسكندنافية لم تتقدم لأن شعوبها ملحدة, بل تقدمت لأنها أسست لدولة الحق و القانون و الحرية و المواطنة و حرية المعتقد. و ربط التقدم بالإلحاد هو مغالطة كبرى.
قاطرةالحداثة والعصرنة تسير فهناك دول ركبتها جماعة ولا معارضة تذكر وهناك دول ومجتمعات راكبة ولكنها تلعنها وتعارضها وتتهمها بالقضاء على ركوب الحمور والبغال وبالتالي فمن يعادي ويعارض المعاصرة وقيمها الجديدة كان من الاولى أن لا يستعمل اكتشافاتها واختراعاتها ويستمر في ركب الحمير والبغال والجمال .عندنا في الناظور مثل يقول ” بائع الحلزون خبيث ولكن حلزونه لذيد”
يقول رب العزة والجبروت
و أنزلنا الحديد فيه بأس شديد ومنافع للناس
ومن بين منافع الحديد التكنولوجيا والتطور الذي وصلت اليه البشرية من تطور ونفع في تبسيط الحياة اليومية للانسان
هناك بعض من يتكلم فيما لا يعلم كثيرا ويفتح الباب للاقزام لكي تطعن في معرفته و ميدانه
يقال أنجح في السهل ولا تفشل في الصعب
وهناك كذلك أغبياء العنصرية العرقية القبلية
قد بدأت البغضاء من افواههم وما تخفي صدورهم اكبر
إذا كان الملحد غبيا لأنه لم يفهم الدين ، فكيف نبرر إلحاد من قضى عمره يشرح الدين ؟ وهذا ما يقودنا رأسا إلى حقيقة أن الإشكال ليس في قدرات الاستيعاب ، وإنما في الخلاف الفكري الذي يتمحور حول مناهج الاستدلال وزاوية رؤية النصوص عند كل فريق ، وليس على مستوى الذكاء أو الفهم .
العبرة ليست بالشعارات التي ترفعها الدولة ، سواء كانت دينية أو علمانية ، بل بمدى وعي المجتمع وقدرته على التفكير النقدي . فعندما ينضج وعي المجتمع ، تكف الشعارات العاطفية باسم الدين أو الحداثة عن خداعه ، ويتحول البحث عن الحقيقة والمنفعة العامة إلى المحرك الأساسي ، حيث يصبح العمل والكرامة والمساواة هي المعايير الحقيقية . وعندما يغدو دخول المواطن على والي المدينة مجرد إجراء روتيني كدخوله على أبسط موظف ، وليس إنجازا يذكر، عندها فقط يتحقق العدل وينزل رغما عن الجميع . فالدمقراطية لا تعطى والكرامة لا تمنح للضعفاء بل يفرضها وقوف المواطن الفرد في وجه الفساد مهما كانت التضحيات .
الريسوني حر ان يكتب ما يحلو له و عصيد بقا فيه الحال يدافع عن الالحاد و الملحدين ….
مع الاسف مثل هذه العنتريات والفوقية هي من ساهم في تضاعف عدد الملحدين إلى نسب تكاد تقارب نصف السكان. الريسوني ربما بهجومه غير المدعم هذا وان نال رضى من يتبنى وجهة نظره العقدية إلا أنه جعله يخسر الجمهور المحايد الذي يبحث عن الحقيقة .
نقاش موضوعي أم حرب كلامية ؟ يبدو أن “الخلاصات ” و”احكام القيمة ” كانت جاهزة وبدون عرض المشكل في سياق اشكالي … !