لا تختبر الأحزاب بما راكمته من مقاعد ومواقع، بل بما بقي فيها من وفاء للفكرة التي ولدت من أجلها. وحزب الأصالة والمعاصرة، وهو يقترب من عتبة قد تؤهله لقيادة حكومة المونديال، يجد نفسه أمام امتحان لا يمكن تأجيله: هل ما زال في مستوى المشروع الذي تأسس عليه، أم أن التنظيم كبر إلى حد نسينا فيه المشروع؟
أكتب هذا من داخل البيت، انتماء للمشروع قبل الحزب. والبام كما هو اليوم لا يبدو في مستوى اللحظة القادمة إلا إذا عرف زلزالا سياسيا وتنظيميا يعيده إلى سكته الأولى. لا زلزالا يهدم البيت، بل زلزالا يوقظه ويعيد إليه وضوحه وثقته بنفسه وجرأته الأولى.
قبل مؤتمر بوزنيقة، وحين كان كثيرون يقرؤون المشهد بمنطق سباق الزعامة، قلت إن الحزب لا يتجه إلى حسم قيادي نهائي، بل إلى صيغة انتقالية مؤقتة، وإن مؤتمرا آخر قد يلوح في الأفق قبل الانتخابات. بدت تلك القراءة غريبة آنذاك، لأن المزاج العام كان مشغولا باسم الرابح أكثر من انشغاله بطبيعة المرحلة. واليوم، مع توالي الأخبار عن قيادة جديدة محتملة وأسماء يجري تداولها لإعادة ترتيب البيت، يتأكد أن الأزمة لم تكن أزمة اسم، بل أزمة صيغة وتوجه ومؤسسات.
قيادة حكومة المونديال ليست مكافأة انتخابية ولا نتيجة آلية لحجم الحزب. إنها مسؤولية تاريخية. فالحكومة المقبلة ستكون حكومة عبور نحو مغرب 2030، مطالبة بتحويل ربع قرن من اختيارات العهد الجديد إلى أثر ملموس في حياة الناس: في العدالة المجالية، وفي الثقة بين المركز والجهات، وفي المدرسة والمستشفى والشغل والإدارة والهوية واللغة والكرامة اليومية. وقد أخطأت حكومات سابقة حين بقيت دون مستوى المشروع الذي أطلقه العهد الجديد، فغلب تدبير اليومي على تحويل الإرادة الكبرى إلى تحول حقيقي في المجتمع والمجال والوجدان. وحكومة المونديال مطالبة بعدم تكرار الخطأ نفسه.
هنا يصير السؤال أكبر من البام نفسه. فالحزب الذي ولد في سياق العهد الجديد لم يولد ماكينة انتخابية، بل تعبيرا سياسيا عن مغرب متصالح مع ذاته، وعن حداثة متجذرة، وعن تامغرابيت لا تستعير نفسها من أحد. ولد ليحمل صوت المغرب العميق، وليكون سدا سياسيا وثقافيا أمام التطرف والعنصرية والانغلاق والأيديولوجيات العابرة للحدود.
لكن ما نراه اليوم يدعو إلى القلق. الحزب كبر في الحجم، وامتد مجاليا، وراكم حضورا مؤسساتيا، لكنه لم ينتج بالقدر الكافي خطابا فكريا وسياسيا يواكب حجم المرحلة. كان البام في بداياته قلعة للمثقفين والفاعلين في الفكر والثقافة والرأي، أما اليوم فالإنتاج الفكري والسياسي لمثقفيه وقياداته شبه منعدم. نكاد لا نقرأ مقالا رصينا يشرح مشروع الحزب، أو يدافع عنه، أو يجدد لغته.
وهذا الضعف لا يضر الحزب وحده، بل يترك فراغا في الحقل السياسي الوطني. نرى اليوم كيف تتنامى خطابات عنصرية ومتطرفة ومغلقة، وكيف تستعمل قضايا أيديولوجية مستوردة لضرب الثقة في الاقتصاد الوطني، أو التشويش على اختيارات الدولة، أو جر النقاش المغربي إلى معارك لا تخدم إلا إضعاف الجبهة الداخلية. هذا بالضبط ما كان يفترض أن يتصدى له حزب مثل الأصالة والمعاصرة.
أقول هذا، وأنا رئيس لجنة داخل المجلس الوطني، ومسؤول عن ملف سياسي وهوياتي يفترض أنه من صلب هوية الحزب ومرجعيته التأسيسية. ومع ذلك ظلت قنوات الحوار المؤسساتي حول هذا الملف مؤجلة، وظلت اللجان المنتخبة في محطات كثيرة خارج النقاش الفعلي وصناعة التصورات. ليست المسألة شخصية، بل منهج يجعل الإنصات إلى الكفاءات مؤجلا، بينما تصاغ التوجهات الكبرى في دوائر ضيقة. حتى البرنامج الانتخابي نفسه، وهو الوثيقة التي يفترض أن تختصر رؤية الحزب واختيارات قواعده، صيغ في غفلة من كثير من المناضلين واللجان والأطر. كأن الحزب لم يعد في حاجة إلى عقول أبنائه إلا حين يحين وقت الدفاع عما صيغ بعيدا عنهم.
وقيل لنا إن للحزب أكاديمية. والأكاديمية في أي حزب حي يفترض أن تكون فضاء لإنتاج الأفكار، واحتضان الكفاءات، وتأطير النقاش السياسي والفكري. غير أنها، في تجربتنا، بدت أشبه بمحفل مغلق لا نعرف عنه، نحن رؤساء اللجان المنتخبة داخل هياكل الحزب، إلا الاسم. فهي لا تفتح أبوابها لطاقات الحزب وكفاءاته بالوضوح الذي يقتضيه العمل المؤسساتي.
والأكثر إثارة للاستغراب أن هذه الأكاديمية أعلنت أنها اشتغلت على إعداد البرنامج الانتخابي عبر ما سمي بالخلوات، وكأن الانخراط في التفكير الحزبي أصبح يحتاج إلى قرب خاص من دوائر مغلقة، لا إلى صفة تنظيمية أو كفاءة ميدانية أو مسؤولية منتخبة. نحن أمام حزب سياسي يفترض أن تحكمه المؤسسات والمساطر، لا أمام فضاء غامض لا يعرف رؤساء اللجان كيف يلجونه ولا بأي معايير يُختار المشاركون فيه.
فكيف يعد برنامج انتخابي في قضايا محورية دون إشراك اللجان التي راكمت معرفة ميدانية في هذه الملفات، ومنها ملف الأمازيغية مثلا؟ وما جدوى اللجان المنتخبة إذا كانت الملفات الكبرى تناقش خارجها؟ وما معنى المجلس الوطني إذا كانت كفاءاته لا تستدعى إلا بعد اكتمال التصورات؟ إن إقصاء هذه الطاقات من فضاءات التفكير والتكوين والإعداد خسارة للحزب قبل أن يكون تهميشا لأشخاص أو لجان.
هذه المؤشرات تكشف خللا أعمق في طريقة تدبير البيت الداخلي. فالحزب الذي يفترض أن يكون من أكثر القوى السياسية حساسية تجاه ما حذر منه جلالة الملك من منطق المغرب بسرعتين، بدأ يسمح بتسرب هذا المنطق إلى بنيته نفسها. القرار يتركز في دوائر محدودة، بينما تتراجع أدوار القواعد واللجان والمؤسسات المنتخبة إلى مواقع الانتظار والتلقي. ومع الوقت يفقد الحزب شيئا فشيئا صلته الحية بالمغرب العميق، وحين تضعف هذه الصلة يخسر جزءا من شرعيته الأخلاقية والسياسية.
في هذا السياق تقرأ الأخبار المتداولة عن قيادة جديدة، ومنها تردد اسم فوزي لقجع. والتعامل معه بوصفه مجرد اسم رياضي تبسيط مخل. فالرجل لم يعد في الوعي العام مرتبطا بكرة القدم وحدها، بل بصورة مغرب يصعد بثقة وينظم ويفاوض ويراكم المواقع. ويمثل، في نظر كثيرين، نموذج النجاعة المغربية حين تلتقي الثقة في الذات مع الانضباط والنتيجة.
لكن أن ينتقل رجل من وزنه، وفي لحظة وطنية دقيقة مرتبطة بالمونديال، من مسؤوليات ضخمة أبلى فيها البلاء الحسن إلى قيادة حزب سياسي، ليس تفصيلا عابرا. فهذا لا يكشف فقط قوة الرجل، بل يكشف أيضا عطبًا أعمق في الساحة السياسية وفي قدرة الأحزاب على إنتاج نخبها من داخل مساراتها الطبيعية. الحزب الذي يضطر إلى النظر نحو رجل من هذا الوزن يعترف ضمنيا بأن آلياته الداخلية لم تعد تنتج القيادة بالوضوح الذي تقتضيه المرحلة.
إن كان لقجع خيارا، فهو خيار قوي، لأنه يستطيع أن يجسد قيما بهتت فينا: النجاعة، والثقة، والصرامة، والمؤسساتية، وتامغرابيت الفاعلة، ومغرب الإنجاز. لكنه لا ينبغي أن يكون اسما يوضع فوق أزمة لم تعالج. قوة هذا الخيار، إن تحقق، لن تكون في الاسم وحده، بل في قدرته على أن يتحول إلى لحظة إعادة تأسيس ناضجة تعيد وصل الحزب بمؤسساته وقواعده ومغربه العميق.
وليس هذا تقديرا نظريا فقط. فمنذ بدأ تداول اسم فوزي لقجع في علاقة بمستقبل قيادة الحزب، تلقيت اتصالات ورسائل من مناضلين وفاعلين من الريف والجنوب الشرقي ومناطق مختلفة من المغرب العميق، بعضهم ابتعد عن الحزب، وبعضهم لم يمارس السياسة من قبل. كان الإحساس المشترك بينهم واضحا: إذا كان هذا الاسم مدخلا لعودة البام إلى الجدية والنجاعة وتامغرابيت الفاعلة، فإن الأمر يستحق إعادة النظر والعودة إلى الانخراط. وهذا مؤشر سياسي لا ينبغي تجاهله. فالأسماء لا تصنع المشاريع وحدها، لكنها أحيانا تكشف حجم الحاجة إلى قيادة توقظ الثقة وتعيد وصل الحزب بالناس الذين ابتعدوا عنه.
فلقجع لا ينبغي أن يكون بديلا عن المشروع، بل تجسيدا ممكنا له. ولا عنوانا لإنقاذ ظرفي، بل مدخلا إلى البام كما كان ينبغي أن يكون: حزب الإنجاز لا التردد، حزب الثقة لا الارتباك، حزب تامغرابيت الفاعلة لا الشعارات، حزب مغرب 2030 لا حسابات اللحظة.
ولعل العودة إلى الذاكرة الأولى لهذا الحزب تكشف أن سؤال اليوم ليس جديدا. حين اختار فؤاد عالي الهمة أن ينسحب من المسؤولية التنظيمية المباشرة، لم تكن تلك خطوة إدارية عابرة، بل إنذارا مبكرا من أن المشروع قد يختل حين تبتلعه الصراعات الجانبية، وحين تعطل اللجان، وحين يتحول التنظيم من أداة لخدمة الفكرة إلى مجال للتجاذب والإفراغ. واليوم تبدو تلك الإشارة أكثر راهنية. فالخطر على الأصالة والمعاصرة لا يأتي من خصومه فقط، بل من داخله حين تضعف المؤسسات وتستنزف الحسابات الصغيرة طاقة المشروع الكبير.
إعادة التأسيس التي أدعو إليها لا تعني الرجوع إلى الوراء، بل استعادة ما جعل هذا الحزب مختلفا منذ بدايته، ولكن بوعي أكثر نضجا وبمؤسسات أكثر قدرة على حمل المرحلة. إنها دعوة إلى ترتيب البيت من جديد، وإلى إعادة الاعتبار للمشروع والمناضل والالتزام الوطني داخل القرار الحزبي. كما أنها تقتضي أن يستعيد الحزب لغته الخاصة، لغة تامغرابيت والحداثة المتجذرة والإنصاف الهوياتي والعدالة المجالية. فتامغرابيت ليست شعارا ظرفيا، بل قاعدة سياسية وثقافية تمنح الحزب تميزه، وتضع الأمازيغية والثقافة والفكر والنقاش البرامجي في صلب اختياراته الكبرى.
كما تمر إعادة التأسيس بمصالحة حقيقية مع المغرب العميق. لم تكن قوة البام الأولى في صالونات العاصمة، بل في الإحساس الذي منحه لأبناء الريف والأطلس وسوس والجنوب الشرقي والصحراء المغربية والواحات والأحياء المنسية بأنهم ليسوا خارج السياسة. وهذه المصالحة لا تتحقق بالزيارات والصور، بل بإعادة توزيع الثقة داخل الحزب: جهات شريكة في إنتاج البرنامج، لجان ومجلس وطني وأكاديمية تتحول إلى أدوات حية للتفكير، ومناضلون يشعرون أن لهم حقا في صياغة القرار لا مجرد واجب في الدفاع عنه.
البام أمام مفترق حاسم. إما أن يحول لحظة القيادة المقبلة إلى فرصة لإعادة التأسيس، وإما أن يكتفي بتغيير الواجهة ويترك البنية كما هي. وفي الحالة الثانية، لن يكون أي اسم، مهما بلغت قوته، قادرا على حمل حزب لم يحسم بعد علاقته بفكرته الأولى.
نحن يوم ولدنا لم نعد بإدارة الحاضر، بل بصناعة المستقبل. وحكومة المونديال لن تقاد بحزب يبحث فقط عن موقعه في التوازنات، بل بحزب يعرف لماذا وجد، ومن يمثل، وما المشروع الذي يريد أن يقدمه للمغرب.
وحين يكبر الحزب ويبهت المشروع، لا ينقذه إلا قرار شجاع يعيده إلى أصله.
“حركة النقد المسرحي بالمغرب تحاصر نفسها بالأسئلة” كان هذا عنوان مقال للراحل السلاوي نشر في هذا المنبر و هو في نظري عنوان صالح لهذا المقال إذا أقحمنا اسم البام فيه . أظن مشكلة الحزب الحالية هو مشكل تواصل أو استصغاره إن صح التعبير ، ربما تحت ضغط المناصب الوزارية للقيادة لكن الحزب عموما يعاني من مشكل تواصل فعال تاركا المجال للخصوم ! فمثلا منذ نشأة الحزب كان هناك مقر إقليمي في القنيطرة تم إغلاقه في السنين الأخيرة دون بديل و هو ما فرض على المنتسبين التنقل الدائم إلى العاصمة أي أن الحزب يضعف نفسه بنفسه .
الحزب يتحول شيئا فشيئا إلى حزب رباطي تحت تأثير عناصر معينة و ما على الواحد سوى تصفح صفحة الحزب على فيسبوك ليدرك هذه الحقيقة ، حتى اللقاءات مع الشباب كانت مع شباب الرباط و طلبة جامعات خاصة في الرباط كذلك ، الجهة التي يرأسها العبدي تحولت إلى جهة الرباط حيث لا تُغدق الأموال إلا عليها بل حتى إعلاميا لم تعد تسمى إلا بهذا الاسم .
بعد رحيل إلياس العماري وحكيم بنشماش، تراجع حضور الريفيين داخل هياكل القرار في البام بشكل مقلق. وهذا لا يضر الحزب وحده، بل يخلق إحساسا بالتهميش لدى شباب الريف، ويفتح فراغا قد تستغله التيارات الانفصالية. حماية الوحدة الوطنية تبدأ بإنصاف أبناء الريف داخل الأحزاب والمؤسسات، لا باستعمالهم كخزان انتخابي ثم إقصائهم من القرار.