أيُّ ريحٍ تلك التي تستطيع أن تحفظ ذاكرة الجوع أكثر مما تحفظ أسماء اللاجئين؟ وأيُّ انتظارٍ هذا الذي يكبر حتى يصبح وطناً كاملاً من الصمت؟ وكيف تتحول الخيمة من مأوى عابر إلى قدرٍ طويل، ومن قطعة قماشٍ تحتمي بها الأرواح إلى مرآةٍ ترى فيها الأجيال وجوهها وهي تذبل ببطء؟ وهل يستطيع الحلم حين يُكرَّر كثيراً أن يبقى حلماً، أم أنه يتحول مع فعل الزمن إلى سرابٍ يتغذى على أعمار اللاجئين؟
وهذه القصص لا تبنى على حكاياتٍ مخيمات تندوف فقط، وإنما عن الإنسان حين يُترك وحيداً بين الجوع والخطاب، بين الخوف والأمل، بين الحقيقة واليقين المصنوع، ين لغة العسكر وأوامرالجنرالات والإملاءات. وهنا تصرخ الريح أكثر من براءة الأطفال، وتتكلم العيون أكثر من الخطب، ويصبح الصمت لغةً كاملةً للخذلان. وفي تندوف الحزينة والمكرهة على أفعالها ونظام حياتها، لا تسير الأيام نحو المستقبل، وإنما تدور حول نفسها كأنها طاحونةٌ تطحن الأحلام ببطء. وهناك، تحت سماءٍ مثقلةٍ بالغبار والأسئلة والانتظار، يكبر الأطفال وهم يحملون أعماراً أكبر من أعمارهم، ويكتشفون أن بعض المخيمات قد تُولد داخل الكلمات، لكنها لا تصل أبداً إلى الحياة.
ذاكرة الريح
في تندوف التي تتكسر فيها الريح على وجوه الأطفال، ويمتدُّ الأفق مثل سؤالٍ لا جواب له، وُلد زعيمٌ يرفع رايةً عالية ويعدُ الناس بالغد. وقال في خطابه الأول: “الغدُ لنا، والصحراءُ ستُصبح خبزاً وعدلاً وسماءً لا تبكي”. ومرت الأيام كما السنون، بقيت الخيام كما هي، والوجوهُ أكثر نحولاً، والوعودُ أكثر لمعاناً من الحقيقة. وكان الزعيم يسافر بين العواصم وبين أوامر العسكر، يلبسُ لغةً دبلوماسيةً مملاة، ويعودُ محاطاً بالتصفيق والبيانات الضخمة.
وفي المخيمات، كانت النساءُ يخبزن الصبر، ويعدّدن الأيام كما تُعدّ حبات الرمل. ويكبر الأطفالُ على سؤالٍ واحد: أين يذهبُ الضوء حين يُقال لنا إن الوطن يزدهر؟
وقيل إن المساعدات تأتي، لكنها كانت تمرّ مثل ظلٍّ لا يترك أثراً. وقيل إن المؤن وُزّعت، لكن الجوع كان يعرف أسماء الأطفال كما الشيوخ واحداً واحداً. وفي القصور البعيدة، كانت الموائد ممتلئةً بالكلام، وفارغةً من الحقيقة. وفي المخيمات، كان الخبزُ خبراً مؤجلاً، والحليبُ حلماً يشيخ قبل أن يصل.
وهتف الزعيم يوماً:” اصبروا وصابروا … فالنصرُ قريب”، وصفق اللاجئون، لأن التصفيق أحياناً هو الشكل الوحيد للنجاة.
ومرّت السنواتٌ، ثم العقودٌ، ثم نصف قرنٍ من الانتظار. والأغاني الثورية لم تعد ثوريةً، وإنما صدىً بعيداً في ذاكرة الريح. وصارت الشعاراتُ زخرفاً على جدرانٍ تتشقق بصمت، وحتى الخيامُ بدأت تسأل أصحابها: هل كنا وطناً أم محطةَ نسيان؟
وفي الليل، كانت تندوف الحزينة تعوي، لا من وحشة الطبيعة فقط، ولكن من ثقل الوعود حين تتحول إلى فراغ. وظلت النساءُ يراقبن النجوم كأنها رسائل لا تصل. وظل الرجالُ يدفنون التعب في الصمت، لأن الكلام صار ترفاً بلا جدوى.
وفي القصور المعدة، ظلّ الزعيم يخطب: ” انتظروا… فالغد لم يأتِ بعد”، لكن الغد، كل يوم، كان ينسحب بهدوءٍ كأنه لم يُخلق أصلا، حتى صار اللاجئون لا يميزون بين الثورة والحكاية، وبين الحلم والسراب.
وفي النهاية، لم يبقَ إلا الريح، تكتب على الرمل تاريخاً لا يكتبه أحد… وتقول: “هنا وُلد وعدٌ طويل، ونسي أن يعود”.
محطة نسيان
وُلد الطفل في خيمةٍ ترتجف مع أول هبّة ريح بمخيمات تندوف، وكأنها تتعلم معه معنى البقاء.
قالوا له يومها: ستكبر في جمهوريةٍ من الضوء، حيث لا جوع ولا انتظار. وابتسمت أمه، وعلّقت على جدار الخيمة صورة وطنٍ لم يره أحد. وكبر الطفل، لكن الزمن لم يكبر معه. وكان يرى الرجال يعودون بخيباتٍ كبيرةٍ وصبرٍ أكبر. ويرى النساء يخبزن الحلم كما يُخبزن الرماد، بلا شكوى في محطة نسيان.
وفي المساء، كانت الأغاني الثورية تنام فوق أكتافهم كعبءٍ قديم. وقالوا له في المدرسة المؤقتة: ” أنت جيل الحلم القادم “. فحمل كتبه كمن يحمل مستقبلاً مؤجلاً، لكن المستقبل كان يبتعد كلما اقترب.
وفي المخيمات، كانت الكلمات أكبر من الخبز، وفي المخيمات تُوزَّع الوعود بعد كل خطابٍ مثل طقسٍ لا ينتهي: “اصبروا… الغد قريب”، كانوا يقولون دائماً.
وكبر الطفل، وصار شاباً دون أن يغادر طفولته. فالزمن هناك لا يمشي، وإنما يكرر نفسه. والأحلام لا تموت، لكنها تتعب.
وقد رأى الطفل، قادةً وجنرات وعسكر… يأتون ويذهبون، ووجوهاً تتغير خلف نفس الشعارات. ورأى شاحنات تحمل المؤن إلى البعيد، وتترك القريب في الانتظار. وبدأ يسأل: هل نحن نعيش الحلم، أم نحرسه فقط؟
وقال له أحدهم: الجمهورية تحتاج وقتاً. وابتسم، لأنه لم يعد يعرف معنى الوقت ومعنى الجمهورية.
وكبر الطفل أكثر، لكن جسده سبق عمره، وروحه بقيت طفلةً تبحث عن تفسير. وفي كل خطبةٍ يسمعها، يرى نفسه أصغر قليلاً، حتى صار اللاجئون في المخيم لا يكبرون، وإنما يتآكلون بهدوء.
وهناك في المخيمات التي طال حزنها، يولد الأطفال كباراً من كثرة ما ورثوا من الانتظار. وفي ليلةٍ طويلة، جلس وحده أمام الريح.
وتذكر أول وعدٍ قيل له، ولم يجد له أثراً في الأرض. وفهم أخيراً أن بعض الأحلام لا تُصنع لتتحقق،
ولكنها لتُستهلك، مثل ضوءٍ بعيدٍ لا يقترب أبداً.
وفي تندوف، كان الصمت أصدق من كل الخطب. والريح تكتب على وجهه: “هنا يكبر الإنسان، لكن الحلم يشيخ قبله “.
صرير الجوع والأحلام
في تندوف التي تبكي الفراق وحرقة السياسة والساسة والجيران والعسكر، وفي تندوف التي لا تُفرّق بين الحقيقة والسراب، وُلدت طفلةٌ تحت خيمةٍ تُشبه سؤالاً معلّقاً في الهواء. قالوا لها إن الجمهورية قادمة، وإن الريح ستتحول يوماً إلى وطن. وفتحت عينيها على الخطب، قبل أن ترى الحياة. وكانت تسمع كل مساءٍ صوتاً يرتفع: ” اصبروا… فالمستقبل لنا”. وحفظت الكلمات كما يحفظ الطفل وجه أمه، لكنها لم ترَ المستقبل يوماً. وكبرت الطفلة، وكبرت معها الشعارات، لكنها لم تكبر هي داخلها. وكان الزمن يدور في حلقةٍ من الانتظار، لا بداية لها ولا نهاية. وفي كل مرةٍ يُقال لها إن الغد اقترب، كانت تراه يبتعد أكثر.
وفي المخيم، كانت الحياة تُدار بالوعد، لا بالفعل. والأغاني الثورية كانت تغطي صرير الجوع ليلا، حتى صار الصمت أكثر صدقاً من الكلام، ولكن على مسافةٍ قريبة، كانت أختها التوأم، تعيش في مدينة الداخلة، تعيش حياةً أخرى، حياة عاديةً، كاملةً: تذهب إلى المدرسة، تكبر، تحب، تخطئ، وتعود…
بينما كانت هي، تُدرَّب نفسها على الانتظار فقط. وبدأت الطفلة تسأل: لماذا نحلم أكثر مما نعيش؟
لكن السؤال كان يُعتبر ترفاً في زمن الشعارات. فصمتت، ثم تعودت الصمت.
وكبرت أكثر، وصارت ترى أن الخطاب أقوى من الخبز، وأعلى من الألم، لكن الجوع لا يقرأ الخطب، ولا يفهم البلاغة. كان فقط ينهش الأجساد والأحلام بهدوءٍ، ولا يطلب تفسيراً.
وفي الليل، كانت تخرج وحدها إلى أطراف الخيمة. وتشعر أن الذئاب أقرب من الوعود، وأصدق من الخطب. ولم تكن ذئاباً حقيقية فقط، وإنما ذئاب المعنى الضائع أيضاً. وحين كانت تسمع كلمة “الجمهورية”، كانت لا ترى وطناً، وإنما فراغاً جميلاً، فراغاً مغطى بالأناشيد والرايات واليقينيات الثقيلة. وقالوا لها: ” من لا يؤمن بالحلم، يخون القضية “.
فآمنت، ليس اقتناعاً، وإنما خوفاً من أن تُطرد من جمهورية الحلم، لكنها كانت تكبر داخلياً في الاتجاه المعاكس.
وكلما كبرت السنوات، صغرت المعاني في قلبها. وفي ليلةٍ طويلة، جلست عند حافة الريح، ورأت ذئباً يحدق فيها. فلم تخف، لأن الخوف كان قد استُهلك منذ زمن. وقالت لنفسها: هل نحن نحرس الحلم، أم نحرس الوهم؟
لكن الريح لم تُجب، كانت مشغولةً بكتابة التاريخ على الرمل. وتذكرت أختها، وكيف أصبحت الحياة هناك شيئاً بسيطاً وجميلا وأملا كبيرا في الحياة. وتذكرت أنها لم تعش شيئاً سوى انتظار الحياة.
وفهمت أخيراً أن الخطاب حين يتحول إلى يقينٍ مغلق، يصنع بشراً لا يعيشون، وإنما يُدارون بالأمل.
وأن الحماسة حين تُكرر كثيراً، قد تصبح ستاراً رقيقاً فوق الألم. وفي مخيمات تندوف، لم تكن الذئاب هي الأخطر، وإنما ذلك الصوت الذي يقول دائماً:” اصبروا… فكل شيء بخير”، بينما لا شيء يتغير.
مقبرة الصبر والانتظار
في مخيمات تندوف، لم يكن الجوع حدثاً، وإنما نظام حياةٍ كامل. ولم يكن العطش ليس لحظة، بقدرما كان لغة يومية تتكلم بها الحناجر اليابسة. وكان الأطفال يكبرون على حليبٍ من وعودٍ لا تأتي،
وعلى خبزٍ يُؤجَّل كما تُؤجَّل الحياة نفسها. ويخرج الرجال كل صباحٍ إلى انتظارٍ طويل، والنساء يخبزن الصبر فوق نارٍ من صمت. وأما الشيوخ، فكانوا يحرسون الذاكرة. وهي ذاكرة الأشياء التي قيل إنها ستأتي ولم تأتِ أبداً.
وفي المخيم الكبير، لم يكن الكذب، كذباً واضحاً، ولكنه خطاب يرتدي ثوب الحقيقة. فقد قالوا: الغد قريب، فصار الغد ديناً بلا خلاص.
وقالوا: الصبر طريق النصر، فأصبح الصبر مقبرةً مفتوحة. وتعلم الأطفال مبكراً أن يبتسموا للوعود،
حتى وهم يعرفون أنها لا تعني شيئاً. وكبر الشباب بسرعةٍ لا تشبه النمو، بقدر ما تشبه الاحتراق البطيء داخل الانتظار. وحملن النساء الخيام كما تُحمل البلاد المنسية نفسها ونحيبها. كما حمل الرجال الصمت كأنه سلاحٌ بلا فائدة.
ومع الزمن، لم يعد أحد يسأل عن الحقيقة، لأن الحقيقة صارت خطراً على الجماعة. وفي هذا المخيم الكبير، الذي يشبه دائرة من السجن، تحوّل الانتظار إلى طقسٍ مقدس، والكذب إلى لغةٍ رسمية للحياة، حتى صار المخيم نفسه روايةً تُعاد كل يوم، بنفس الجمل، ونفس النهايات المؤجلة.
كان هناك أملٌ يُباع ويُشترى في الخطابات، لكن لا أحد رآه خارج الخطب خارج الدائرة.
ومع السنوات، بدأت الخيمة تفقد براءتها، لم تعد مأوى، ولكن عبارة عن علامة سؤالٍ ثقيل. فقد أصبحت الخيمة شاهدةً على كل ما لم يحدث، وبطلةً مأساويةً في مسرح الانتظار الطويل. وصار بعضهم يقول:
” لسنا نعيش هنا، بل نُؤرشف الألم “. والعار بنفسه لم يكن فعلاً، وإنما صار إدراكاً متأخراً، على أن الحياة كلها كانت تُدار باسم المستقبل القريب فقط. وحين سقطت آخر فكرةٍ عن الغد، وبقيت الخيمة واقفةً كأنها تسخر من أصحابها. وفي الليل، كان الأطفال يسألون: متى نعيش؟ ولا أحد يملك شجاعة الإجابة. فقد صار الصمت أصدق من كل البيانات، والريح تكتب فوق الرمل: “هنا وُلد الوهم، وهنا كبر حتى ابتلع أصحابه دفعة واحدة في يوم مشهود “.
أضف تعليقك
من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.