المنجرة..على قلق كأن الريح تحته

المنجرة..على قلق كأن الريح تحته
الجمعة 20 يونيو 2014 - 12:20

في نهاية عام 1997 أتيحت لي الفرصة للمرة الأولى لمجالسة المفكر الراحل المهدي المنجرة، الذي لم تنقطع الاتصالات معه بعد ذلك. كان ذلك في مكتبه. أوراق في كل مكان ومذياع صغير يغني. لعله آخر ذكرى من حياته داخل مقر الإذاعة بزنقة البريهي التي غادرها غير نادم. أمامه على المكتب الحاسوب المحمول الذي كان في ذلك الوقت ترفا زائدا. لقد أعطاه المهدي إسما مغربيا أنثويا:”يطو”. رنت الكلمة في أذني فكانت غريبة. رجل يضع رجليه في الحداثة والمعرفة يطلق إسما بدويا على حاسوب صنع في اليابان؟ لا يا ولدي! إنه ليس مجرد إسم. هذه امرأة مقاومة قتلت دفاعا عن استقلال البلاد، وعندما تناضل امرأة ضد الاستعمار فذلك يعني أن القضية تتجاوز الوطنية، قضية شرف.

كان ذلك مفتاحا لشخصية المهدي المنجرة، فقد أراد أن يجعل التقنية الحديثة والمعرفة العلمية في خدمة الجذور. أن ينفتح على أقصى المعارف ويغوص في أقصى قيعان الانتماء الوطني في الوقت ذاته. وهو كذلك كان يرى. كان يقول إن الكثيرين يدعون حب الوطن لكنهم يفعلون ذلك لأنهم يأكلون منه ولا يقدمون له شيئا. فقد فرق بين الوطنية التي تعني التضحية والوطنية التي تعني العلامة التجارية التي جمع البعض ثروة طائلة باسمها. ومرة حكى لي هذه الحكاية، التي لا شك أن الكثيرين سمعوها منه كما سمعتها: عندما خرج الفرنسيون من المغرب عام 1956 خرج رجل أشعث أغبر في شوارع الرباط يصيح”اسمعوا أيها المغاربة، لقد خرج المسلمون ودخل النصارى!”.

إطلاق أسماء شخصية على منتوجات مادية أمر نادر الحدوث، لكنه في حالة الدكتور المنجرة كان يعكس نوعا من الارتفاع بالمادة إلى بعدها الإنساني، وهو ما نجده باستمرار في دعواته المستمرة إلى أنسنة التقنية الحديثة وربط كل شيء بالقيم. فقد كانت القيم قيمة مركزية في حياته وتجربته الفكرية الثرية، إذ كان يرى أن القضية ليست في السياسة، ولكن في القيم التي تحملها، ولا في الاقتصاد، بل في القيم التي يبشر بها، ولا في التكنولوجيا، وإنما في القيم التي تهدف إليها، ولا في الثقافة، بل بالأحرى في القيم التي تتضمنها.

لم يكن المنجرة رجلا عاديا، فقد كان يحمل في قلبه جرثومة خبيثة إسمها الحلم، التي إذا تملكت قلبا فتكت بصاحبه وجعلته من الهالكين. وقد ظل وحيدا يبشر بذلك الحلم الفردي لكي يقتنع به الآخرون، ويسير به مثلما فعل ديوجين بمصباحه الأسطوري. أيقن ديوجين أن الناس تعيش في ظلام دائم فحمل مصباحه ليلا ونهارا باحثا عن شخص فاضل بين البشر، لأنه كان يريد أن يرى أفعالا لا أن يسمع مقولات. وكذلك كان المنجرة الذي ظل دائم الشكوى من النخبة المغربية والعربية، ويرى أن المعول عليه ليس ما تقوله هذه النخب علنا بل ما تفعله سرا، لأنها تنتج مواقف لبيعها إلى الناس بينما تنتج لنفسها مبررات لكي تعيش فوق مستواهم.

خاض الراحل المنجرة معارك على جبهات عدة، لكن المعركة الرئيسية التي تفرقت منها الغزوات الصغرى هي معركة الشمال والجنوب، التي فصل فيها كثيرا في كتابه الصادر بالفرنسية”شمال ـ جنوب” في النصف الأول من التسعينيات. فقد رأى أن الشمال راكم الرأسمال بنهب الجنوب، وأن الجنوب سعى إلى تقليد الشمال فتنكر لقيمه. ويوجد هذا الموقف لدى المنجرة في منطقة الوسط بين مفهومين، مفهوم”القابلية للاستعمار” عند مالك بن نبي، ومفهوم”فائض القيمة التاريخي”عند أنور عبد الملك.

إذا أردنا أن نضع المنجرة داخل نموذج معرفي فلن نجد بديلا عن عبارة”البراكسيس” في العلوم الاجتماعية، النموذج الذي يمزج بين المعرفة والممارسة، بين الأفعال المباشرة والقناعات الداخلية. في الاستعمالات العربية القديمة هناك عبارة قريبة منها:”العالم العامل”. وقد رفض الاقتراب من حظيرة الدولة خائفا من أن يخسر صورة المفكر المناضل فيه، وكان يستحضر مقولة صديقه الروائي الفرنسي فرانسوا مورياك”أنا عكس رجل الدولة”. آمن بأن الإنسان يجب أن يعيش وفق أفكاره، لا أن يفكر كما يريد أن يعيش فيسخر ثقافته لخدمة طموحاته الفردية، لذلك عاش منزعجا طوال حياته، كما قال المتنبي”على قلق كأن الريح تحتي”، ولهذا كان كثير الغضب وهو يتكلم كأنه يلقي بوصاياه الأخيرة لمن يريد، مؤمنا بما قاله الأفغاني”قل كلمتك وامش”. ومرة تجرأت ووجهت إليه سؤالا عن دواعي ذلك الانفعال، فصرخ في وجهي:”يا سيدي، من لا يغضب ليست له حرقة لأن الحقيقة مرة”. وكذلك قال باسكال في تأملاته:”الحقيقة كالنحلة، في جوفها العسل، وفي ذنَبَها شوكة”.

رحم الله السي المهدي.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

5
  • Ahmad
    الجمعة 20 يونيو 2014 - 13:08

    Merci maitre, vous avez de la plume et on vous lit avec coeur et esprit.vous nous faites penser de l epoque des grands ecrivains.

  • محمد البسيط
    الجمعة 20 يونيو 2014 - 19:12

    التاريخ لا ينسى
    يوما ما سيكرم رجال أحبوا أوطانهم و لم تستهوهم المناصب و الامتيازات
    يوما ما ستنصب لهم تماثيل و ستطلق أسماؤهم على المؤسسات و الشوارع و الساحات
    يا نخبة باعت القيم بدريهمات معدودات و باعت معها حلم وطن طالما تاق الى نور الحرية و الانعتاق من براثين الفساد و الاستبداد
    ها هو ذا سيد الرجال و أستاذ الاساتذة يغادر الدنيا الفانية و في قلبه غصة ألم بسبب تواطئ و تخاذل و جبن هذه النخبة عن أداء دورها
    فيا أسفاه عليك يا وطني
    رحم الله الدكتور المهدي المنجرة

  • amina
    السبت 21 يونيو 2014 - 00:40

    ل م يكن فقيدنا يفكر ولوللحظة واحدة ان يكون وزيرا او مديرا عاما او يقتني فيلات عاى الشواطئ اوسيارة فارهة لكنه كا يفكر الى اين نحن ساءرون لانه يعلم اننا لم نسلك الطريق الامن فانتقذ السياسيين واحزابها ومعها النخبة الثقافية كان راس ماله مصداقيته وشعاره في الحياة – كرامة الانسان – وما تخصيص ارباح مبيعاته لمؤلفاته لجاءزة الدفاع عن الكرامة الا دليلا لصدقه في الدفاع عن كرامة الانسان التي لا تفقد او تضيع منا بل تسلب منا لهذا نراه يدافع عنها ليسترجها كان الفقيد رحمه الله بعفوه يعيش بعقل يتامل وقلب يتالم لان العظماء لا يعيشون لانفسهم فالفقيد لم يكن عبقري بعلمه وبحوثه فحسب بل كان مدرسة مثالية في الاخلاق والصدق والوطنية الحقة والعفة وعزة النفس والقيم والتواضع وحب العلم نعم رجل شريف واصيل استطاع ان يبرهن للعالم ان للمغرب ايضا عباقرته التي استطاعت ان تكشف استبداد الدول الكبرى بمحاولاتها الهيمنة على الدول الفقيرة واستغلالها وفرض قيمها ولغتها عليها ليستعمرها من جديد بغير حرب عسكريةبل بحرب حضارية

  • Moulay Bouaazza
    السبت 21 يونيو 2014 - 18:17

    Sexagénaire que je suis , je n'ai jamais entendu dire du mal du grand regretté M.Manjra, par contre les éloges et les louanges à son égard étaient innombrables ce qui explique qu'il était honnête et qu'il a vécu durant toute sa vie pour ses principes et ses idées , cela lui valu un blocus intellectuel et culturel.Par contre la classe politique( toutes tendances comprises) excéle dans sa schisophrénie entre ses dits et ses acts, faisant la queue avec patience pour attendre leur part du gâteau en participant à n'importe quel gouvernement ,et ce n'est pas du culot qui va leur manquer pour justifier leur bassesse du moment qu'ils ont depuis lontemps abandonné les valeurs nobles que le grand Manjra a toujours défendues.Rahima allaho Almanjra. L'histoire le gardera pour longtemps entre ses pages .Quant aux hyènnes politiques l'histoire leur reservera à leur tour son dépotoir..Merci à vous Mr kanbouri pour cet excellent article.

  • salim
    السبت 21 يونيو 2014 - 22:48

    Il est honteux qu'un tel esprit ait vécu écarté et non considéré ,alors que des vils se pavanent devant les yeux comme des girouettes du diable
    paix pour son âme il état l'intelligence que le temps offre rarement
    A Dieu Mahdi

صوت وصورة
دار الطالبة بتيكوين خارج الخدمة
الإثنين 19 أكتوبر 2026 - 09:23 1

دار الطالبة بتيكوين خارج الخدمة

صوت وصورة
اختتام فعاليات معرض الفرس
الأحد 18 أكتوبر 2026 - 23:48 1

اختتام فعاليات معرض الفرس

صوت وصورة
طريق الموت بالمناصرة
الأحد 18 أكتوبر 2026 - 21:41 5

طريق الموت بالمناصرة

صوت وصورة
مولاي الحسن يتوج أبطال الفروسية
الأحد 18 أكتوبر 2026 - 19:43 1

مولاي الحسن يتوج أبطال الفروسية

صوت وصورة
أزمة الركن تخنق الرباط
الأحد 18 أكتوبر 2026 - 19:08 6

أزمة الركن تخنق الرباط

صوت وصورة
المغاربة والحكومة الجديدة
الأحد 18 أكتوبر 2026 - 15:58 13

المغاربة والحكومة الجديدة