"الحريك الحزبي" يتصاعد قبل الاستحقاقات .. قناعات أم حسابات انتخابية؟

"الحريك الحزبي" يتصاعد قبل الاستحقاقات .. قناعات أم حسابات انتخابية؟
كاريكاتير: عماد السنوني
الخميس 25 يونيو 2026 - 07:00

مع اقتراب الاستحقاقات التشريعية، تبدأ الخريطة الحزبية في إعادة تشكيل ألوانها، وتتبدل بعض الانتماءات السياسية من ثوابت مستقرة إلى خيارات قابلة للتغيير، حيث يقبل عدد من الوجوه السياسية التي اعتادت الظهور تحت يافطة حزب معين على تغيير انتمائها، وهي تحمل شعارا آخر، في مشهد يتكرر مع كل موسم انتخابي.

وبين من يراه حقا مشروعا تبرره حرية الاختيار وتطور القناعات، ومن يعتبره بحثا عن مواقع أكثر أمانا في سباق الانتخابات، يظل السؤال مفتوحا هل يتعلق الأمر بتحول في القناعات أم إعادة تموضع تحكمه المصلحة الشخصية؟

“حريك حزبي”

اعتبر سمير الشحواطي، أستاذ بكلية العلوم القانونية والاقتصادية بتطوان، نقيصة الترحال السياسي من أبرز عوائق تخليق الحياة السياسية، موردا أنها كانت لصيقة أكثر بأحزاب دون غيرها؛ غير أن جل الأحزاب أضحت تمثل قاعدة لانطلاق ووصول الرحل، بما فيها أحزاب لطالما نددت بهذه النقيصة.

وأضاف الشحواطي، في تصريح لجريدة هسبريس، أن المشرع المغربي بدوره تصدى للظاهرة؛ بداية بالتغريم (القانون التنظيمي رقم 36.04 المتعلق بالأحزاب السياسية لسنة 2006)، وصولا إلى التجريد من العضوية الانتدابية مع التعديل الدستوري لسنة 2011 بموجب الفصل 61.

واستدرك المتحدث قائلا: إلا أن المقاربة القانونية تبقى قاصرة في ظل استفحال مقومات الترحال السياسي، حيث يعمد الرحل إلى تغيير الانتماء على مشارف نهاية الولاية الانتدابية بقصد الترشيح بألوان سياسية أخرى.

وأورد المحلل المغربي أن المتتبع للشأن الحزبي، والسياسي بشكل عام، لا يمكنه إلا الوقوف على تزامن حركية الترحال عند الاستعداد لمحطة استحقاقية، معتبرا الترحال في هذه الحالة نتيجة لمخرجات صراع المصالح والتزكيات في دهاليز الأحزاب، ولا يمكن أن ربطه مثلا بتغير القناعات والأفكار والاختيارات، أو بمسائل تنظيمية تهم الديمقراطية الداخلية للأحزاب، وإلا فما الحاجة إلى التنقل بين حزب ونسخته (ذات الأفكار والممارسات)، وبالتزامن مع حسم التزكيات الحزبية؛ مما يفسر انتعاش “الميركاتو الانتخابي” عشية كل “مْوْسْم” انتخابي (بدلالتها وحمولتها السوسيولوجية)، حيث لا يطفو ويتنامى مثلب الهجرة الحزبية أو “الحريك السياسي” إلا مع فترة تدبير الترشيحات.

وسجل الشحواطي أن المسؤولية تقع بالدرجة الأولى على عاتق الأحزاب السياسية، خاصة تلك التي تستقبل الرحل، مشيرا إلى تراجع الرهان على ترشيح مناضلات ومناضلي الأحزاب السياسية مقابل تنامي وتغول الرهان على “الوافد الواجد” أو “مول الشكارة”؛ ما يشي، بحسبه، بكون تلك الأحزاب لا يهمها إلا البحث عن الكراسي وحسابات ما بعد الانتخابات (تحالفات تشكيل الحكومة)، وطغيان المقاربة العددية على المقاربة السياسية والمبادئ الديمقراطية عموما، ومبادئ الممارسة الحزبية خاصة.

وأكد الأكاديمي ذاته أن ما يعمق الإشكال هو قبول ما يفترض فيها قواعد لتلك الأحزاب بهذه الممارسات والتصفيق للوافد الجديد؛ مما يزكي أطروحة “الشيخ” و”المريد” على مستوى التنظيمات الحزبية، وطغيان الحسابات المصلحية لا المبادئ الحزبية.

وشدد على أن الحديث عن الديمقراطية يقتضي استحضار ثلاثة أبعاد متكاملة؛ أولها البعد النظري والقيمي القائم على التعددية والتنافسية والحرية والالتزام السياسي، والبعد المؤسساتي والتشريعي المرتبط بالمؤسسات والقوانين المنظمة للحياة السياسية، ثم البعد الثقافي والمجتمعي الذي يشمل الثقافة السياسية والتنشئة والوعي السياسي.

وأكد المتحدث ذاته أن تخليق الحياة السياسية والحد من الظواهر التي تعيق الممارسة الديمقراطية السليمة لا يمكن أن يتحققا بالاعتماد على القوانين والتشريعات وحدها، بل يتطلبان ترسيخ القيم الديمقراطية داخل المجتمع وإيمان الفاعلين السياسيين بها، خاصة الأحزاب السياسية التي تتحمل جزءا كبيرا من مسؤولية استمرار بعض الاختلالات.

واختتم سمير الشحواطي إفادته بالدعوة إلى تجديد العمل الحزبي عبر الانفتاح على الشباب والاستثمار في تكوين المناضلين وإعداد النخب الجديدة، بدل الاعتماد على محترفي الانتخابات، بما يعزز الثقة في العمل السياسي ويسهم في تحقيق التغيير والتنمية المجتمعية.

ضعف المرجعية والتأطير

أرجع أحمد درداري، رئيس المركز الدولي لرصد الأزمات واستشراف السياسات، ظاهرة الترحال السياسي إلى عوامل عديدة؛ من أبرزها ضعف الارتباط بالمرجعيات الحزبية وتراجع الالتزام بالانتماء السياسي، مؤكدا أن هذا المعطى أصبح نقيضا للأساس الذي أُحدثت من أجله الأحزاب السياسية.

وأوضح درداري، في تصريح لهسبريس، أن منطق البحث عن فرص أكبر للفوز بات يطغى على سلوك بعض المرشحين، إذ يعتبرون أن أحزابهم لا تمنحهم حظوظا كافية للفوز أو لا تضعهم في المواقع المناسبة ضمن اللوائح الانتخابية، فيلجؤون إلى أحزاب أخرى توفر لهم فرصا أفضل، خاصة أولئك الذين يمتلكون إمكانيات مالية ولا يعتمدون على الدعم الحزبي المخصص للحملات الانتخابية.

وأضاف الأكاديمي المغربي أن الخلافات الداخلية داخل الأحزاب تشكل بدورها عاملا رئيسيا في الترحال السياسي، سواء تعلق الأمر بالنزاعات حول التزكيات، أو الإحساس بضعف الديمقراطية الداخلية، أو الصراعات بين القيادات الحزبية؛ وهي كلها أسباب تدفع بعض السياسيين إلى مغادرة أحزابهم والالتحاق بأخرى.

كما أشار المتحدث عينه إلى ضعف التأطير الإيديولوجي وتقارب البرامج السياسية بين الأحزاب كعاملين أساسيين في تنامي هذه الظاهرة، موردا أن ذلك يجعل الانتقال من حزب إلى آخر أمرا عاديا في نظر بعض الفاعلين السياسيين، في ظل تراجع الفوارق الجوهرية بين المشاريع الحزبية.

وأكد رئيس المركز الدولي لرصد الأزمات واستشراف السياسات أن الترحال السياسي أصبح عملية تسهلها الأحزاب نفسها، وتقل كلفتها الأخلاقية والسياسية، دون أن تثير تساؤلات عميقة حول القناعات والاختيارات السياسية للمرشحين، خاصة أن الأبواب تظل مفتوحة أمام الراغبين في الالتحاق بها ممن يمتلكون القدرة على إثبات حضورهم السياسي وإمكاناتهم المادية.

وأبرز أن الطموح الشخصي يدفع بعض المرشحين إلى السعي إلى الاستمرار في المسؤوليات الانتخابية أو الحكومية، حتى وإن اقتضى ذلك تغيير الانتماء الحزبي. وفي هذا السياق، يُنظر إلى الترحال السياسي أحيانا باعتباره وسيلة للحفاظ على هذه المواقع أو بلوغ طموحات جديدة، وكأن الغاية تبرر اللجوء إليه.

أنصار منتقدين

أورد أحمد درداري أن أنصار الترحال السياسي يعتبرونه حلا للخلافات والتعارضات التي قد تنشأ بين أعضاء الحزب الواحد، كما يرون فيه تعبيرا عن تطور القناعات السياسية أو رفضا لبعض الممارسات داخل الحزب الأصلي؛ وبالتالي فهو ممارسة مشروعة تندرج ضمن حرية الانتماء السياسي.

وأشار رئيس المركز الدولي لرصد الأزمات واستشراف السياسات إلى أن لهذه الظاهرة بعض الجوانب التي يعدها مؤيدوها إيجابية؛ من قبيل تعزيز التنافس بين الأحزاب لاستقطاب الكفاءات والخبرات السياسية المتمرسة. كما أن بعض المنتقلين بين الأحزاب يظلون، في الواقع، أوفياء لتوجهاتهم الحزبية الأصلية، على الرغم من حصولهم على تزكيات من أحزاب أخرى؛ وهو ما يصفه البعض بإخفاء “القبعة الحزبية” الحقيقية.

وأوضح المحلل السياسي نفسه أن منتقدي الترحال السياسي يرون أن أغلب حالات الانتقال تتم قبيل الاستحقاقات الانتخابية مباشرة، وترتبط بالحصول على التزكية أو ضمان المقعد الانتخابي أكثر من ارتباطها بتحول فكري أو سياسي حقيقي؛ ما يجعلها أقرب إلى منطق المصلحة الخاصة منه إلى منطق الاقتناع السياسي.

واعتبر أحمد درداري الظاهرة مركبة تتداخل فيها اعتبارات القناعة والمصلحة في آن واحد؛ غير أن تكراره المكثف قبيل الانتخابات يعزز لدى الرأي العام الانطباع بأن الدافع الانتخابي والشخصي يظل، في كثير من الأحيان، أقوى من الدافع الفكري أو البرنامجي.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

14
  • محمد سلا
    الخميس 25 يونيو 2026 - 07:12

    ليست بقناعات بل هي حسابات مالية و مصالح شخصية و ماذا سيجني من هذا الانتقال المصلحة الشخصية و الصفقات هي الأولى نفس الوجوه نفس الخطاب نفس الوعود المواطن خصوا يعيق راه بزاف هدشي كلهم يقومون بجولات و انتقالات مكوكية من أجل المصلحة الشخصية لماذا لم يزوروا المناطق الناءية خلال الخمس السنوات الماضية و لا دبا الانتخابات و الوعود الكاذية و المصالح.

  • عيد سعيد
    الخميس 25 يونيو 2026 - 07:32

    لا قناعات و لا يحزنون. كل يفكر في الكرسي لمصالحه لاغير.

  • متتبع
    الخميس 25 يونيو 2026 - 07:36

    أبسط مطلب هو الرجوع للساعة القانونية غرينيتش فشلت فيه كل الأحزاب ،أما الغلاء ففي تصاعد مستمر….. الأحزاب همها المصالح الشخصية و كسب الكراسي فقط

  • اللهفة...
    الخميس 25 يونيو 2026 - 07:44

    مكاين لا قناعات و لا هم يحزنون، كاين غير المصلحة الخاصة و البحث عن المناصب… لا أحد يفكر قي الصالح العام الا من رحم ربي…

  • فسة ومفسدين
    الخميس 25 يونيو 2026 - 07:57

    هنا يبين لنا ما يهمهم هو مصالحهم الشخصية لا يهمهم لا مواطن ولا الوطن…..فسدة ومفسدين

  • مجرد رأي قد يكون خاطئا
    الخميس 25 يونيو 2026 - 08:03

    هاد السياسيين ما عندهم مبادئ ما عندهم مرجعيات ما عندهم برامج…عندهم لفلوس و صافي…عندهم طرق لا يعرفونها إلا هم للوصول للمنصب

  • بوعرفة الطاهر
    الخميس 25 يونيو 2026 - 08:13

    تقمص العديد من السياسيين للون حزب معين او التنقل بينهما لا علاقة له بخدمة الشعب المغربي و لا لاي عمل له مردودية بقدر ما هو سعي للحصول على المال و الامتيازات ،فهناك العديد ممن تقمص ازيد من خمسة احزاب يمينا و يسارا و عند وصوله البرلمان لا تشاهده يتدخل و لو مرة واحدة

  • عمر
    الخميس 25 يونيو 2026 - 08:56

    أعجبت برأي رئيس المركز الدولي لرصد الأزمات واستشراف السياسات وكأن النواب مثل …

  • شريد الليل
    الخميس 25 يونيو 2026 - 11:40

    المصلحة الشخصية هي من تدفع إلى تغيير الحزب والانخراط في حزب يعتقد انه هو من سيفوز بالمرتبة الأولى .اما المصلحة العامة ليست في قاموس كل الاحزاب الكل يقول انا ومن بعدي الطوفان

  • Sos
    الخميس 25 يونيو 2026 - 11:41

    الانتقال من حزب إلى حزب يدل على استهتار بالمصلحة الوطنية و نفاق سياسي صارخ لان المنتخب عازج عن تحقيق ذاته كلبة في هرم الرقي و التقدم و الرفاه الذي تناشده الامم اذ بحمل عدة اقنعة مزيفة لخدمة مصلحته فقط و الفساد ناسيا بأن راس الحكمة مخافة الله تعالى و ان الحساب هنا في الدنيا اي إلى م و ظلم الناس الذي يؤدي إلى طريق سقر لواحة البشر و العيذ بالله

  • احمد علي
    الخميس 25 يونيو 2026 - 12:41

    التهافت على الكراسي البرلمانية و الانتقالات العشوائية ليسا بجديدين و مع انسحاب الجماهير الشعبية و عزوفها عن المشاركة في الاستحقاقات الانتخالية دليل علىانعدام الثقة في هؤلاء المتهافتين الذي لا يظهرون الا في اللحظات الأخيرة ليختفوا بعد حصولهم على المقعد او يخلدوا الى النوم العميق داخل قبة البرلمان وهذا أمر مؤسف ويضر بالمصالح العليا للوطن .

  • abdellhamid zrira
    الخميس 25 يونيو 2026 - 14:44

    ملاحظ
    لم يكن يوما الترحال الحزبي قناعة فكرية أو مبدئية! وخاصة في أحزاب حديثة النشأة! إنها المصلحة تحركهم وتجعلهم يلهثون خلف التزكية مهما كان ثمنها .
    لقد كتبت عنها صحف الأحزاب الوطنية في السبعينات و الثمانينات و التسعينات حتى لم يعد لهذه الكتابة طعم ولا مذاق !
    المسؤولية يتحملها بالدرجة الأولى المواطن الذي يذهب إلى صندوق الاقتراع وبصوت على أمثال هذه المخلوقات التي لا تعرف طعم الشبع!
    على المواطن ألا يشتكي إذا أساء الاختيار يوم الاقتراع !

  • مغربي
    الخميس 25 يونيو 2026 - 15:28

    ملاحظة. المواطنون مامسوقينش لهاد الانتخابات وليس في علمهم. وليس في علمهم متى ستجرى. واذا سالتهم عن التصويت يقولون لك على من اصوت على واحد يكتسب تروةعلىظهري.مامصوتش.

  • سعدون M
    الخميس 25 يونيو 2026 - 17:57

    الثعابين تغير جلدها كل حين وكذلك افراد الأحزاب كلما احدثوا في حزب واعطات ريحتهم فروا الى آخر ليحدثوا فيه

صوت وصورة
لقاء خاص | عبد اللطيف وهبي
الخميس 1 أكتوبر 2026 - 22:45 4

لقاء خاص | عبد اللطيف وهبي

صوت وصورة
التسعيرة ثابتة و''المازوط'' غالي
الخميس 1 أكتوبر 2026 - 20:32 5

التسعيرة ثابتة و''المازوط'' غالي

صوت وصورة
عرشان يدعم "حكومة المنصوري"
الخميس 1 أكتوبر 2026 - 13:42 5

عرشان يدعم "حكومة المنصوري"

صوت وصورة
الاتحاد الدستوري في مقر "البام"
الخميس 1 أكتوبر 2026 - 12:43 2

الاتحاد الدستوري في مقر "البام"

صوت وصورة
شراكة أكديطال ووكالة بيت مال القدس
الخميس 1 أكتوبر 2026 - 11:55 1

شراكة أكديطال ووكالة بيت مال القدس

صوت وصورة
عفيف: الديفتيريا خطيرة واللقاح ناجع
الخميس 1 أكتوبر 2026 - 10:49

عفيف: الديفتيريا خطيرة واللقاح ناجع