الأبيقورية في السينما

الأبيقورية في السينما
الأربعاء 15 يوليوز 2026 - 23:39

سينما التمهل ووالتأمل واكتشاف الجمال

متى فقد الإنسان قدرته على الإصغاء إلى نبض الحياة وهو يركض خلف أوهام الامتلاء؟ وكيف تحولت السينما، في زمن يقدس السرعة والضجيج والاستهلاك، إلى سباق محموم نحو الإثارة، بينما كانت السينما تملك منذ ولادتها قدرة نادرة على تعليم الإنسان فن التمهل، وتأمل العالم، ومصالحة الروح مع هشاشتها الجميلة؟ وهل يمكن للصورة أن تصبح فلسفة، وللصمت أن يغدو خطابًا، ولتفصيل عابر كارتجافة ورقة في مهب الريح، أو انعكاس ضوء على نافذة قديمة، أن يكشف من المعنى ما تعجز عنه الحكايات الصاخبة؟

وتولد الأبيقورية في السينما من هذا السؤال الوجودي العميق، لا بوصفها مدرسة مغلقة أو مذهبًا سينمائيًا معلنًا، وإنما باعتبارها رؤية جمالية وفلسفية تعيد الاعتبار إلى الإنسان حين يتحرر من خوفه، ويخفف أثقال رغباته، ويعيد اكتشاف ثراء ما اعتاد أن يراه عاديًا. إنها سينما ترفض أن تجعل البطولة رهينة القوة، أو النجاح أسير الامتلاك، أو السعادة نتيجة تراكم الأشياء، لأن أعظم الانتصارات، في منطقها، تتحقق داخل النفس قبل أن تتحقق في العالم.

ومن هنا تغدو الشاشة مرآة لأسئلة الوجود الكبرى، لا ساحة لاستعراض الأجوبة الجاهزة. فكل لقطة طويلة تصبح زمنًا للتأمل، وكل صمت، هو مساحة لإعادة بناء الذات، وكل مشهد طبيعي وعدًا خفيًا بأن العالم ما يزال قادرًا على احتضان الإنسان إذا أحسن الإصغاء إليه. إنها سينما تقاوم جنون العصر بهدوء الحكيم، وتواجه صخب الحضارة بقوة البساطة، وتذكرنا بأن الجمال لا يقيم في الاستثناء، وإنما يختبئ في أكثر تفاصيل الحياة تواضعًا.

ماهية المدرسة الأبيقورية في السينما

لا تمثل المدرسة الأبيقورية في السينما تيارًا سينمائيًا مؤسسًا يحمل بيانًا فنيًا أو جماعة من المخرجين الذين أعلنوا انتماءهم الصريح إلى فلسفة أبيقور، وإنما هي قراءة فلسفية لمجموعة من الأفلام التي جعلت من البحث عن السكينة والتحرر من الخوف والعيش وفق الطبيعة والانتصار للذة العقلية المعتدلة، محورًا لبنائها الدرامي والجمالي. فالسينما الأبيقورية لا تمجد اللذة بوصفها انغماسًا في الشهوات، ولكنها تراها حالة من التوازن الداخلي، يتحرر فيها الإنسان من الخوف من الموت، ومن القلق إزاء المستقبل، ومن عبودية الرغبات التي لا تنتهي. ولهذا فإنها تنتمي إلى سينما التأمل الإنساني، والسينما الفلسفية، والسينما الوجودية الهادئة، أكثر من انتمائها إلى سينما الإثارة أو الصراع التقليدي.

وتنطلق هذه الرؤية من التصور الذي وضعه أبيقور للحياة السعيدة، حيث اعتبر أن أعظم اللذات هي غياب الألم الجسدي واضطراب النفس، وأن الحكيم هو من يكتفي بما هو ضروري، ويقيم صداقات صادقة، ويتصالح مع محدودية وجوده. وعندما انتقلت هذه الأفكار إلى السينما، أصبحت الشخصيات تبحث عن معنى الحياة في تفاصيلها اليومية، لا في البطولات الكبرى أو الثروات أو السلطة، لذلك تمتلئ الأفلام ذات النزعة الأبيقورية بشخصيات تنسحب من ضجيج العالم، أو تعيد اكتشاف الطبيعة، أو تبحث عن السلام الداخلي بعيدًا عن الاستهلاك والتنافس.

وتقوم هذه السينما على إعادة تعريف البطولة. فالبطل الأبيقوري ليس المنتصر في المعارك، وإنما المنتصر على مخاوفه، وليس الأغنى، ولكنه الأكثر قدرة على القناعة، وليس الأقوى جسدًا، وإنما الأهدأ روحًا. إنه إنسان يكتشف أن السعادة ليست في امتلاك العالم، ولكن في امتلاك ذاته. ولهذا تغدو الأحداث الخارجية أقل أهمية من التحولات النفسية والفكرية التي يعيشها البطل.

وتنعكس هذه الفلسفة أيضًا في الأسلوب البصري، حيث تفضل الإيقاع الهادئ، واللقطات الطويلة، والطبيعة بوصفها فضاءً للسكينة، والإضاءة الطبيعية، والصمت الذي يصبح لغة قائمة بذاتها. كما تبتعد عن المبالغة في الموسيقى والمؤثرات، لأن هدفها ليس إثارة المشاهد، وإنما دعوته إلى التأمل وإعادة النظر في معنى الحياة.

وقد جسدت هذه الرؤية أفلام مثل Paterson، وPerfect Days، وSpring, Summer, Fall, Winter… and Spring، حيث تتحول الحياة اليومية البسيطة إلى تجربة فلسفية عميقة، ويصبح الهدوء فعلًا من أفعال المقاومة، والقناعة شكلًا من أشكال الحرية. وكأن هذه الأعمال تردد المقولة المنسوبة إلى أبيقور: “ليس الفقير من يملك القليل، ولكن الفقير من لا يشبع”، وتضيف إليها بلسان شخصياتها الفيلمية: “السعادة تبدأ عندما نتوقف عن مطاردة ما لا نحتاج إليه.”

خصائص المدرسة الأبيقورية في السينما

تتميز المدرسة الأبيقورية في السينما بمجموعة من الخصائص الفكرية والجمالية التي تجعلها مختلفة عن السينما القائمة على الصراع الدائم أو البطولة الخارقة. فهي تنظر إلى الإنسان باعتباره كائنًا يبحث عن الطمأنينة قبل المجد، وعن السلام الداخلي قبل الانتصار الخارجي. ومن هنا يصبح الحدث السينمائي حدثًا نفسيًا وفلسفيًا أكثر منه مغامرة درامية، ويغدو الزمن مساحة للتأمل لا مجرد وسيلة لتسريع الوقائع.

وتقوم هذه السينما على مبدأ الاقتصاد في السرد، فلا تعتمد على كثرة الأحداث أو المفاجآت، وإنما تمنح التفاصيل اليومية قيمة وجودية. فمشهد إعداد الطعام، أو السير في الغابة، أو الجلوس بصحبة الأصدقاء، أو مراقبة المطر، قد يصبح أكثر أهمية من مشهد مطاردة أو معركة. ولا تعتبر التفاصيل الصغيرة هنا هامشًا، ولكنها جوهر الحياة، لأنها تعيد الإنسان إلى إيقاعه الطبيعي، بعيدًا عن ضغط الاستهلاك والسرعة.

كما تتسم شخصياتها بالبساطة والتواضع. فهي ليست شخصيات مثالية أو بطولية، وإنما أفراد عاديون يسعون إلى تجاوز الخوف والقلق، وإلى التحرر من الرغبات التي تستنزف أرواحهم. وغالبًا ما يكون الصراع الحقيقي داخل النفس، حيث يواجه الإنسان طموحه المفرط، أو خوفه من الزمن، أو تعلقه بما لا يستطيع الاحتفاظ به. ولذلك فإن النهاية لا تكون انتصارًا على خصم، وإنما مصالحة مع الذات والعالم.

وتنعكس هذه الفلسفة في الصورة السينمائية، إذ تكثر اللقطات الثابتة، والإضاءة الطبيعية، والألوان الهادئة، والأصوات البيئية التي تمنح المكان حضوره الحقيقي. كما يحضر الصمت بوصفه عنصرًا دراميًا، لأنه يسمح للشخصيات بالتفكير وللمتفرج بالمشاركة في التجربة التأملية. وتصبح الطبيعة شريكًا في السرد، بما تحمله من دلالات على التوازن والديمومة والتجدد.

ومن أبرز المخرجين الذين اقتربوا من هذا التصور ياسوجيرو أوزو، الذي جعل من الحياة العائلية البسيطة موضوعًا فلسفيًا، والمخرج الأمريكي جيم جارموش، الذي احتفى بإيقاع الحياة الهادئة، وفيم فندرز، الذي صور الإنسان وهو يعثر على المعنى في أبسط تفاصيل يومه، وكيم كي دوك، الذي ربط السكينة بالطبيعة والتأمل.

وتبرز هذه الخصائص في أفلام مثل Tokyo Story، وPaterson، وPerfect Days، وSpring, Summer, Fall, Winter… and Spring، حيث تتراجع الأحداث الصاخبة أمام قوة التأمل، ويصبح الاكتفاء بما هو ضروري طريقًا إلى الحرية. ويختصر أبيقور هذه الرؤية بقوله: «إذا أردت أن تجعل إنسانًا غنيًا، فلا تضف إلى ثروته، بل أنقص من رغباته»، وهي عبارة تبدو وكأنها الشعار الخفي لهذه السينما.

الأبيقورية في السينما وأهم أفلامها وقصصها

تتجلى التطبيقات السينمائية للفلسفة الأبيقورية في الأعمال التي تجعل من الحياة اليومية مختبرًا للتأمل، ومن الإنسان العادي بطلًا لا لأنه يغير العالم، ولكنه لأنه ينجح في تغيير علاقته به. ولا تبحث السينما الأبيقورية عن الأحداث الاستثنائية، وإنما عن الحكمة الكامنة في التفاصيل الصغيرة، وتفترض أن أعظم الانتصارات هي تلك التي تتحقق داخل النفس. لذلك فإن قصصها تدور حول شخصيات تتخلى تدريجيًا عن وهم الامتلاك، وتتعلم أن السعادة تنبع من الاكتفاء ومن الصداقة ومن العمل البسيط، ومن التصالح مع الزمن.

وتظهر هذه التطبيقات بوضوح في فيلم Perfect Days / ” أيام رائعة “، حيث يعيش البطل حياة متواضعة يعمل فيها منظفًا للمراحيض العامة، لكنه يجد في الموسيقى والكتب والأشجار والضوء المتسلل عبر الأغصان عالمًا كاملًا من الطمأنينة. ولا يسعى إلى تغيير واقعه، وإنما إلى اكتشاف الجمال الكامن فيه، وكأن الفيلم يترجم المقولة الأبيقورية التي ترى أن السعادة ليست في كثرة الممتلكات، وإنما في حسن استعمال ما نملك.

وفي فيلم ” باترسون ” للمخرج جيم جارموش، يعيش سائق الحافلة حياة رتيبة، إلا أنه يحولها إلى تجربة شعرية من خلال كتابة القصائد ومراقبة تفاصيل المدينة. وهنا تصبح الكتابة فعلًا من أفعال التحرر، ويغدو الروتين مصدرًا للإبداع بدل أن يكون سببًا للملل. أما Spring, Summer, Fall, Winter… and Spring فيربط السكينة بدورات الطبيعة، ويصور الإنسان وهو يتعلم أن الرغبة غير المنضبطة هي أصل الألم، وأن العودة إلى البساطة هي طريق الخلاص.

وتحضر الروح الأبيقورية أيضًا في My Neighbor Totoro/ ” جاري توتورو” (1988)، للمخرج هايو ميازاكي، حيث يتحول العالم الطبيعي إلى فضاء للدهشة والطمأنينة، وفي Into the Wild/ ” في البرية ” (2007) للمخرج والممثل الأمريكي شين بيين، الذي يناقش فكرة التحرر من المجتمع الاستهلاكي، وإن كان ينتهي بإبراز أن السعادة تبلغ كمالها عندما تُشارك مع الآخرين، وهو ما ينسجم مع المكانة التي منحها أبيقور للصداقة بوصفها أعظم مصادر الأمن النفسي.

وتشترك هذه الأفلام في بناء درامي هادئ، يعتمد على التأمل أكثر من الإثارة، وعلى التحولات الداخلية أكثر من الانقلابات الخارجية. فلا يوجد فيها شرير تقليدي، بقدر ما يوجد فيها خصم الإنسان هو خوفه، وجشعه، وقلقه، ووهمه بأن السعادة مؤجلة دائمًا إلى المستقبل. ومن هنا يصبح الزمن نفسه معلمًا، والطبيعة صديقة، والعمل اليومي ممارسة روحية، والهدوء قيمة أخلاقية.

ويعبر أبطال هذه الأفلام عن هذه الفلسفة من خلال عبارات أصبحت قريبة من روح الأبيقورية، مثل قول بطل فيلم ” أيام رائعة “: “الآن هو الآن، والمرة القادمة هي المرة القادمة”، وقول أبيقور: «من لا يكتفي بالقليل، فلن يكتفي بالكثير»، وهي خلاصة رؤية سينمائية تجعل من الحياة البسيطة أعظم أشكال الثراء، ومن السلام الداخلي أسمى انتصار يمكن للإنسان أن يحققه.

أهم مخرجي المدرسة الأبيقورية في السينما

لا يوجد في تاريخ السينما مخرجون أعلنوا تأسيس مدرسة أبيقورية بالمعنى النظري، لكن عدداً من كبار السينمائيين اقتربوا من فلسفة أبيقور في تصورهم للحياة والإنسان، فجعلوا من البساطة، والسكينة، والتأمل، والعيش وفق الطبيعة، مرتكزات أساسية لأعمالهم. وهؤلاء لا يجمعهم أسلوب بصري واحد، وإنما توحدهم رؤية فلسفية ترى أن الإنسان يستطيع أن يبلغ السعادة من خلال التحرر من الخوف، والتخفف من الرغبات، والانسجام مع إيقاع الوجود.

ويأتي في مقدمة هؤلاء المخرج الياباني ياسوجيرو أوزو، الذي يعد أحد كبار شعراء الحياة اليومية في تاريخ السينما. فكاميراه الهادئة، وإيقاعه البطيء، واهتمامه بالعائلة، والزمن، والشيخوخة، تكشف عن إيمان عميق بأن الحياة لا تُقاس بالأحداث الكبرى، وإنما بالعلاقات الإنسانية البسيطة. وفي أفلامه لا ينتصر أحد على أحد، بل يتعلم الجميع قبول التغير باعتباره قانونًا طبيعيًا.

ويبرز كذلك المخرج الألماني فيم فندرز، الذي منح الإنسان العادي مكانة البطولة، كما في فيلم Perfect Days، حيث تصبح العناية بالأشياء الصغيرة، والاستماع إلى الموسيقى، وقراءة الكتب، والتأمل في الأشجار، وسائل لاكتشاف معنى الحياة. وتؤكد أعماله أن الكرامة لا ترتبط بالمكانة الاجتماعية، وإنما بقدرة الإنسان على العيش بسلام مع ذاته.

واما المخرج الأمريكي جيم جارموش، فقد جعل من الصمت، والروتين، والانتظار، عناصر جمالية قائمة بذاتها. ففي Paterson يتحول الروتين اليومي إلى تجربة شعرية، ويصبح الإبداع ثمرة التأمل في تفاصيل تبدو عادية للوهلة الأولى. إنه يقدم سينما تدعو إلى التمهل، وإلى اكتشاف الجمال في الأشياء التي يمر بها الناس كل يوم دون انتباه.

ويحتل هاياو ميازاكي مكانة خاصة في هذا السياق، رغم انتمائه إلى سينما التحريك. فهو يجعل الطبيعة كائنًا حيًا يستحق الاحترام، ويصور الطفولة باعتبارها المرحلة التي يعيش فيها الإنسان في انسجام مع العالم قبل أن تفسده الرغبات المادية. وتبدو أفلامه دعوة إلى استعادة البراءة، وإلى حماية العلاقة بين الإنسان والبيئة.

كما يقترب كيم كي دوك من الحس الأبيقوري عندما يربط السكينة بالعزلة، والتطهر الروحي، والتأمل في الطبيعة، كما في فيلم الكوري الجنوبي للمخرج كيم دوك في فيلم Spring, Summer, Fall, Winter… and Spring، حيث يتحول المكان إلى فضاء للتأمل الفلسفي، ويصبح الزمن وسيلة لنضج الإنسان واكتشاف حدوده.

وتؤكد أعمال هؤلاء المخرجين أن السينما ليست مجرد وسيلة لسرد القصص، ولكن يمكن أن تكون فلسفة بصرية تعلم الإنسان كيف يعيش. ولذلك تبدو مقولة أبيقور: «السعادة الحقيقية تقوم على الاكتفاء والطمأنينة»، وكأنها المفتاح الذي يفسر عالمهم السينمائي. كما تعبر عبارة بطل فيلم ” أيام رائعة “:

” في كل يوم شيء جديد، حتى لو بدا كل شيء كما هو»، عن جوهر هذه الرؤية التي ترى أن الهدوء ليس فراغًا، وإنما امتلاء بالحياة، وأن البساطة ليست فقرًا، ولكنها أعلى درجات الحكمة.

البنية السردية والجمالية في السينما الأبيقورية

تقوم البنية السردية في السينما الأبيقورية على مبدأ أن الحياة ليست سلسلة من الأحداث الاستثنائية، وإنما نسيج من اللحظات اليومية التي تصنع هوية الإنسان وتحدد علاقته بالعالم. ولهذا فإن الحبكة لا تعتمد على التصعيد التقليدي، ولا على الصراعات العنيفة، ولكنها تتأسس على تطور داخلي هادئ، يجعل الشخصية تنتقل من القلق إلى السكينة، ومن التعلق بالأشياء إلى التصالح مع الذات. ولا تتأسس الدراما هنا على دراما الانتصار على الآخرين، وإنما دراما الانتصار على الخوف والرغبة والاضطراب.

وتنعكس هذه الرؤية على الإيقاع السينمائي، إذ تتباطأ الحركة عمدًا، وتطول اللقطات، ويصبح الصمت لغة موازية للحوار. فالصورة لا تشرح الفكرة، ولكنها تدعو المشاهد إلى التأمل فيها. ولهذا تحضر الطبيعة بقوة؛ الأشجار، والمياه، والجبال، والسماء، والرياح، وأصوات الطيور، باعتبارها عناصر تذكر الإنسان بأنه جزء من نظام كوني أكبر منه. كما تتجنب هذه السينما المبالغة في الموسيقى والمؤثرات البصرية، لأن الجمال الحقيقي، في تصورها، يكمن في البساطة والانسجام.

وتتميز الشخصيات الأبيقورية بأنها لا تبحث عن السلطة أو الشهرة أو الثروة، وإنما عن حياة متوازنة. فهي شخصيات تقبل الفشل بوصفه جزءًا من التجربة الإنسانية، وتدرك أن الزمن لا يمكن مقاومته، وأن السعادة ليست حالة دائمة، وإنما لحظات من الرضا والطمأنينة ينبغي استقبالها والامتنان لها. ومن هنا فإن النهاية لا تكون انتصارًا دراميًا حاسمًا، وإنما لحظة وعي تجعل الإنسان أكثر تصالحًا مع نفسه.

وتبرز هذه السمات في أفلام مثل After Life/ ” ما بعد الحياة ” (1998) للمخرج الياباني هيروكازو كوريدا، حيث يُطلب من الموتى اختيار ذكرى واحدة يحتفظون بها إلى الأبد، فيتحول الفيلم إلى تأمل في قيمة اللحظات البسيطة، وفي The Straight Story/ ” الحكاية الحقيقية ” (1999) الذي يجعل رحلة رجل مسن بطيئة عبر الريف مناسبة للتأمل في المصالحة والعائلة والزمن، وفيفيلم ” أيام رائعة “، الذي يؤكد أن الحياة السعيدة يمكن أن تُبنى من تفاصيل متكررة، إذا امتلك الإنسان عينًا ترى الجمال فيما اعتاده الآخرون.

وقد عبرت الفلسفة الأبيقورية عن نفسها حينما أصبحت مرجعًا لهذه القراءة السينمائية، إذ يقول أبيقور: «لا تُفسد ما لديك بالرغبة فيما ليس لديك» ويقول أيضًا: «من لا يكتفي بالقليل، فلن يكتفي بالكثير» ويضيف: «أعظم ثمرة للاكتفاء هي الحرية» أما في فيلم Perfect Days فيقول البطل: «العالم يتغير في كل مرة تنظر إليه». وفي فيلم ” باترسون ” وفي تتردد الفكرة التي تجعل الشعر والحياة شيئًا واحدًا، حيث يصبح الإصغاء إلى التفاصيل اليومية طريقًا لاكتشاف المعنى.

ولا يشكل هذا الحوار بوصفه حكمًا أخلاقيا فحسب، وإنما يمثل فلسفة بصرية كاملة، تؤمن بأن الإنسان كلما اقترب من البساطة، اقترب من ذاته، وكلما تحرر من الخوف والرغبات الزائدة، أصبح أكثر قدرة على أن يعيش حياة هادئة، متوازنة، ومفعمة بالمعنى.

القيمة الفلسفية والإنسانية للمدرسة الأبيقورية في السينما

تمثل المدرسة الأبيقورية في السينما إحدى أكثر المقاربات الفلسفية قدرة على مساءلة الإنسان المعاصر، لأنها تنطلق من سؤال بسيط في ظاهره، وعميق في جوهره: ما الذي يجعل الحياة جديرة بأن تُعاش؟ وهي لا تجيب عن هذا السؤال بالبطولة أو الثروة أو السلطة، وإنما ترى أن السعادة الحقيقية تنشأ من التحرر من الخوف، ومن الاعتدال في الرغبات، ومن بناء علاقة متوازنة مع الذات والآخرين والطبيعة. ولذلك فإنها تقف على النقيض من السينما التي تمجد العنف أو الاستهلاك أو النجاح المادي، وتقدم بدلاً منها فلسفة للحياة اليومية، تجعل الإنسان يعيد اكتشاف قيمة اللحظة الحاضرة.

ولقد ازدادت أهمية هذه الرؤية في القرن الحادي والعشرين، مع اتساع الأزمات النفسية، وتسارع إيقاع الحياة، وهيمنة التكنولوجيا، وثقافة المنافسة الدائمة. فأصبح الإنسان يعيش تحت ضغط الإنجاز المستمر، ويقيس قيمته بما يملكه لا بما يكونه. ومن هنا جاءت السينما الأبيقورية لتطرح سؤالًا نقديًا: هل السعادة تكمن فعلًا في امتلاك المزيد، أم في الحاجة إلى القليل؟ وهل الحرية هي كثرة الخيارات، أم التحرر من عبودية الرغبات؟ وهكذا تتحول الشاشة إلى فضاء فلسفي يعيد ترتيب أولويات الإنسان، ويجعله يراجع مفهوم النجاح نفسه.

وتتميز هذه السينما أيضًا بأنها تمنح الصداقة مكانة مركزية، انسجامًا مع فلسفة أبيقور الذي اعتبرها من أعظم مصادر الطمأنينة. ولذلك فإن العلاقات الإنسانية فيها تقوم على المشاركة والتعاطف والإخلاص، لا على المنفعة أو التنافس. كما تمنح الطبيعة حضورًا رمزيًا، فتغدو الأشجار والأنهار والجبال والفصول شخصيات موازية للبشر، تذكرهم بأنهم جزء من نظام كوني أكبر، وأن الانسجام مع الطبيعة هو أحد شروط الانسجام مع النفس.

ختاما

لم تعد الفلسفة الأبيقورية حاضرة في أفلام التأمل فقط، ولكنها امتدت إلى كثير من الأعمال التي تناقش الشيخوخة، والعزلة، والذاكرة، والوقت، والعمل، والعلاقات الإنسانية، حيث يصبح الإنسان مدعوًا إلى إعادة اكتشاف البساطة باعتبارها قيمة حضارية وأخلاقية، لا علامة على الفقر أو العجز. إن هذه السينما لا تدعو إلى الانسحاب من العالم، وإنما إلى العيش فيه بوعي واتزان، وإلى مقاومة الاستهلاك المفرط، والضجيج، والخوف، عبر بناء حياة أكثر صفاءً.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

صوت وصورة
حكايات ما تقالتش | الرابور علي صامد
الجمعة 9 أكتوبر 2026 - 23:30

حكايات ما تقالتش | الرابور علي صامد

صوت وصورة
ميطا 3 | هل حسم المغرب لقب "الكان"؟
الجمعة 9 أكتوبر 2026 - 21:23 3

ميطا 3 | هل حسم المغرب لقب "الكان"؟

صوت وصورة
ليلة رعب في أولاد عياد
الجمعة 9 أكتوبر 2026 - 20:45 2

ليلة رعب في أولاد عياد

صوت وصورة
المعارضة وتفعيل التوجيهات الملكية
الجمعة 9 أكتوبر 2026 - 20:30 2

المعارضة وتفعيل التوجيهات الملكية

صوت وصورة
إشادات بمضامين الخطاب الملكي
الجمعة 9 أكتوبر 2026 - 20:02 4

إشادات بمضامين الخطاب الملكي

صوت وصورة
الملك محمد السادس يترأس افتتاح البرلمان
الجمعة 9 أكتوبر 2026 - 16:00 8

الملك محمد السادس يترأس افتتاح البرلمان