موجات الحر تضغط على المزاج.. أخصائيون يحذرون من تداعيات نفسية

موجات الحر تضغط على المزاج.. أخصائيون يحذرون من تداعيات نفسية
صورة: و.م.ع
السبت 18 يوليوز 2026 - 03:00

مع كل صيف، تعود موجات الحر لتفرض نفسها بوصفها أحد أبرز التحديات التي تواجه الأفراد والمجتمعات، ويتركز الاهتمام غالبا على آثارها الصحية المباشرة، بينما تظل جوانب أخرى لا تقل أهمية بحاجة إلى مزيد من الوعي والنقاش، وفي مقدمتها تأثيرات موجات الحر على الحالة النفسية وما تتركه من انعكاسات على المزاج وجودة الحياة اليومية.

في هذا الإطار، يؤكد أخصائيون نفسيون ضرورة فهم تداعيات موجات الحر الشديدة على الصحة النفسية، وإدماج هذا البعد ضمن النقاش حول آثارها، باعتباره جزءا لا يتجزأ من الصحة العامة، بما يرسخ مقاربة شمولية لا تقتصر على الجوانب الجسدية، بل تمتد إلى الرفاه النفسي وجودة الحياة.

الحرارة والمزاج

ندى الفضل، أخصائية ومعالجة نفسية إكلينيكية، قالت إنه “خلال فصل الصيف، ومع توالي موجات الحر وارتفاع درجات الحرارة، ينصب الاهتمام غالبا على المخاطر الجسدية مثل الجفاف وضربات الشمس والإجهاد الحراري، بينما تبقى الآثار النفسية أقل تناولا رغم أهميتها وتأثيرها المباشر على جودة الحياة”، موردة أن “الدماغ، شأنه شأن باقي أعضاء الجسم، يتأثر بارتفاع الحرارة، مما ينعكس على الحالة المزاجية والانفعالية والسلوكية”.

وأضافت الفضل، في تصريح لهسبريس، أن “الأبحاث تشير إلى أن التعرض المستمر لدرجات حرارة مرتفعة قد يؤدي إلى زيادة الشعور بالتوتر والقلق، وسرعة الانفعال، وانخفاض القدرة على التركيز، والإرهاق الذهني، إضافة إلى اضطرابات النوم التي تُعد من أكثر المشكلات شيوعا خلال فصل الصيف”، مشيرة إلى أن “نقص النوم يؤثر بدوره في التوازن الانفعالي، ويزيد من الحساسية تجاه الضغوط اليومية”.

وأوضحت المتحدثة ذاتها أن “من أبرز الاضطرابات النفسية التي قد تتأثر خلال موجات الحر، اضطرابات القلق؛ إذ قد تزداد نوبات القلق والهلع بسبب التعرق، وتسارع ضربات القلب، وضيق التنفس، وهي أعراض قد يفسرها الشخص بأنها مؤشر على مرض خطير، مما يزيد من شدة القلق”، مضيفة أن “المصابين بالاكتئاب قد يشعرون بزيادة التعب، والخمول، وفقدان الطاقة، واضطراب النوم، وانخفاض الدافعية، وهو ما قد يؤدي إلى تفاقم الأعراض”.

وأبرزت الأخصائية والمعالجة النفسية الإكلينيكية أن “الحرارة المرتفعة، خاصة إذا اقترنت بقلة النوم، قد تؤدي إلى زيادة احتمال حدوث نوبات الهوس أو الهوس الخفيف لدى بعض المرضى المصابين بالاضطراب ثنائي القطب”، منبهة إلى أن “الاضطرابات الذهانية مثل الفصام قد تتأثر أيضا؛ إذ قد يؤدي الإجهاد الحراري والجفاف واضطراب النوم إلى زيادة شدة الهلاوس أو الضلالات لدى بعض المرضى”.

ولفتت الفضل إلى أن “اضطراب ما بعد الصدمة قد يشهد زيادة في أعراض فرط اليقظة والانفعال واسترجاع الذكريات الصادمة نتيجة الإرهاق الجسدي واضطراب النوم”، موضحة أن “الحرارة لا تسبب هذه الاضطرابات بشكل مباشر، لكنها قد تؤدي إلى تفاقم أعراضها أو زيادة خطر الانتكاسة لدى الأشخاص الذين يعانون منها مسبقا”.

وأفادت الفضل بأن “الفئات الأكثر عرضة للتأثر نفسيا خلال موجات الحر تشمل الأطفال والمراهقين، وكبار السن، والأشخاص المصابين باضطرابات نفسية أو أمراض مزمنة، والحوامل، والعاملين في الأماكن المفتوحة أو البيئات شديدة الحرارة، والأشخاص الذين يعيشون بمفردهم أو يفتقرون إلى الدعم الاجتماعي”.

وشددت على أن “تأثير الحرارة لا يقتصر على الفرد فقط، بل يمتد إلى العلاقات الاجتماعية؛ إذ تزداد سرعة الانفعال وينخفض مستوى الصبر، مما قد يؤدي إلى ارتفاع الخلافات الأسرية، وزيادة التوتر بين الأزواج، وتصاعد النزاعات في بيئة العمل، وضعف القدرة على التواصل واتخاذ القرارات بهدوء، لذلك فإن فهم تأثير الحرارة على السلوك يساعد على تجنب الكثير من الصراعات اليومية”.

واختتمت ندى الفضل تصريحها بالتأكيد على أن “حماية الصحة النفسية خلال فصل الصيف تستدعي الحرص على شرب كميات كافية من الماء، وتجنب التعرض المباشر للشمس في ساعات الذروة، والحصول على نوم كافٍ، وتهيئة مكان النوم ليكون معتدل الحرارة، وممارسة تمارين الاسترخاء والتنفس، وتقليل الضغوط اليومية قدر الإمكان، والالتزام بالعلاج بالنسبة للأشخاص الذين يعانون من اضطرابات نفسية، مع مراجعة الطبيب المختص عند ملاحظة أي تفاقم في الأعراض”.

اضطراب صيفي

من جانبه، قال إبراهيم الحسناوي، أخصائي نفسي إكلينيكي، إن “الدماغ، من الناحية الإكلينيكية، لا يتعامل مع الحرارة المفرطة كعامل إزعاج فقط، بل كتهديد يطلق سلسلة من التفاعلات النفسية والعصبية”، موضحا أن “ارتفاع حرارة الجسم يرفع إفراز هرمونات التوتر، مثل الكورتيزول والأدرينالين، وفي الوقت نفسه تنخفض مستويات السيروتونين، وهو هرمون ضبط المزاج، ما يجعل الإنسان في حالة تأهب دفاعي تعرف بـ’ردة فعل القتال أو الهروب’، وهو ما يفسر سرعة الاستثارة والغضب لأتفه الأسباب”.

وأضاف الحسناوي، في تصريح لهسبريس، أن “الجسم يستهلك طاقة هائلة لمحاولة تبريد نفسه، مما يقلل من تدفق الدم والأكسجين إلى القشرة الجبهية في الدماغ، فتكون النتيجة ضعفا في التركيز وتراجعا في القدرة على حل المشكلات، وهو ما تؤكده الأبحاث الطبية حول التأثيرات العصبية للحرارة المفرطة على الدماغ”.

وأشار المتحدث ذاته إلى أن “هناك فئة تعاني مما يعرف بـ’الاضطراب الوجداني الفصلي الصيفي’، رغم أن اكتئاب الشتاء أكثر شهرة، ويتميز هذا الاضطراب بالشعور بالانزعاج الداخلي والأرق المرتبط بالحرارة الخانقة التي تفرض العزلة المنزلية وتحد من الحركة”.

وأشار الأخصائي النفسي الإكلينيكي إلى أن “علم النفس الاجتماعي يتحدث عما يعرف بفرضية الحرارة، التي تؤكد أن معدلات العنف اللفظي والجسدي ترتفع بشكل طردي مع ارتفاع درجات الحرارة”، موضحا أن “الإنسان، عندما يشعر بالانزعاج الجسدي بسبب التعرق والحر، يميل لا شعوريا إلى إلقاء اللوم على أقرب شخص في محيطه، وهو ما يسمى إكلينيكيا بـ’سوء عزو الاستثارة'”، مضيفا أن “الخلاف الزوجي الذي قد ينفجر في غشت حول ترتيب المنزل قد لا يكون في حقيقته سوى تفريغ لتوتر جسدي ناتج عن الحرارة المفرطة”.

وتابع الحسناوي أن “تأثيرات الحرارة تمتد أيضا إلى بيئة العمل، حيث تنخفض مستويات التسامح وتتآكل المرونة النفسية، فيصبح الموظف الذي كان يتجاوز عن أخطاء زملائه خلال الشتاء أكثر حدة في الصيف، وتكثر الصدامات المهنية بسبب التعب المتراكم”.

وشدد الأخصائي النفسي على أن “تأثيرات موجات الحر لا تقتصر على كبار السن والأطفال، بل تشمل المرضى نفسيا”، موضحا أن “العديد من الأدوية النفسية، مثل مضادات الاكتئاب ومضادات الذهان، تؤثر بشكل مباشر على منطقة تحت المهاد المسؤولة عن تنظيم حرارة الجسم، ما يقلل من القدرة على التعرق ويجعل المرضى أكثر عرضة للإجهاد الحراري، وهو ما رصدته الأبحاث من خلال ارتفاع حالات الانتكاس والإدخال إلى المستشفيات النفسية خلال موجات الحر”.

وأكد إبراهيم الحسناوي أن “الفئات الهشة اقتصاديا تعد بدورها من أكثر الفئات تأثرا؛ إذ تكشف الحرارة المرتفعة عن فجوة العدالة المناخية”، لافتا إلى أن “الضغوط النفسية تتضاعف لدى الأشخاص الذين لا يمتلكون وسائل تبريد أو يعيشون في مساكن ضيقة، حيث يتراكم الضغط الاقتصادي مع الضغط البيولوجي الناتج عن الحرارة، مما يولد شعورا بالعجز والاختناق، وهو ما تحذر منه تقارير الجمعية الأمريكية للطب النفسي تحت مسمى القلق البيئي”.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

4
  • مراكشي
    السبت 18 يوليوز 2026 - 07:50

    بصّح الصهد سبابو تّعويض ديال الشْجَر بالنّخْل فْالزّنَاقي المَغْريْبِيّة رَاه كَارِيثَة كْبِيْرَة، والنّاس الدّرَاوِيْش هُومَا لّي رَاهُم كَيْآكْلُو الدّق فْهَاد الصّهْد دْيَال كُلّ نْهَار.

    الشْجَر المْضَلّل كَيْحْجَب الشّمْس وكَيْبَرّد الجّو بْالْبْخَار دْيَال المَا.

    النّخْل بْحَال السّوَاري الحَافْيِيْن، مَافِيْهُمْش الظّل وكَيْخَلّيْو الكُودْرُوْن يَغْلِي بْالصّهْد لّي كَيْطْلَقْ الصهد فْاللّيْل.

    التّصْفِيَة دْيَال الهْوَا الشْجَر كْيَمّص الغَازَات السّامّة دْيَال الطّوْمُوْبِيْلَات وكَيْعْطِي الأكْسِجِيْن، أمّا النّخْل بْجْرِيْدُو الرّقِيْق مَا كَيْصَفّي وَالُو وخَنَق الرّيْة دْيَال المْدِيْنَة.

    الأمْرَاض والمَشَاكِل كْثَارُو المَرْضَى دْيَال الضّيْقَة والحَسّاسِيّة مْلّي مَابْقَاش المْصَفّي دْيَال الغُبَار، وكِبَار السّن والصّغَار مْهَدّدِيْن بْضَرْبَات الشّمْس.

    الحَيَوَانَات والطّيُوْر مَابْقَالْهُمْش فّيْن يْعَشّشُو ولاّ فّيْن يْتْخَبّعُو، بخارج فالرابط مابقاش بحال كان، والْمَشَاش وِالكْلَاب رَاهُم يْتْشْوْاوْ فْالكُودْرُوْن الحَامِي..

  • leila CHE
    السبت 18 يوليوز 2026 - 10:56

    واسي المراكشي الله يرحم من رباك و شكون سمعك وشكون فهمك حتى من المواطنين لوبي النخيل كمن يضع اصبعه في عينه مازال يوصلهم الصهد و معاه ذنوب البشر و الحجر و الشجر و الحيوانات و هاد البلاد.كلها يديهم معاه حتى الاخرة

  • Barghawata Zegrensis
    السبت 18 يوليوز 2026 - 11:41

    La « palmisation » du Maroc est une dérive écologique et financière issue de l’époque coloniale. Elle est aujourd’hui exploitée par les promoteurs immobiliers et les réseaux municipaux corrompus. En instrumentalisant le symbole religieux du palmier, ces acteurs dissimulent un désastre environnemental majeur au détriment de l’intérêt public.

    Aggravation de la chaleur : Les palmiers n’offrent aucune ombre, accentuant les îlots de chaleur urbains.

    Épuisement des ressources : Leur plantation massive assèche les nappes phréatiques en plein stress hydrique historique.

    Faible valeur écologique : Ils filtrent mal la pollution et capturent peu de CO2 par rapport aux feuillus.

    Saignée financière : Leur coût d’achat faramineux enrichit des pépinières privées avec l’argent public.

    Face à cela, des mouvements comme Maroc Environnement 2050 exigent l’arrêt immédiat de cette politique. Ils réclament le retour d’un couvert forestier indigène, plus résilient et adapté au climat.

  • ان كنت ناسي افكرك
    السبت 18 يوليوز 2026 - 15:25

    مايضغط على المزاج هو البؤس و الفقر و الفوضى و عشوائية المدن و الهمج والجهل.
    دول الخليج اشد حرارة.وينعم اهلها بالسكينة و الحبور

صوت وصورة
افتتاح السنة الدراسية بالمعهد البحري
الأربعاء 28 أكتوبر 2026 - 17:30

افتتاح السنة الدراسية بالمعهد البحري

صوت وصورة
المنصوري تصل إلى موسكو
الأربعاء 28 أكتوبر 2026 - 15:21 10

المنصوري تصل إلى موسكو

صوت وصورة
"القاعدة الجوية" .. شارع الحوادث
الأربعاء 28 أكتوبر 2026 - 11:36 5

"القاعدة الجوية" .. شارع الحوادث

صوت وصورة
كيف غيّر طلبة صربيا المشهد السياسي؟
الثلاثاء 27 أكتوبر 2026 - 22:11 1

كيف غيّر طلبة صربيا المشهد السياسي؟

صوت وصورة
"رايان إير" تعلن توسعا قياسيا بالمغرب
الثلاثاء 27 أكتوبر 2026 - 21:48 4

"رايان إير" تعلن توسعا قياسيا بالمغرب

صوت وصورة
أبعاد استراتيجية | قرار مجلس الأمن
الثلاثاء 27 أكتوبر 2026 - 19:01 1

أبعاد استراتيجية | قرار مجلس الأمن