لا يخلو جيل، ولا مجال، ولا جغرافيا، من تعبيرات جديدة، عن الوعي بالذات والمجتمع، والتعبير السياسي، المؤطّر وغير المؤطّر. وعبر الأزمنة، تتراكم في الذاكرة الجماعية وأرشيفات الأمم كلمات حملت همّا جمعيا، أو رفعت نبرة برأي.
وقد نتذكّر مغربيا تعبيرات مغنّاة عن هذه الآراء مثل “نحلة” التهامي المدغري، “القايد عيسى” لخربوشة، و”لكلام لمرصع” لجيل جيلالة، وكثيرا من أغاني “ناس الغيوان” من بينها “لبطانة”.
المهدي ليوبي، من جنس من ذكروا، في جيل لاحق. أتذكر أول أغانيه الفردية في سنة 2013 “لكل فرعون موسى” التي كانت مبتدأ تعبيره الفني السياسي، الذي بلغ اكتماله مع “النشيد” بجزأيه، ومقاطع “رابّ” أخرى نشرها من داخل المغرب، ثم خارجه بعدما اختار أن يقطن في الضفة الأخرى من المتوسط.
“المهدي” أو “بلاك ويند” (الريح السوداء) كما ارتضى لنفسه اسما بعد مغادرة مجموعة “الباسلين” لا تخلو أغانيه من تعبيرات سياسية حول راهن البلاد والعالم، حول عقلية الاستهلاك، وحول المغرب، والمغارب والعالم العربي، حول فلسطين، وحول مشهد “الراب” أيضا.
في هذه التعبيرات ما يرفض لحظات استقطاب حزبي لبعض شباب “حركة عشرين فبراير”، وما يرفض لاحقا التقرب من الجمهور من طرف سياسيين يستعملون تعبير “معكم خوكم (فلان)” بجواب “عمّرك تكون خونا حنا ونتا ماشي كيف كيف (لن تكون أخانا يوما، نحن وأنت لسنا مثل بعض)”، وهي رؤية من جنس ما عبر عنه حين قال: “…عايشين فالسحاب، وحنا مزاحمين فالسفلي”.
في تعبيرات “المهدي” نفس ناقد واضح، وإن كان يرفض الحل الحزبي “لا لامبة (المصباح)، لا المنجل، لا المطرقة”، وينحو نحو تعبيرات أقرب إلى “الأناركية”، مستلهما تجربة “قراصنة” مسقط رأسه سلا، ورافضا الارتهان إلى ما يعتبره توازنا سياسيا مختلا. وهذا في أول النقاش وآخره رأي، من بين آراء أخرى، يزخر بها المشهد السياسي المغربي، من أقصى يساره إلى أقصى يمينه، المنظّم وغير المنظّم.
لماذا التركيز على مسألة الرأي؟ لأن التعبير مهما كانت أبعاده وقوة كلماته، يبقى بارومترا للراهن السياسي، وراهن الوعي، ومؤشرا ينبه للثغرات وما ينبغي إصلاحه. هذه الأهمية الحقيقية لـ”المهدي” وآخرين كثر؛ هم أفراد مثقفون، لهم آراء، لا يضمرونها، ولا يتَتَأتؤُون في التعبير عنها. يجمعون جمهورا حول فكرة، وينبهون للتطلّع؛ تصورهم حول المغرب الممكن.
قبل أسابيع كان “المهدي” من بين من علت أصواتهم في مهرجان موسيقي من بين أبرز مهرجانات المملكة في الألفية الثالثة. أسمع أشعاره المغناه، وتفاعل مع الصحافة، ثم مضى، فأين الضَّير؟
اليوم، يتابع المهدي ليوبي، بسبب مضامين بعض أغانيه، بتهمة “إهانة مؤسسة دستورية”، وليس المبتغى هنا مناقشة صك الاتهام، بل إشكال المتابعة في حالة اعتقال في قضية تهم حرية الرأي والتعبير.
إن التدقيق والتمحيص في كل التعبيرات المجتمعية، سياسية كانت أو غيرها، دون اعتبار روح القانون، قد يُودي بالتنوع الإيجابي في المجتمعات إلى الانكماش أو التطرف. وباستثناء التخطيط للعنف، أو التحريض الصريح عليه، تبقى كل التعبيرات تحت سقف أوسع: قانون الصحافة والنشر، الذي لا ينبغي أن يُنظر إليه بوصفه قانون مهنة فقط، وإلا لسمي قانون الصحافة وحسب، بل هو قانون يهم كل ما ينشر، كل تعبير، وكل رأي.
قبل 11 سنة، قال وزير العدل والحريات سابقا مصطفى الرميد، خلال ورشة “إصلاح منظومة العدالة في العالم العربي”: الملك محمد السادس “أمر بتجنب متابعة أي مواطن حتى ولو تحدث فيه بسوء، وذلك لكون الملك لا يريد أن يقمع المغاربة ولكن يريد أن يحترموه”.
لا يعني هذا أن ما قاله “المهدي” يدخل في هذا الباب، بل هو تذكّر للأفق الممكن، في سبيل حرية الرأي والتعبير في المغرب، لأن اللجوء إلى القضاء أمر مشروع، وتقدير كل حادث بقدره مطلب مشروع كذلك؛ فقضايا النشر ينبغي أن لا تصير منفذا لسلب الحرية؛ حفظا للمسار، والتعدد المحمود، والمستقبل المأمول.
أضف تعليقك
من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.