"منتدى الإسلام بفرنسا" يراهن على الحلول العملية بدل "التمثيلية التقليدية"

"منتدى الإسلام بفرنسا" يراهن على الحلول العملية بدل "التمثيلية التقليدية"
صورة: أرشيف
الخميس 23 يوليوز 2026 - 06:00

قارب محمد المهدي اقرابش، أكاديمي وعضو منتدى الإسلام بفرنسا ونائب أمين المجلس الوطني للإرشاد الإسلامي بفرنسا، العلاقة الحساسة بين الدولة الفرنسية وبين الإسلام والمسلمين، منطلقا من جذور العلمانية الفرنسية، ثم إلى تطورات تاريخية حاسمة في هذا المسار.

وأبرز اقرابش أن غياب التمثيلية الحوارية بين الدولة الفرنسية والمسلمين حول الشأن الديني كان عاملا حاسما في رسم المشهد الديني الحالي، إلى جانب مقتل المدرس صامويل باتي، وطبيعة عمل منتدى الإسلام بفرنسا.

وقال الأكاديمي ذاته لهسبريس إن علاج هذه العلاقة تبدأ عبر فهم العلمانية الفرنسية (اللائكية) والتوقف عند جذورها التاريخية، حيث نبعت من صراعات دموية بين الكاثوليك والبروتستانت واضطهاد لمختلف المجموعات الدينية؛ مما جعل الشأن الديني موضوعا حيويا وحساسا في المجتمع ومؤسساته.

وتجسد هذا التحول في “قانون 1905” القائم على ثلاثة مبادئ: حياد الدولة تجاه الأديان، حرية ممارسة الشعائر، والمساواة بين الأديان دون تمويل حكومي لها، باستثناء فضاءات مغلقة كالسجون والمستشفيات والجيش، إضافة إلى بعض الاستثناءات التاريخية.

وأورد المتحدث أن القرن العشرين شهد نموا بارزا للوجود الإسلامي بفرنسا، بدءا من مشاركة آلاف الجنود المسلمين في الحربين العالميتين؛ ما أثمر بناء مسجد باريس الكبير كعرفان بتضحياتهم، في تجربة استثنائية لم تحترم الحياد المالي للعلمانية حينها. وتوطدت الممارسة الإسلامية مع موجات الهجرة العمالية في الخمسينيات والستينيات، ثم الاستقرار الأسرائي الممتد منذ السبعينيات. ونظرا لغياب تراتبية دينية موحدة وتوزع الجمعيات بين قوانين 1901 و1905 و1907، واجهت الدولة صعوبات متكررة في تنظيم المساجد والأئمة والأعياد.

كما شكل، وفق اقرابش، تأسيس المجلس الفرنسي للديانة الإسلامية (CFCM) عام 2003 بمبادرة من وزير الداخلية آنذاك نيكولا ساركوزي، خطوة لمأسسة التمثيلية الرسمية للمسلمين أمام الدولة والتنسيق مع المكتب المركزي للديانات؛ غير أن عمل المجلس شهد تعثرا كبيرا نتيجة تجاذبات حادة بين الاتحادات المكونة له، والتي انقسمت وفق مرجعيات وطنية وأيديولوجية متعددة. وضمّ المجلس تكتلات مغربية متمسكة بالمذهب المالكي والعقيدة الأشعرية وإمارة المؤمنين، إلى جانب حضور مسجد باريس الممثل للمصالح الجزائرية، وجمعية “CCTMF” التابعة لأنقرة.

وإضافة للتمثيلية الوطنية، وفق المتحدث، برزت التأثيرات الأيديولوجية لبعض الجماعات مثل فيدرالية “مسلمي فرنسا” ذات المشرب الإخواني، وحركة “ملي غوروش” التركية، وجماعة “الإيمان والممارسة” التابعة للتبليغ. وأمام هذا الانقسام المحموم، عمدت السلطات الفرنسية إلى سن قوانين تستهدف تعزيز قيم الجمهورية ومواجهة ما وصفته بالانفصالية. وقد أضعفت هذه الاستقطابات القدرة التمثيلية للمجلس الفرنسي للديانة الإسلامية؛ مما حال دون تحقيقه لهدفه الأساسي في توحيد صوت المسلمين بفرنسا.

وأورد العضو بمنتدى فرنسا للإسلام أن اغتيال المدرس صامويل باتي عام 2020 مثّل نقطة تحول حاسمة دفعت الحكومة الفرنسية إلى تشديد سياساتها في مكافحة التطرف، وفرض ضغوط سياسية مكثفة للوصول إلى “إسلام متوافق مع مبادئ الجمهورية”. وأدى هذا الضغط إلى انسحاب فيدراليات رئيسية من المجلس، ليُعلن الرئيس إيمانويل ماكرون لاحقا انتهاء دوره الرسمي. واعتمدت الدولة بدلا منه آلية “منتدى الإسلام بفرنسا” (FORIF) عام 2022، متخلية عن المقاربة المركزية الباريسية لصالح مقاربة محلية تعتمد على الفاعلين الميدانيين.

ويتميز “منتدى الإسلام بفرنسا” (FORIF)، أورد اقرابش، بكونه منصة حوارية تركز على الحلول العملية والتقنية لمشاكل واقعية، بعيدا عن الهياكل التمثيلية التقليدية ذات الارتباطات الخارجية. ويتكون المنتدى من مجموعات عمل متخصصة تناقش قضايا وضعية الأئمة والمرشدين والمقابر الإسلامية وحماية دور العبادة ومواجهة الاعتداءات ضد المسلمين. وتُرفع المقترحات المتمخضة عن هذه اللجان مباشرة إلى وزارة الداخلية لدراستها وتنفيذ الصالح منها وفق القوانين الجاري بها العمل.

وتابع: “أسفرت أشغال المنتدى عن إنجازات ملموسة، على الرغم من الإشكالات التنظيمية؛ أبرزها تأسيس المجلس الوطني للإرشاد الإسلامي (CNAM-France) للمستشفيات والسجون والجيش، وجمعية الدفاع عن المسلمين (ADDAM)، وجمعية (157) لمواكبة المعاملات الإدارية”. وأصبحت، حسب المتحدث، الاجتماعات الإقليمية سنويا تقليدا يجمع مئات الفاعلين المسلمين والمسؤولين الإداريين. وفي مقابل ذلك، يواجه المنتدى انتقادات تتعلق باختيار المشاركين عبر السلطات المحلية لا الانتخابات، وحصر دوره في الجانب الاستشاري دون امتلاك سلطة قرار ملزمة.

وتؤكد المعطيات، حسب الأكاديمي عينه، أن الدولة الفرنسية بموجب مبدأ العلمانية، لا تدير الدين الإسلامي ولا تعين أئمته أو رجاله؛ بل تقتصر مداخلاتها على القضايا ذات الصلة بالنظام العام وتطبيق التشريعات. وتتحرك الأجهزة الحكومية في نطاق الإشراف القانوني على الجمعيات، ومنع التحريض على العنف والكراهية، وتنظيم الأطر الإدارية للتواصل مع الطوائف الدينية.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

6
  • محمد
    الخميس 23 يوليوز 2026 - 07:33

    الاسلام دين الحق والعدل واعطئ لكل حق حقه بما يرضي الله. ودين مبني علئ التربية والتبادة لن يصلو الئ الاسلام ولن يزيل.و الاسلام مهما حاولو الغرب تطور في كل شئ الا القيم والمعاملة وتسيير حياتهم بما يرضي الله لم يصلو اليها بعد الا القليل الدي فهم الاسلام وفهم معنئ الاسلام وما اتئ به الاسلام

  • متتبع
    الخميس 23 يوليوز 2026 - 07:38

    الدين الإسلامي لا يحتاج إلى تأطير أو إرضاء أطراف معينة لأنه تنزيل سماوي

  • ALI
    الخميس 23 يوليوز 2026 - 07:44

    إذا كنت متديناً، فهذا شأنك الخاص وبينك وبين الله، بغض النظر عما يقوله الآخرون. لكن بعض الناس يمارسون الدين لجذب انتباه الآخرين، وهذا أمر سلبي بالطبع؛ لذا فأنت تدرك ما يتوجب عليك فعله إذا كنت مؤمناً. ولنحرص على ألا نعطي صورة سيئة عن الإسلام.

  • الاسلام دين الحق والعدل
    الخميس 23 يوليوز 2026 - 09:01

    التطبيق وإتباع الدين الاسلامي: بطريقة صحيحة،وسليمة:يجلب الخير والرزق من الخالق،والمخلوق.
    وتربية الاسلام،تربية نموذجية ان كانت سليمة وخارجة عن السياسة.
    لاأسف :اصبحنا نرى اناس يستغلون الاسلام للنصب،والسياسة واستغلال للنفوذ.وهنا في الديار الأوربية اصبحو يطلبون مكافءة مالية مقابل أداء صلاة التراويح معهم.

  • كريم
    الخميس 23 يوليوز 2026 - 10:34

    مند هجمات شاغلي بدو وملهى الباتكلان، دخلت فرنسا في حرب وجودية مع الاسلام، منع الحجاب وقريبا ستمنع الاسماء العربية خاصة محمد وفاطمة

  • ش.عبدالرحيم
    الخميس 23 يوليوز 2026 - 20:30

    المسلمون بصفة عامة يمرون من فترة ضعيفة لذلك لايستطيعون الدفاع عن دينهم او نشره او حتى الالتزام به وسط هذه الفتن من الشهوات والشبهات والقليل المتمسك بدينه فانه بعيد عن القرار وبالتالي لايهتم الا بنفسه واسرته ان استطاع .ومن جهة الغرب فانه لايذخر جهدا لمحاربة الدين الاسلامي بالخصوص لانهم يعلمون بانه هو الدين الصحيح وان الالتزام سيحرمهم من مصالحهم الدنيوية المكتسبة بطرق غير مشروعة واناىباقي الديانات فلايهتمون بها لانهم يعلمون جيدا بانها مبنية على باطل وفساد.

صوت وصورة
اللغات المغربية في الأدب والإعلام
الخميس 29 أكتوبر 2026 - 17:30 5

اللغات المغربية في الأدب والإعلام

صوت وصورة
حفر تهدد سلامة ساكنة بأكادير
الخميس 29 أكتوبر 2026 - 13:10 6

حفر تهدد سلامة ساكنة بأكادير

صوت وصورة
"سوبير الرحمة".. سوق مهجور بسلا
الخميس 29 أكتوبر 2026 - 12:21 6

"سوبير الرحمة".. سوق مهجور بسلا

صوت وصورة
الدار البيضاء - الصويرة في رحلة مباشرة
الأربعاء 28 أكتوبر 2026 - 23:50 3

الدار البيضاء - الصويرة في رحلة مباشرة

صوت وصورة
أكاديمية المملكة تناقش الترجمة القانونية
الأربعاء 28 أكتوبر 2026 - 23:30

أكاديمية المملكة تناقش الترجمة القانونية

صوت وصورة
"الحوارات الاستراتيجية" ترصد تحديات السيادة
الأربعاء 28 أكتوبر 2026 - 23:11

"الحوارات الاستراتيجية" ترصد تحديات السيادة