أتذكّرُ يوماً تصفَّحْتُ فيه أطروحةَ دكتوراه الأستاذ كريستوف، مُؤطِّر الأبحاث بكُلِّيتنا في فرنسا، إذ غاضَني حينها ما أورده في تصديرها، الذي ضمَّنه نصّاً تاريخيّاً، يحكي لحظة التحام “الفاتحين” المسلمين بـ”بنات اليونان”، كما وردت في خطبة طارق بن زياد، وهنَّ يهربنَ صاعداتِ الجبل…
لقد كان ذلك الشَّدُّ مُقْرِفاً، لكنّه لم يكن بقَدْرِ القَرَف والتَّرهُّل، الذي كان يقبع في عقولنا ونحن نعتقد في نُبْلِ أولئك “الفاتحين”. أجل، كان ذلك قاسياً، ولم نفهمه إلاّ بعد التفكير فيه من خارج الصندوق.
جاء ذكرُ “بنات اليونان” ضمن الخطبة الشهيرة لطارق بن زياد، وهو يحثُّ أصحابه على القتال ومواجهة العدوّ، بعدما وضعهم في الأمر الواقع، وأمر بحرق السُّفن التي أقلَّتهم إلى الضفاف المتوسِّطية لشبه الجزيرة الإيبيريّة.
الغريب في الأمر أنّ أغلب من يتناولون هذه الواقعة، يتناقلون مقولة طارق: “أيُّها الناس، أين المَفَرُّ؟ البحرُ من ورائكم، والعدوُّ أمامَكم، وليس لكم والله إلا الصِّدقُ والصَّبرُ”، ويُردِّدونها دون الاكترات إلى عُمق ذلك الفعل (فعل حرق السُّفن)، الذي يمكن تكييفه كإكراهٍ وجبرٍ على القتال، بينما الجهاد يكون بإرادة حُرَّة، ويُحرَّم الفرارُ من الزَّحف بقناعة تامّة؛ لأنه إذا كان “لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ” (سورة البقرة: 256)، فهل يُكْرَهُ أحدٌ على غزو بلدان الآخرين؟(1) فالله تعالى نفسه يقول: “أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنتُمْ لَهَا كَارِهُونَ” (سورة هود: 28).
لقد استمال القائدُ طارقٌ أصحابَه، وحفَّزهم على القتال عن طريق فتح شهيّتهم لإدراك “بنات اليونان”، قائلاً: “.. وقد بلغكم ما أنشأت هذه الجزيرة من الحور الحِسان، من بنات اليونان، الرافلات بالدُّرِّ والمَرجان، والحُلَل المنسوجة بالعُقبان، المقصورات في قصور الملوك ذوي التيجان، وقد انتخبَكم الوليدُ بن عبد الملك أميرُ المؤمنين من الأبطال عُرْباناً، ورضيكم لملوك هذه الجزيرة أصهاراً وأختاناً، ثقةً منه بارتياحكم للطعان”. فكان بذلك وفياً لإيديولوجية الأمويّين، إذ جسَّد فكرة “الجبر والإرجاء” في خطبته وفعله، فكان حرقه للسُّفن من قبيل سياسة الأمر الواقع، كما كانت طريقة استمالته لأصحابه من صُلْب ما اعتمده الأمويّون من أجل توسُّعهم(2).
لكن ما المشكل في ذلك؟ أليس القرآن الحكيم نفسُه يتحدَّث عن الحُور العِين؟
في هذا الموضوع يقول القاضي محمد كنعان: “لا أحد كان في الجنَّة والنار، كي يُخبرنا عمّا فيهما، وعليه يجب اعتماد القرآن الحكيم والروايات الصحيحة في هذا الشأن، إذ يتحدَّث القرآن الحكيم عن “قاصرات الطَّرْف” وعن “المقصورات في الخيام”، وهما مختلفان. الجنَّة فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر. فعندما يذكرها هو لا يركِّز فقط على المسألة الجنسية، يقول تعالى: “وَزَوَّجْنَاهُم بِحُورٍ عِينٍ” (سورة الدخان: 54)، فالتزويج في الدنيا ليس هو التزويج في الآخرة! المقاييس تختلف، بحيث يجب أن ننظر للإطمئنان التام والراسخ، قال تعالى: “أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ” (سورة يونس: 62). وبالتالي هناك معاني أعمق لما ورد بخصوص الجنَّة، تعكس نعمة الإطمئنان والاستقرار والتحرُّر من القذارات كلِّها. للأسف، هناك من لا يرى في ذلك سموّاً، فيطبِّق عليها مفردات الكبت التي يعاني منها، كما أنّ البعض لا يشاهدون القرب من حياض الله تعالى. التزاوج لا يعني بالضرورة العلاقة الجسدية فقط، لأنَّ الزوجية هي عدم الانفراد، وهي من الأُلفة والانسجام في كلِّ شيء، فلا يجوز بالتالي تطبيق حالات الكبت التي يعيشها الأرضيّون على ما في الجنَّة”.(3)
ثمَّ ما الغريب في تحريض طارق لأصحابه على القتال عن طريقِه بابَ بنات اليونان؟ وقد كانت بعض النساء المعروفات باسم “العمَّاريّات”، يقمن بدور المُحرِّضات لفرسان قبيلتهنَّ على القتال أثناء الحروب، إذ كانت العمَّاريَّةُ ذاتَ حَسَبٍ ونَسَبٍ، تحضُّ الرجال على القتال، واستمرَّت هذه العادة البدويَّة حتى في الإسلام، يوم ركبت عائشةُ بنت أبي بكر الهَوْدَجَ في معركة الجمل.
عادةٌ عرفتها نساء قريش في الجاهلية، إذ قالت هند بنت عُتبة:
نحن بنات طارق *** نمشي على النمارق
مشي القطا الموانق *** قيدي مع المفارق
ومن أبى نفارق *** إن تقبلوا نعانق
أو تدبروا نفارق *** فراق غير وامق
هل من كريم عاشق *** يحمي عن العوانق
والمسك في المفارق *** والدر في المخانق
هذا، ويبدو أنّ القائد طارق، في وقتنا الحالي كما في السابق، هو محلُّ تجاذب بين عدة فئات، فقائل: إنّه عربي (ابن خلدون)، وقائل: كان أمازيغياً (ابن خلكان)، وبين هذا وذاك تتهافت شعوب شمال إفريقيا من أجل نسبته إليهم.
أمّا المؤرخ عبد الخالق كلاب، فيؤكِّد من جهته على أنّ هذا القائد “لا يُعرَف اسمُه الحقيقي، خصوصاً وأنّ الأمويّين كانوا يُغيِّرون أسماء القادة العسكريين”، ولربَّما يكون اسم “طارق بن زياد” مجرَّد اسمٍ حركيٍّ باللغة المعاصرة.
بدورهم يتجاذب الإسلاميّون طارقاً إلى دائرتهم، كلَّما جهر الأمازيغيّون ونافحوا عن هويّتهم، فيلجأون إلى إبراز أمازيغيَّته، ولستُ أدري، قد يكون هؤلاء منسجمين في سعيهم هذا، ما دام طارقٌ هذا كان أمويَّ الهوى، لكنَّ الذي يُعاب ربَّما على غيرهم من مثقَّفي الأمازيغ، هو محاولتهم تلميع معطيات يعتبرونها “حقيقة علمية”، بقولهم إنّ “غالب العابرين إلى الأندلس كانوا من الأمازيغ، ورافقهم في ذلك قيَّادٌ وفقهاء وأدباء..”، متناسين بذلك فظاعة الغزو الأموي، وغياب المسند الشرعي لغزو بلاد الآخرين.
ربَّما يكون طارقٌ بحرقه للسُّفن قد وضع حدّاً لطموح أحفاد “بنات طارق” للعبور إلى بنات “جزيرة الوقواق”، ومَن يدري: “رُبَّ ضارَّةٍ نافعةٌ”…
الهوامش:
(1) انظر مقالنا “الأمازيغ أخوالٌ لأئمة أهل البيت“، جريدة هسبريس، 9 مارس 2025.
ما يسمى “فتوحات” حسب المفكِّر حسن فرحان المالكي تكون موافقةً للشرع في حال دفع اعتداء أو إزالة ظالم نُصرةً للمظلوم. وعليه، حسب التقعيد القرآني، فإنّ بعض الفتوحات مثل الشام والعراق كانت شرعية، ما دامت تسكنهما قبائل عربية كانت مستضعفةً من قِبل الفرس والروم. وهذا الفتح يكون بشرط إقامة العدل.
ويضيف حسن فرحان المالكي: “لكن من جهة مصر، ليبيا، تونس، الجزائر، المغرب؛ وكذلك من جهة الشرق: الهند، السِّند، بُخارى، سمرقند، ومن جهة الشمال أذربيجان وقلقيلية… هذه الفتوحات لم تُزِح ظالماً، والمسلمون آنذاك لم يعْدِلوا، حين أطلق الخليفة عثمان بن عفان يَدَ ولاته، الذين توسَّعوا في الهدايا والكنوز والغنائم، فكانت بالتالي هذه الفتوحات حروباً استعماريَّةً وغير شرعية”.
(2) عام 63 هجرية، أي بعد واقعة الطفِّ بكربلاء، واستباحة مدينة رسول الله في واقعة الحَرَّة، سيطر عُقبة بن نافع على شمال إفريقيا وصولاً إلى المحيط الأطلسي، حيث رحل من طنجة إلى السوس الأدنى فقتل أهلَها قتلاً ذريعاً؛ ومضى حتى بلغ السوس الأقصى فوجد خلقاً كثيراً لا يُسمع به، وأصاب نساءً لم يرَ مِثلهنَّ، فقيل إنَّ الجارية كانت تُشترى بألف مِثقال في المشرق.
وعلى نهج الأمويّين سار العباسيون، حيث يقول السيوطي في كتابه “تاريخ الخلفاء”: عندما غزا المسلمون إفريقية، بعث هشام بن عبد الملك برسالة إلى عميله هناك، يُطالبه بإرسال مزيد من السبايا إلى دمشق؛ وكان هذا نصَّ رسالته: “أما بعد، فإنَّ أميرَ المؤمنين رأى ما كان يبعث به موسى بن النُّصير إلى عبد الملك بن مروان، وأراد مِثْلَه منك، وعندك من الجواري البربريات المالئات للعيون، الآخذات للقلوب، ما هو مُعْوِزٌ لنا في الشام؛ فتَلطَّف في الانتقاء، وتوخَّ أنيقَ الجمال، عِظَمَ الأكفال، وسعةَ الصدور، ولينَ الأجساد، ورِقَّةَ الأنامِل، واعتدالَ القوام، ورخامةَ الكلام”.
(3) الشيخ القاضي محمد كنعان، “ما هي الجنَّة وما هي الحور العين؟”، 27 سبتمبر 2019 (محاضرة على اليوتيوب).
إن التحقيق في النصوص التاريخية التي تناولت مرحلة فتح الغرب الإسلامي عموما يكشف أنها لا ترقى للركون إليها في إصدار أحكام معينة…
و دون الدخول في تفاصيل ذلك التحقيق الذي تناوله مؤرخون، يمكننا القول أنها نصوص أدبية أقرب إلى “ألف ليلة و ليلة” منه إلى نصوص تاريخية.
فهل تصلح “ألف ليلة و ليلة” لكتابة التاريخ؟
الجواب هو لا..، غير أن قوة تأثير ذلك النص الأدبي شكل خيالنا بشأن تاريخ المرحلة التي يتحدث عنها
لم يكن التوسع الإسلامي بدعا من السنن التاريخية، فقد سبقت المسلمين إلى ذلك إمبراطوريات شتى في الشرق والغرب، إذ توسع الفرس على حساب الشعوب المجاورة، وسلك الرومان والمغول النهج ذاته. فغالبا ما تنطلق الحركة التوسعية من محيط جغرافي ضيق سواء كان قرية أو قبيلة يلتف حول قائد عبقري محنك وتتبناه أجيال متعاقبة تشربت الفكرة قالت بها السماء أو قال بها متعصب للقبيلة . وفي هذا السياق، اتخذ الأمويون من نشر الإسلام رداءا وأداة لتبرير التوسع في دول الجوار، وفق فهمهم للدين. بيد أن الغنائم والمكاسب المادية كانت هي المحرك الفعلي والوقود المستمر لديمومة هذه العقيدة الحربية، حتى إن بعض الخلفاء تجاوزوا النصوص والضوابط الفقهية التي تقضي بالكف عمن أعلن إسلامه من الشعوب المستهدف فرفضوا قبول إسلام بعض المجموعات واستمروا في فرض الجزية عليهم وفق تفسير عمل على صياغته شيوخ يمولهم البلاط تلبية لمتطلبات قوة الخليفة ومشتهياته من السبايا. فلم يكن إسلام الأمازيغ على سبيل المثال مانعا دون استمرار استهدافهم بالسبي والجباية، تماما كما جرى بنات الأصفر وبنات اليونان الإغريق.
عليك بترك التاريخ لأهل الاختصاص لان التاريخ علم وليس رواية.
متى كان الجهاد والفتح الإسلامي لنشر دين الله اعتداء وتوسعا.
ومن قال لك ان حادثة حرق السفن من طرف طارق ابن زياد كانت حقيقية.
ومن هن بنات اليونان في ذلك الوقت؟؟