المحاماة قوة للدولة

المحاماة قوة للدولة
الخميس 23 يوليوز 2026 - 23:15

من إصلاح المؤسسة إلى حماية استقلالها ومن النقد إلى التبخيس:

يستند هذا المقال إلى الأفكار التي عرضتُها في ندوة الرباط بدار المحاماة بتاريخ: 17 يوليوز الجاري، حول “المحاماة على ضوء الدستور والمعايير الدولية”، ثم دفعتني تطورات الملف، ولا سيما إحالة مشروع القانون على المحكمة الدستورية وبلاغ جمعية هيئات المحامين بالمغرب الصادر في 20 يوليوز 2026، إلى إعادة تنسيقها.

لا أنظر إلى ما يجري باعتباره شأنا مهنيا يخص المحامين وحدهم، بل أراه نقاشا حول إصلاح مؤسسة مستقلة تحتل موقعا أساسيا داخل منظومة العدالة والدولة الدستورية. فلم يعد الأمر خلافا حول مقتضيات قانونية أو مواجهة بين الحكومة وهيئات المحامين، بل صار سؤالا أوسع: هل نصلح المؤسسات المستقلة لتقويتها، أم يتحول الإصلاح، باسم التحديث والتخليق والنجاعة، إلى وسيلة لتبخيسها وإضعاف استقلاليتها أو لإخضاعها؟

يكمن الخطر في أن ما يقع اليوم مع المحاماة قد يطرح غدا مع القضاء أو مع الجامعة أو الصحافة أو غيرها من المؤسسات، التي لا تستقيم الدولة الدستورية من دون قوتها واستقلالها. لذلك لا أدافع عن مهنة أنتمي إليها، بل عن فكرة أوسع: تتقوى الدولة كلما قويت مؤسساتها واستقلت وتحملت مسؤوليتها، ولا تحتاج الدولة القوية إلى مؤسسات ضعيفة أو مدجنة.

لا يرمي هذا التحليل إلى تحصين المحاماة ضد النقد، ولا إلى إنكار اختلالاتها، ولا إلى استباق قرار المحكمة الدستورية، وإنما ينقل النقاش إلى أسئلة تتعلق بطبيعة الإصلاح وبالدولة التي نريد. فالإصلاح الحقيقي لا يبدأ بالنصوص وحدها، بل يبدأ بالصورة التي نحملها عن المؤسسة المراد إصلاحها، إذ لا يمكن بناء الثقة في مؤسسة ونحن نضعف مكانتها في الوعي العام.

مهنة حرة بوظيفة دستورية.

تكشف الطبيعة القانونية للمحاماة أنها لا تدخل ضمن التقسيم الصارم بين العام والخاص. فليست المحاماة مرفقا عاما بالمعنى التقليدي ولا هي إدارة عمومية ولا نشاطا تجاريا، إنها مهنة حرة مستقلة تؤدي وظيفة وثيقة الصلة بإقامة العدالة وحقوق الدفاع. لا يمارس المحامي سلطة الدولة، ولا ينبغي، إذا، أن يخضع في رسالته للسلطة التنفيذية، كما أن المحامي لا يقدم مجرد خدمة خاصة لموكله، لأن وظيفته ترتبط بحقوق دستورية تشمل الدفاع والمحاكمة العادلة وحماية الحريات.

لا يمنح استقلال المحاماة امتيازا للمحامي وإنما يضمن حق المواطن، الذي يحتاج دفاعا مستقال حين يواجه السلطة. وقد عالج الفقه الإداري الفرنسي هذه الوضعية من خلال مفهوم “الشخص الخاص المكلف بمهمة مرفق عام ” (personne privée chargée d’une mission de service public)، وأكد مجلس الدولة، في قرارات “مونبير” و”بوغان” ثم “نارسي”، أن الهيئات المهنية تظل خاصة في طبيعتها مع مشاركتها في تسيير مرفق عام وخضوع بعض قراراتها لرقابة القضاء. ويبقى المحامي صاحب مهنة حرة و”معاونا للقضاء” (auxiliaire de justice) يشارك في مرفق العدالة من موقع الاستقلال وليس التبعية.

أكد “روسكو باوند”، من جهة أخرى، أن ممارسة القانون ليست تجارة بل هي مهنة في خدمة العدالة، ورسخ “مونتيسكيو” أن الحرية لا تقوم من دون استقلال السلطة القضائية. كما ألزمت المبادئ الأساسية للأمم المتحدة بشأن دور المحامين، المعتمدة في هافانا سنة 1990، الدول بضمان أداء المحامين لمهامهم من دون ترهيب أو مضايقة أو تدخل غير مبرر، كما ربطت المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان استقلال المحامي بالمحاكمة العادلة. وتدخل هذه المعايير ضمن المرجعية التي تُقاس عليها القوانين في ضوء مكانة الاتفاقيات الدولية في دستور 2011.

لا تقع المحاماة خارج الدستور لأنه لم يسمها صراحة، بل إنها تستقر في صميمه لأنها تحمي أحد أهم الحقوق التي ضمنها: حق الدفاع.

نصلح المؤسسة ولا نبخسها.

تحتاج المحاماة، مثل القضاء والبرلمان والجامعة، إلى الإصلاح والمساءلة والحكامة. غير أن النقد يختلف عن التبخيس: ينطلق النقد من الإيمان بقيمة المؤسسة والرغبة في تقويتها، بينما يبدأ التبخيس حين تُختزل المؤسسة كلها في أخطاء بعض أفرادها. وتمر صورة المؤسسات عادة من التقديس غير الصحي إلى النقد الضروري، ثم قد تنزلق إلى التبخيس الأخطر.

يمكن إصلاح اختلالات المؤسسة، لكن إعادة بناء الثقة فيها بعد أن يفقد المجتمع إيمانه بها تحتاج سنوات. ومن يفقد ثقته في المحامي قد يفقدها في العدالة، ومن يفقدها في العدالة يبدأ في فقدانها في الدولة.

يفرض الإنصاف الاعتراف بأن المحاماة تعاني، مثل غيرها من المؤسسات المستقلة، مشكلات في الحكامة وشفافية التدبير، وأن عليها أن تقدم القدوة فيما تطلبه من غيرها. لكن هذه الاختلالات تُصلح بالحكامة والمساءلة، ولا تبرر نزع القيمة عن المؤسسة أو إخضاعها. فالقضاء يُصلح دون أن يُلغى، والجامعة تُصلح دون أن تُبخس، والمحاماة كذلك. يريد من ينتقد للإصلاح هيئة أقوى وأكثر شفافية، بينما يريد من ينتقد للإخضاع هيئة أضعف وأكثر طواعية.

من يروج التبخيس؟

يحق لنا أن نسأل عن الجهات التي ترفع أحيانا أعلى الأصوات لمحاسبة المحاماة، فيما تُثار حول بعض أنشطتها أسئلة الاحتكار والريع والقرب من الدولة والمساهمة الضريبية. فقد يوجه من يتقن تسليط الأضواء على غيره الأنظار بعيدا عنه، ومن كان بيته من زجاج لا يقذف بيوت الناس بالحجر.

يرافق ما سبق خطاب يهاجم المؤسسات ويلمع الأشخاص في الوقت نفسه، يهدم فكرة المؤسسة المستقلة ليصنع هالة حول أفراد أو جهات بعينها. ويقدم هذا الخطاب نفسه بوصفه “جرأة” و”قول للحقيقة”، لكنه، في الواقع، يضعف الموضوعية ويغذي الولاء للأشخاص على حساب الثقة في المؤسسات. فلا يبني الإصلاح من يهدم المؤسسة ويرفع الفرد فوقها، بل يبنيه من ينتقد الأشخاص حين يخطئون ويحمي المؤسسة لأنها أبقى منهم جميعا.

تكشف هذه الانتقائية خللا آخر: يرفع شعار “ربط المسؤولية بالمحاسبة” بحدة في وجه مهنة حرة، بينما يخفت الحديث عن الشفافية في قطاعات تُدبر فيها أموال عمومية طائلة، وحين تشتد المحاسبة على الصغير وتلين عند الكبير، تتوقف عن أن تكون مبدأ وتتحول إلى أداة للإخضاع.

لا تُبنى الثقة بإضعاف الدفاع.

يُقدم الإصلاح كثيرا باسم تحسين مناخ الأعمال وطمأنة المؤسسات المالية والمستثمرين الأجانب وتعزيز ثقتهم في العدالة. ويظل هذا المطلب مشروعا، لكن ثقة المستثمر لا تُبنى بإضعاف الدفاع الحر، بل باستقلال القضاء ونجاعة المساطر وأمن المعاملات. وتشكل المحاماة عنصرا داخل منظومة واسعة قد تتضمن عوامل أشد تأثيرا، لذلك لا يجوز توظيف خطاب “الثقة الخارجية” لتبرير قضم استقلال المهنة، لأن الأسواق تطمئن إلى عدالة مستقلة لا إلى عدالة مدجنة.

يكشف ما يجري تصورا لبناء الدولة يعتمد على أغلبية عددية تهيئ المجتمع وفق إرادتها، ثم تبرر ذلك بشعارات التنمية وجاذبية الاستثمار ومسايرة الخارج. لكن مجتمع المؤسسات القوية يختلف عن مجتمع تُطوع فيه الأغلبية كل شيء لمقاسها. فاليوم تُستهدف المحاماة، وقد يُستهدف غدا القضاء أو الجامعة أو الصحافة أو أي جسم مستقل. ولا تبني الدول الكبرى مستقبلها بإخضاع مؤسساتها باسم التنمية، بل تجعل التنمية ثمرة مؤسسات قوية مستقلة تراقب وتوازن وتحاسب.

يلتقي منطقان على إضعاف المحاماة: سلطة تريدها مطواعة، ورأسمال يريدها عمياء، ويستهدف كلاهما الضمانة نفسها، أي حق المواطن في دفاع حر.

تتحمل المهنة مسؤوليتها.

لا يعفي الدفاع عن استقلال المحاماة المهنة من مسؤوليتها. فمكانتها الدستورية تفرض على الهيئات والمحامين مستوى من المسؤولية يليق برسالتهم. وتسيء ردود الفعل المتشنجة والخطابات الانفعالية إلى القضية أكثر مما تخدمها، كما تمنح خصوم المهنة ذخيرة مجانية.

تدافع المحاماة عن نفسها بالحجة والرصانة والمرافعة العمومية، لا بتصعيد يغذي الصورة التي تصبح هي أول ضحاياها. ولا تحتاج المهنة إلى الاختيار بين النضال والمسؤولية، لأن نضالها الحقيقي ظل دائما جزءا من مسؤوليتها تجاه العدالة والمجتمع.

ماذا ننتظر من المحكمة الدستورية؟

انتقل النص بعد حسم الأغلبية البرلمانية إلى المحكمة الدستورية، وانتشر التباس حول ما يمكن أن تقرره. فاعتقد بعضهم أنها ستتدخل لـ”تصحيح الخطأ”، أو “ترفض القانون”، أو تعيد إلى المهنة ما لم تحصل عليه في البرلمان. غير أن هذا التصور لا يطابق وظيفة القضاء الدستوري.

تراقب المحكمة الدستورية مدى احترام النص للدستور ومبادئه، ولا تعيد التفاوض حول اختيارات المشرع ولا تصوغها وفق ما تراه أنسب. فهي تسأل: هل يخالف النص الدستور؟ ولا تسأل: هل يمثل أفضل قانون ممكن؟ وقد يبدو مقتضى ما سيئا أو غير عادل في نظر المهنة، لكنه يظل دستوريا، لذلك يجب التمييز بين دستورية القانون وجودته: يختص القضاء الدستوري بالأولى، بينما تبقى الثانية من مسؤولية السياسة والنقاش العمومي.

لا ينتج القاضي توافقا رفضت السياسة صناعته، بل يزن النص بميزان الدستور. فإذا قضت المحكمة بالمطابقة، فلا يعني ذلك تزكية جميع الاختيارات، وإذا قضت بعدم دستورية مقتضى، فلا يمثل ذلك انتصار طرف على آخر، بل انتصار سمو الدستور. وفي الحالتين ينبغي أن ينتصر الدستور ودولة القانون، لأن المحكمة تحسم في الدستورية، ولا تصنع وحدها الشرعية المهنية والاجتماعية.

تتغير الأغلبية وتبقى المؤسسات.

تكتسب هذه المسألة أهمية إضافية مع اقتراب استحقاقات تشريعية قد تعيد تشكيل الخريطة البرلمانية، حيث الأغلبية مؤقتة، بينما تمتد آثار القوانين والمؤسسات إلى ما بعد عمر الحكومات. وقد تصبح أغلبية اليوم أقلية غدا، وقد تتحول المعارضة إلى جزء من أغلبية جديدة، لكن الدولة ومؤسساتها تبقيان.

لا ينبغي أن تُبنى إصلاحات يراد لها أن تعمر عقودا بمنطق أغلبية لم يبق من عمرها إلا أشهر. فالتشريع بمنطق الدولة يفكر في استقرار المؤسسات على المدى الطويل، بينما قد يكتفي التشريع بمنطق الولاية الحكومية بما تسمح به أغلبية اللحظة.

يبقى النزاع خارج المحكمة.

أكد بلاغ جمعية هيئات المحامين بالمغرب الصادر في 20 يوليوز 2026 أن إحالة المشروع على المحكمة “لا تنهي الإشكالات”، ووصف الأزمة بأنها “أزمة منهج” لا تحترم الديمقراطية التشاركية و”أزمة ثقة” عنوانها “نقض العهود والتنكر للتوافقات”، مع إعلان استمرار تعليق الخدمات المهنية والأشكال النضالية وطنيا ودوليا. وأيا كان تقدير هذه القرارات، فإنها تكشف أن النص صار أمام المحكمة، بينما بقيت الأزمة خارجها.

يخسر الجميع حين يراهنون على التصعيد، مهما كانت الجهة التي تدفع إليه. غير أن المسؤولية لا تتوزع بالتساوي، فالسلطة الحكومية، بصفتها صاحبة المبادرة التشريعية والجهة التي تملك مفاتيح الحوار، تتحمل القسط الأكبر في وقف منطق الغلبة وإعادة الملف إلى طاولة التوافق. وفي المقابل، تتحمل المهنة مسؤولية اعتماد دفاع راق لا يمنح خصومها ذخيرة مجانية.

لا تمثل الشراكة تنازلا من طرف لآخر، بل تحقق مصلحة مشتركة: تكسب الدولة إصلاحا قابلا للحياة، ويكسب المواطن دفاعا حرا، وتكسب المهنة كرامتها، وتكسب العدالة ثقة لا يصنعها حكم قضائي وحده. وحين يخسر التصعيد الجميع، تبقى الشراكة الرابح الوحيد الممكن.

تقوى الدولة بمؤسساتها.

قد يُطرح غدا مع القضاة أو الجامعة أو الأطباء أو الصحافة ما يُطرح اليوم مع المحاماة. لذلك يتجاوز السؤال قانونا بعينه: هل نريد دولة تقنع أم سلطة تفرض؟ لا يضعف وجود قضاء مستقل وجامعة مستقلة وإعلام حر ومحاماة مستقلة الدولة، بل يكشف قوتها، لأن الدولة القوية تقوى بمؤسساتها لا عليها.

ينبغي أن ننتظر من المحكمة أن تحمي الدستور، لا أن تحل محل السياسة، وأن تقول كلمتها في الدستورية، لا أن تصنع وحدها الشرعية التي عجز الحوار عن بنائها. وبعد صدور قرارها، يعود السؤال إلى موضعه الطبيعي: هل نستطيع الجلوس من جديد إلى طاولة واحدة وبناء إصلاح لا يشعر فيه طرف بأنه انتصر على الآخر؟

لا تشكل المحاماة خصما للدولة، ولا تمثل جماعة تبحث عن امتيازات، إنها مهنة حرة تؤدي وظيفة لا تقوم دولة الحق والقانون من دونها. ولذلك يدافع من يحمي استقلالها عن المواطن يوم يجد نفسه وحيدا أمام السلطة. ستقول المحكمة كلمة الدستور، أما الشرعية والثقة فنبنيهما جميعا.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

صوت وصورة
أول الفهم | محمد مصطفى القباج
الإثنين 5 أكتوبر 2026 - 22:27

أول الفهم | محمد مصطفى القباج

صوت وصورة
التسول يغتصب براءة الأطفال
الإثنين 5 أكتوبر 2026 - 20:03 8

التسول يغتصب براءة الأطفال

صوت وصورة
طقس خريفي متقلب بالمغرب
الإثنين 5 أكتوبر 2026 - 16:17

طقس خريفي متقلب بالمغرب

صوت وصورة
النفايات تحاصر مدرسة ومستشفى
الإثنين 5 أكتوبر 2026 - 11:55 1

النفايات تحاصر مدرسة ومستشفى

صوت وصورة
أزمة النقل تخنق سكان طنجة
الإثنين 5 أكتوبر 2026 - 10:28 4

أزمة النقل تخنق سكان طنجة

صوت وصورة
GNV تحتفي بزبنائها في مراكش
الإثنين 5 أكتوبر 2026 - 09:20 1

GNV تحتفي بزبنائها في مراكش