موسم الهجرة إلى الأحزاب

موسم الهجرة إلى الأحزاب
كاريكاتير: عماد السنوني
الأربعاء 12 غشت 2026 - 15:08

تبدأ المأساة السياسية حين يفقد الفعل العامُّ معناه، ثم تتحوّل المأساة إلى ملهاة عندما يتولىّ بعض الفاعلين شرحها للناس بلُغة الوقار والفضيلة. يقفُ السياسي أمام الجمهور بملامح رجل يحمل مصير الأمة، بينما يحمل في جيبه حسابات الدائرة الانتخابية، وموازين النّفوذ، وأسماء الوسطاء، واحتمالات الفَوز. يتحدث عن المستقبل كما لو أنه شارك في صناعته، ويستدعي الوطن كلما احتاج إلى ستار أخلاقي يغطي به هندسة طموحه الشخصي.

هنا تفقد السياسة منزلتها بوصفها تدبيرًا عقلانيًا للشأن العام، وتتحوّل إلى مسرح واسع تتغير فيه الأدوار والملابس والدّيكورات، بينما يحافظ الممثل نفسه على الغاية ذاتها: الاقترابُ من السّلطة بأي خطاب، وتحصيل الموقع بأيّ راية. لا تكمن المفارقة في اختلاف الشعارات، وإنما تكمن في قدرة أصحابها على حمل المتناقضات بالجدّية نفسها، وعلى مخاطبة كل جمهور باللغة التي تفتح لهُم أبوابه.

لذلك لا يحتاج تأمُّل الانتخابات إلى عدسة قانونية فقط، إذ يحتاج أيضًا إلى حِسٍّ نقدي يكشف ما تخفيه البلاغة، ووعي سياسي يميز بين منْ يحمل فكرة ومنْ تحمله المناسبة، وبين حزب يصنعُ مشروعًا وحزبٍ يوزع تذاكر العُبور.

ما إن تقترب الانتخابات حتى تستيقظ في بعض السّياسيين حاسةُ الهجرة، فيجمعُ الواحد منهم حقائبه الأيديولوجية الخفيفة، وينفض الغبار عن خطاب جديد، ثم يعبر من حزب إلى آخر بخفة سائح لا يسأله أحد عن جوازه الفكري ولا عن تاريخ إقامته في المبادئ. يدخل الحزب الجديد كما يدخل المرء قاعة انتظار، يبتسم للقيادة، يُثني على المشروع، يعلن اكتشافه المتأخر للحقيقة، ثم يشرح للناس أن انتقاله لم ينبع من “طموحٍ شخصي”، وإنما فرضته عليه “مصلحة الوطن”، تلك العبارة المطاطية التي تتّسع للمصلحة الشخصية والعائلية والانتخابية، وتضيق كلما اقترب منها معنى الالتزام.

يتحول المشهد الانتخابي عندئذ إلى سوق موسمية تعرض فيها الأحزاب أسماء المرشحين كما تعرض المتاجر بضائعها قبل حلول الأعياد. يتفقَّد السياسي واجهات التنظيمات، يقارنُ بين فُرص الفوز، يسألُ عن ترتيب اللاّئحة، يختبرُ قوة الأعْيان، يُحصي عدد المقاعد المحتملة، ثم يختار الحزب الذي يمنحه أقصر طريق إلى المنصب. لا يسأل عن المرجعية الفكرية ولا عن المشروع المجتمعي ولا عن موقع المواطن داخل التَّصور السياسي. يسألُ عن المقعد، لأن المقعد في وعيه يسبقُ المبدأ، ولأن لون الشعار لا يهم ما دامت صورة المرشح ستحتل وسط الملصق.

حين تفقد السياسة بوصلتها

يملكُ بعض المترحلين قدرة عجيبة على تغيير القناعات بسرعة تفوق سرعة تغيير اليافطات. ينام أحدهم اشتراكيًا يحاضر في العدالة الاجتماعية، ثم يستيقظ ليبراليًا يُسبِّحُ بحَمْد السوق والمنافسة. يغادر حزبًا محافظًا بعد أن كان يحرس قيَمه، ثم يظهر في تجَمُّع حداثي مدافعًا عن الحرية الفردية. لا يعاني هذا التحول أي مخاض فكري، ولا يسبقه نقدٌ ذاتي، ولا ترافقه مراجعة نظرية. تحدث المعجزة عند إعلان الترشيحات، فيكتشفُ السِّياسي أن ضميره يحمل بطاقة عضوية جديدة، وأن مبادئه القديمة انتهت صلاحيتها مع نهاية الولاية السابقة.

تكشف هذه الظاهرة أزمة أعمق من مجرد انتقال فرد بين تنظيمين. إنها تكشف ضعف الثقافة السياسية داخل المجتمع، وهشاشة البناء الحزبي، وغياب الحدود الفكرية بين كثير من التنظيمات. حين تتشابه البرامج، وتضطرب المرجعيات، وتغيب الديمقراطية الداخلية، يصبح الحزب مجرد وسيلة انتخابية تحمل المرشح إلى المؤسسة ثم تتركه يدَبِّرُ مصالحه وفق ميزان القوة. تتحوّل العضوية إلى عقد منفعة مؤقت، ويتحول الانتماء إلى إقامة قصيرة، ويتحوّل النّضال إلى كلمة احتفالية تزيِّن الخُطب ولا تحكُم السّلوك.

الانتماء السياسي بين الفكرة والمقعد

لاَ يعني الانتماء السّياسي الحقيقي حمل بطاقة ولا ترديدَ شعار، ولا الظّهور خلفَ زعيم في صورة جَماعية. يبدأ الانتماء من اقتناع واعٍ بمنظومةٍ من القيم، ويستمرّ عبر الدفاع عنها في أوقات المكسب والخسارة. يختبر الزمنُ صدق المنتمي حين يفقد موقعه، وحين يخسر حزبه الانتخابات، وحين تختلف رؤيته مع القيادة.

منْ يغيّرُ موقعه كلما تغيّرت موازين القوة لا ينتمي إلى فكرة، وإنما ينتمي إلى الاتجاه الذي تهب منه رياح النفوذ. لا تمنع السياسة الإنسان من مراجعة اختياراته، فالمراجعة دليل نضج حين يرافقها تفسير فكري واضح، ونقد صريح للتجربة السابقة، وتحمُّل أخلاقي للمسؤولية. يستطيعُ السياسي أن يغادر حزبًا حين ينحرف الحزب عن مبادئه، أو حين تتسع الهوة بين قناعاته وممارسات التنظيم. غير أن الانتقال الذي يحدث عند أبواب الانتخابات، ويرتبط بموقع متقدم في اللائحة، ويختفي بعده كل خلاف فكري سابق، يثير الشك أكثر مما يثير الاحترام.

تتحمل الأحزاب جزءًا كبيرًا من المسؤولية حين تستقبل الوافدين الجُدد كما يستقبل ناد رياضي لاعبًا مشهورًا قبل مباراة حاسمة. تبحث عن الاسم القادر على حصد الأصوات، وتتغاضى عن تاريخه وتقلّباته، ثم تمنحه مكانة لم ينلها المناضلون الذين أمضوا سنوات في العمل الميداني. بذلك ترسل القيادة رسالة قاسية إلى أعضائها: الوفاء لا يضمن التقدم، والعمل التنظيمي لا يصنع المكانة، والقدرة على جلب الأصوات تمحو تناقضات الماضي. عندها يفهم الشباب أن أقصر طريق داخل الحزب لا يمرُّ عبر التّكوين والنّضال، وإنمَا يمرُّ عبر النفوذ والمال والشهرة.

في مواجهة موسِم التِّرْحال

يحتاج المجتمع إلى فكر سياسي متنور يعيد للانتخابات معناها، وينقلها من منافسة بين الأشخاص إلى مفاضلة بين المشاريع. يحتاج إلى أحزاب تنتج الأفكار، وتكوّن الأطر، وتفتح النقاش، وتحاسب قياداتها، وتحترم ذكاء المواطنين. يحتاج كذلك إلى ناخب لا يمنح صوته للصورة والقبيلة والوليمة والخطاب العاطفي، وإنما يقرأ البرنامج، ويسائل المرشح عن حصيلته، ويراقب انسجامه الأخلاقي والسياسي. لا تنمو الديمقراطية داخل صناديق الاقتراع وحدها، وإنما تنمو في العقل الذي يختار، وفي الحزب الذي يقترح، وفي المواطن الذي يحاسب.

لا يقدس الفكر السّياسي المتنور الحزب ولا يحوِّل الزعيم إلى مرجع نهائي. إنه يجعل الحزب أداة لخدمة المجتمع، ويجعل السلطة مسؤولية محددة، ويجعل الاختلاف حقًا، ويجعل النقد شرطًا للاستمرار. كما يربط السياسة بالأخلاق، لأن السياسة التي تفصل نفسها عن الأخلاق تتحوَّلُ إلى فنّ لإدارة المصالح الخاصة تحت لافتة المصلحة العامة. لا تكفي الكفاءة التقنية لصناعة رجل دولة، إذ يحتاج رجل الدولة إلى ذاكرة سياسية، وإلى شجاعة تجعله يرفض المنصب حين يتعارض مع قناعته. لا يمثل الترحال الحزبي مجرد حركة بين مقرين وشعارين، وإنما يعكس ترحالًا داخل الوعي السياسي نفسه. السياسي الذي لا يجد وطنه الفكري داخل حزب، ولا يحمل تصورًا ثابتًا للمجتمع، سيظل يبحث عن مقعد يشبهه: متحرك، مؤقت، قابل للاستبدال. وقد يفوز في الانتخابات مرة، وقد يحصد التصفيق في مهرجان، غير أن التاريخ لا يحفظ أسماء الذين أتقنوا القفز بين السفن، وإنما يحفظ أسماء الذين حافظوا على البوصلة عندما اضطربَ البحر.

حين تتحوَّلُ السِّياسة إلى سيَّارة أجْرَة

تحتاج الحياة السياسية إلى مناضلين لا إلى سياح موسميين، وإلى قيادات تحمل أفكارًا لا حقائب انتخابية، وإلى أحزاب تبني الثقة ولا تجمع الأصوات بأيِّ ثمن. عندما يصبح الانتماء موقفًا أخلاقيًا وفكريًا، تستعيد السياسة وقارها. وعندما يدرك السياسي أن الوطن ليس سلّمًا للصعود، وأن الحزب ليس سيارة أجرة توصله إلى البرلمان، تبدأ الديمقراطية في مغادرة خشبة التمثيل، وتدخل أخيرًا إلى فضاء الفعل والمسؤولية. لذلك، تحتاج الديمقراطية إلى تحرير السياسة من عقلية الغنيمة، وإلى إعادة بناء العلاقة بين المسؤولية والضمير، وبين التنظيم والالتزام، وبين الانتخاب والمحاسبة.

كما تحتاج إلى مواطن يرفض دور المتفرج، وينظر إلى صوته باعتباره عَقدًا سياسيًا لا مجاملة اجتماعية ولا استجابة لخوف عابر أو منفعة قريبة. حين ينمو هذا الوعي، ستفقد الخطابات الموسمية قدرتها على التضليل، وسيدرك المترحّلون أن الذاكرة العامة لا تمحو آثار الخُطوات مهما كثرت اللافتات الجديدة. قد ينجح السياسي في تغيير حزبه، وقد ينجح في تغيير صورته، وقد ينجح في إقناع بعض الناس أن انتقالَه فتحٌ فكريٌّ عظيمٌ، غير أنهُ لنْ ينجح دائمًا في تغيير الحقيقة: من جعل السياسة مهنة من دون مبدأ، سيحمِلُ المنصبَ فترةً، ويحمل اسمه طويلًا عبءَ الفراغ.

أما الوطن، فلن يحتاج إلى مزيد من مُحْترفي الوُصول، وإنّما يحتاج إلى رجالٍ ونساءٍ يعرفُون لماذا يدخلُون السِّياسة، وما الذي سيدافِعُون عنه، وأيُّ أثرٍ سيتركُونه بعدَ أن تنطفئَ الأضواءُ وتغلق صناديقُ الاقتراع.

لنتأمّلْ؛ وإلى حديث آخر.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

7
  • mjid
    الأربعاء 12 غشت 2026 - 15:56

    لا تنتظر من مجتمع لا يضع المتلاشيات و المخلفات في مكانها المناسب أن يضع الرجل المناسب في المكان المناسب . الشعب الذي ينتخب الفاسدين والانتهازيين و اللصوص والخونة لا يعتبر ضحية بل شريكا في الجريمة …!

  • ⴻⵍ ⴱⴰⵀⵉ
    الأربعاء 12 غشت 2026 - 16:25

    هناك هجرة تندد بها الأحزاب الحريك إلى سبته و مليلية المحتلين و لا تنديد واحد من الأحزاب على الحريك إلى احزاب أخرى وإن كان ليس هناك فرق فقط في الثراء لكي يشتري به الذمم من الفقراء والمساكين و المحتاجين قبح الله الفقر

  • سعداوي
    الأربعاء 12 غشت 2026 - 16:39

    مقال تناول بشكل جيد ظاهرة الترحال السياسي من حزب لآخر دون وجود ضوابط ردعية لذلك . النتيجة فقدان الثقة في الإنتخابات وتإكيد الإنطباع السائد عامة وهو البحث عن المصالح الشخصية على حساب مصالح الوطن والمواطنين ….

  • Farid
    الأربعاء 12 غشت 2026 - 16:43

    Quel paradoxe ! À chaque saison électorale, les sauveurs de la patrie se multiplient, au point de nous faire croire que le salut n’attend que l’ouverture des urnes. Mais à peine la campagne achevée, la patrie se retrouve seule à ramasser les promesses éparpillées !
    Dans son remarquable article, le professeur Abdelfattah Lahjomri a mis le doigt sur le cœur du mal : la patrie ne manque pas de virtuoses dans l’art de parvenir. Elle a besoin d’hommes et de femmes qui savent pourquoi ils sont entrés en politique, ce qu’ils entendent défendre et quelle trace ils laisseront une fois les applaudissements retombés.

  • RADI
    الأربعاء 12 غشت 2026 - 17:05

    رحم الله ايام زمان ايام السياسة و الضمير والانتماء و تامغرابيت الحرة .حينما كان المناضل القح يذوق العذاب و غيابات السجون والاعتقلات بسبب او بدون ذلك يكفي انه ينتمي لحزب ما و لن يستطيع التنكر و هجرة حزبه و مبادئه ولو وضع السيف على عنقه . الان مع التكنولوجيا الحديثة يعني المصالح الشخصية و الريع وقضاء المآرب اضحى الحرباء و لا اقول المناضل لحزب زيد او عمر يغير اللون و المبادئ و إن اقتضى الحال مقر السكن وحتى الزوجة مع كل اقتراع و لو لم تمنعهم وزارة الداخلية و المحكمة لغيروا الصالح اب كما يغيرون الجوارب. لقد اصاب السياسة المسخ و تم طلاؤها بقاو الحياء . حسبنا الله ونعم الوكيل فيهم .

  • صنع مشكلة من لاشيء
    الأربعاء 12 غشت 2026 - 18:19

    هذا سلوك لا أخلاقي و لذلك يجب على المرشح أن يبقى في حزب واحد طوال حياته حيث تغيير القناعة و الرأي هو ترحال حيث أن المناضل هو بمثابة العسكري و الحزب بمثابة قشلة !!

  • حما
    الخميس 13 غشت 2026 - 02:43

    عجبا لهذه الأحزاب التي تزكي المرشحين من زكى هذه الأحزاب التي هي نفسها غير متزكية من الشعب

صوت وصورة
الأباتشي في عرض جوي بمراكش
الخميس 8 أكتوبر 2026 - 12:43 4

الأباتشي في عرض جوي بمراكش

صوت وصورة
سيارات الأجرة والزيادة في التعريفة
الخميس 8 أكتوبر 2026 - 09:15 9

سيارات الأجرة والزيادة في التعريفة

صوت وصورة
عروض فرقة المسيرة الخضراء
الأربعاء 7 أكتوبر 2026 - 19:35

عروض فرقة المسيرة الخضراء

صوت وصورة
محافظتي تتيح تتبع العقارات عن بعد
الأربعاء 7 أكتوبر 2026 - 18:00 1

محافظتي تتيح تتبع العقارات عن بعد

صوت وصورة
إعادة هيكلة جوطية درب غلف
الأربعاء 7 أكتوبر 2026 - 17:12 4

إعادة هيكلة جوطية درب غلف

صوت وصورة
"صاك طنجة" يشعل مجلس البيضاء
الأربعاء 7 أكتوبر 2026 - 14:37 14

"صاك طنجة" يشعل مجلس البيضاء